Note: English translation is not 100% accurate
أكد ضرورة تربية أبنائنا على استشعار أفضال الوطن
العليمي: نحذّر من أناس يدّعون حب الوطن ويدندنون به وهم أضرّ الناس على أهله فالوطنية هي تقديم مصلحة الوطن على المصالح الشخصية
23 مارس 2012
المصدر : الأنباء

فلنصحح مفهوم الوطنية ولا نجعله محصوراً في مظاهر سطحية لا تعبّر عن الولاء الحقيقي للوطن فحب الأوطان يذكّر المؤمن بالوطن الأول ألا وهو الجنة
هناك من جعل حب الوطن طقوساً وشعارات لا تمت إلى الوطنية بصلة فنشأت أجيال هزيلة في ولائها ساذجة في مخزونها الفكري والعاطفيدعوات جميلة لمبادئ عظيمة تنادي بحب الوطن والعمل من أجله لتنشئة رجال يحملون في صدورهم حبا عظيما لوطنهم تظهر آثاره على سلوكهم ومبادئهم داخل الوطن وخارجه، من هناك كان لزاما علينا ان نعرف ما هي الوطنية وما هي المواطنة، حول هذا الموضوع المهم كان حوارنا مع الداعية الإسلامي د.راشد العليمي.
تصحيح مفهوم الوطنية
نجد بعض الناس يضعون شعارات على سياراتهم فهل يكفي ذلك لوطنيتهم؟
٭ من يضع الملصقات والشعارات كما نرى على السيارات كعلم الإمارات او البحرين او الكويت وعبارة أخرى معبرة عن حبهم لوطنهم، والبعض يشجع ناديا معينا فيضع ملصقه في غرفته او سيارته، والبعض يكتب دعاء لفقيد الوطن رحمه الله، وهناك من ينشر مقالات في الصحف يعبّر فيها البعض عن أهمية رفع العلم في الطابور الصباحي، وكيف ان تحية العلم تزيد من ولاء الانسان لوطنه، ويعترض البعض أشد الاعتراض على مجرد اقتراح الغاء الطابور الصباحي، لأن الغاءه يعني عدم وقوف الطلاب للعلم كل صباح، ولا أشكك أبدا في نوايا الناس، فبكل تأكيد هم يحبون الوطن ولذلك يعبرون عن حبهم بالوسائل المتاحة لهم، في الوقت نفسه أرفض ان أحصر مفهوم الوطنية في مظاهر سطحية لا تعبر عن الولاء الحقيقي للوطن، ما الفائدة ان وضع أحدهم علم الإمارات على سيارته ويأتي الى وظيفته متأخرا كل يوم ولا يؤدي عمله كما يجب؟ ما الفائدة ان وقف الطالب للعلم كل يوم وهو لا يهتم بممتلكات المدرسة فيخربها ويكسرها؟ المشكلة أكبر من ذلك، البعض يتهم في وطنيته لأنه يقترح الغاء الطابور الصباحي او لا يرى بأسا في عدم الوقوف للعلم، البعض يتهم في وطنيته لأنه لا يضع صورة على سيارته أو لا يشجع المنتخب، البعض يتهم في وطنيته ان قال رأيا مخالفا لما يراه بعض المسؤولين او لم ينسج ديباجة المدح لفلان او فلان بذلك يكون مفهوم الوطنية سطحيا باهتا ان جعلناه محصورا فقط في مظاهر يمكن لأي شخص ان يمارسها.
مسؤولية وحق
ما مفهوم الوطنية في نظركم؟
٭ الوطنية هي ان آتي الى عملي في الوقت المحدد وأخرج في الوقت المحدد لي وان أعمل بإخلاص ولا أستغل وظيفتي لأغراض خاصة، وان أكون على قدر المسؤولية ان أعطيت وظيفة كبيرة وان أنظر لهذه المسؤولية على انها تكليف لا تشريفا وان لم أستطع أداء حقها عليّ ان أتنحى لأترك غيري ممن هو أكثر كفاءة ليعطي المسؤولية حقها.
والوطنية هي مناصحة ولي الأمر والمسؤولين بالأسلوب المناسب وعدم خيانة ثقتهم بتصوير الواقع على غير حاله وهي تعني تربية أبناء الوطن على تقدير ورعاية خيرات الوطن وعطائه، والمحافظة على مرافقه ومكتسباته التي من حق الجميع ان ينعم بها وان يتمتع بحظه منها كاملا غير منقوص، وهي الالتزام بالقانون والمحافظة عليه، والوطنية تعني ان ألقي المهملات في المكان المناسب ولا ألقيها من نافذة السيارة، وهي ان اقدم مصلحة الوطن على مصالحي الشخصية والتصدي لكل أمر يترتب عليه الإخلال بأمن وسلامة الوطن، والعمل على رد ذلك بمختلف الوسائل والامكانات الممكنة والمتاحة، والوطنية الدفاع عن الوطن عند الحاجة الى ذلك بالقول او العمل وغيرها من الصور الدالة على صدق الانتماء ووضوح الولاء.
كيف رسخ الإسلام مفهوم الوطنية؟
٭ لقد فطر الإنسان على أمور عديدة منها ان يحب المرء ماله وولده وأقاربه وأصدقاءه، ومن هذه الأمور كذلك حب الإنسان لموطنه الذي عاش فيه وترعرع على أكنافه، وهذا الأمر يجده كل إنسان في نفسه، فحب الوطن غريزة متأصلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح الى البقاء فيه، ويحن إليه إذا غاب عنه ويدافع عنه إذا هوجم، ويغضب له إذا انتقص، ومهما اضطر الانسان الى ترك وطنه فإن حنين الرجوع إليه يبقى معلقا في ذاكرته لا يفارقه ولذا يقول الأصمعي: «قالت الهند: ثلاث خصال في ثلاثة اصناف من الحيوانات، الإبل تحن الى اوطانها، وإن كان عهدها بها بعيدا، والطير الى وكره وان كان موضعه مجدبا، والانسان الى وطنه وان كان غيره اكثر نفعا، ولهذا فإن حب الانسان لوطنه غريزة في بني الانسان وجدها أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم فقد اخرج الترمذي في جامعه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: «ما أطيبك من بلد وما احبك الي ولولا ان قومي اخرجوني منك ما سكنت غيرك» فهو صلى الله عليه وسلم يحب مكة حبا شديدا وكره الخروج منها لغير سبب ثم لما هاجر الى المدينة واستوطن بها احبها وألفها كما احب مكة، بل كان صلى الله عليه وسلم يدعو ان يرزقه الله حبها كما في صحيح البخاري «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو اشد» ودعا بالبركة فيها وفي بركة رزقها كما دعا ابراهيم لمكة، ونلاحظ ان حب النبي صلى الله عليه وسلم متأثرا بالبيئة التي عاش فيها، فقد كان يحب مكة ويحن إليها ثم لما عاش صلى الله عليه وسلم في المدينة وألفها اصبح يدعو الله ان يرزقه حبا لها يفوق حبه لمكة.
حب الأوطان
وكيف ترجم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحنين للوطن؟
٭ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من المدينة لغزوة أو نحوها تحركت نفسه إليها، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة، أوضع ناقته ـ أي أسرع بها ـ وإذا كانت دابة حركها» قال أبوعبدالله: زاد الحارث بن عمير عن حميد (حركها من حبها) وقال ابن حجر في الفتح وغيره: فيه دلالة على فضل المدينة وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه، وفي صحيح البخاري: لما أخبر ورقة بن نوفل رسول الله صلى الله عليه وسلم ان قومه ـ وهم قريش ـ مخرجوه من مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أومخرجي هم؟»، قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة ان توفي وفتر الوحي» وقال السهيلي ـ رحمه الله: «يؤخذ منه شدة مفارقة الوطن على النفس فإنه صلى الله عليه وسلم سمع قول ورقة انهم يؤذونه ويكذبونه فلم يظهر منه انزعاج لذلك فلما ذكر له الإخراج تحركت نفسه لحب الوطن وإلفه فقال أومخرجي هم؟ ولنتذكر ان الحديث عن حب الأوطان والحنين إليه وحب الوطن يذكر المؤمن بالله تعالى بالوطن الأول ألا وهو الجنة، نعم ذلك موطننا الأصلي الذي غفل عنه معظم الناس (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين).
من الإيمان
كيف يكون حب الوطن من الإيمان؟
٭ قال الفضيل بن عياض رحمه الله: «المؤمن في الدنيا مهموم حزين أهمه التزود بما ينفعه عند العودة، فمن حين خلق الله آدم عليه السلام وأسكن هو وزوجته الجنة ثم أُهبط منها، ووعد بالرجوع اليها وصالحوا ذريتهما، فالمؤمن أبدا يحن الى وطنه الأول وحب الوطن من الإيمان.
قال ابن القيم رحمه الله في قصيدته الميمية:
فحي على جنات عدن فإنها
منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سيئي العدو فهل ترى
نعود الى أوطاننا ونسلم
وقال أبوتمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبدا لأول منزل
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: «إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل.
وقال عمر بن عبدالعزيز في خطبته: «إن الدنيا ليست بدار قراركم كتب الله عليها الفناء وكتب الله على أهلها منها الظعن، فكم من عامر يوثق عن قليل يخرب وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النُقلة وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ولا وطنا فينبغي للمؤمن ان يكون حاله فيها على أحد حالين: إما ان يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربة همه التزود للرجوع الى وطنه الأول او يكون كأنه مسافر غير مقيم البتة بل هو ليله ونهاره يسبر الى بلد الاقامة فلهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر ان يكون في الدنيا على احد هذين الحالين.
ولنتذكر ان هذه الغربة سرعان ما تنقضي ويصير كل واحد منا بإذن الله إلى وطنه ومنزله الأول، وإنما الغربة التي لا يرجى انقطاعها هي الغربة في دار الهوان، ألا وهي جهنم نسأل الله ان يبعدنا عنها، فأعظم حنين ينبغي ان يكون الى وطننا الأول مسكن الأبوين ودار الخلد والنعيم.
الولاء والبراء
هناك فئة تدعي الوطنية ويضرون أهل الوطن فما تعليقكم؟
٭ نحن نحذر من أناس من الدين يدعون حب الوطن ويدندنون دائما حول الوطنية وحب الوطن وضرورة الانتماء اليه، وهم أضر الناس على الوطن وأهله، يريدون لنا الفساد والوقوع في شباك الفاحشة والرذيلة ويهدفون الى أمور منها تقليص المواد الشرعية وتقليل نصابها في الحياة الدراسية التعليمية او عدم الاهتمام بنشر أمور الأخلاق والفضيلة في المجتمع، فهل من الوطنية الحقيقية والانتماء الجاد للوطن حب إشاعة الفاحشة في مجتمعات المسلمين بدعوى الترفيه والتنشيط السياحي، وعبر بوابة احتفالات موسمية وأنشطة عائلية؟ وهل من الوطنية إغراق المجتمعات بطوفان من الفضائيات المخلة بالآداب والعفة والحشمة والتي لم تجلب للأمة إلا العار والدمار، وهل من الوطنية إغراق الأوطان الإسلامية بملايين السياح الأجانب من ذوي العقائد الوثنية او اللادينية، فيتصدع جدار الولاء والبراء، فهؤلاء أساءوا في إدراك الكيفية الحقيقية لحب الوطن فجعلوها ألحانا وترانيم وطقوسا وشعارات لا تمت الى الوطنية بصلة، فنشأت أجيال هزيلة من ولادتها ساذجة في مخزونها الفكري بل والعاطفي فالحب الحقيقي للوطن هو الذي يقدس العقيدة ويرسخها في الأجيال فينشأ حب الوطن لإيمان أهله وإسلامهم وخلو أرضهم من مظاهر الشرك والبدعة مثلما حرص على تأصيله حبيبنا ومعلمنا محمد صلى الله عليه وسلم فالحب الحقيقي للوطن لا يمت الى تلك المظاهر بصلة بل هو بعيد عنها تماما.
الوطنية الصحيحة
إذن ما رؤيتكم للوطنية الحقة وكيف نغرسها في نفوس أطفالنا؟
٭ هي عقيدة راسخة ومجتمعا موحدا وشعبا عفيفا وقيادة راشدة، ولا نفهم الدين إلا من التوحد والإيمان، وأمن الأخلاق والشرف وأمن المال والعرض والدم قال تعالى (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) لهذا فتربية الأبناء على استشعار ما للوطن من أفضال سابقة ولاحقة عليه بعد فضل الله سبحانه وتعالى فمنذ نعومة أظفارهم ومن ثم تربيتهم على رد الجميل ومجازاة الإحسان بالإحسان، لاسيما ان تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف تحث على ذلك وترشد إليه كما في قوله تعالى (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) هي من الدلالة على صدق الولاء والانتماء لهذا المكان والذي يقال عنه انها هي الوطنية الصحيحة.