Note: English translation is not 100% accurate
دفع الإفك والبهتان عن أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان (3 ـ 3)
14 مايو 2012
المصدر : الأنباء

الشيخ حاي الحاي
نكمل معكم اليوم الجزء الثالث والأخير من فضائل أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وعن أبيه، ونبدأ بفتوحاته الإسلامية:
فتوحات الشمال الأفريقي في عهد معاوية رضي الله عنه
أولا: حملة معاوية بن حديج رضي الله عنه:
معاوية بن حديج الكندي له صحبة ورواية قليلة عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد روي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن كان في شفاء فشربه عسل أو شرطه محجم أو كيه نار وما أحب أن أكتوي «وكان رضي الله عنه ملكا مطاعا من أشراف كندة وكان من خيرة الأمراء فعن عبدالرحمن بن شامة قال: دخلت عائشة فقالت ممن أنت؟ قلت من أهل مصر قالت: كيف وجدتم ابن حديج في غزواتكم هذه؟ قلت: خير أمير ما يقف لرجل منا فرس ولا بعير إلا أبدل مكانه بعيرا ولا غلاما إلا أبدل مكانه غلاما قالت: إنه لا يمنعني قتله أخي أن أحدثكم ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم من ولى من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ومن شق عليهم فاشقق عليه».
وبعد أن استتب الأمر لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كانت جبهة شمال أفريقيا من أولى الجبهات التي وجه إليها اهتمامه لأنها تتاخم حدود مصر الغربية من ناحية أخرى فهي تخضع لنفوذ الدولة البيزنطية العدو اللدود للمسلمين والتي صمم أمير المؤمنين معاوية على تضيق الخناق عليها، وعدم إعطائها فرصة لالتقاط أنفاسها ففي الوقت الذي واصل فيه ضغوط عليها من الشرق وزحفه على جزرها في البحر المتوسط تمهيدا للوصول إلى عاصمتها القسطنطينية نراه قد قرر أن يطوقها من الجنوب من شواطئ شمال أفريقيا التي كانت تعتبرها من أملاكها ففي أول سنة من حكم 31 هـ أرسل معاوية رضي الله عنه بن حديج على رأس حملة الى أفريقيا ثم أرسله ثانية سنة 35 هـ على رأس حملة من عشرة آلاف مقاتل فمضى حتى دخل افريقيا وكان معه عبدالله بن عمر بن الخطاب، وعبدالله بن الزبير وعبد الملك بن مروان في طريق يقال له نقفورا في ثلاثين ألف مقاتل فنزل الساحل فأخرج إليه معاوية بن حديج عبدالله بن الزبير في خيل كثيفة فسار حتى نزل على شرف عال ينظر منه إلى البحر بينه وبين مدينة سوسة اثنا عشر ميلا فلما بلغ ذلك نقفورا أقلع من في البحر منهزما من غير قتال ورجع بن الزبير إلى معاوية بن حديج وهو بجبل القرن ثم وجه ابن حديج عبد الملك بن مروان في ألف فارس إلى مدينة جلولاء فحاصرها وقتل من أهلها عددا كثيرا حتى فتحها عنوة وأغزى معاوية بن حديج جيشا في البحر إلى صقلية في مائتي مركب فسبوا وغنموا وأقاموا شهرا ثم انصرفوا إلى أفريقيا بغنائم كثيرة.
وبعد هذه الفتوحات عاد معاوية بن حديج إلى كصر دون أن يترك قائدا أو عاملا ويفهم من هذا التصرف ومن سلوك معاوية بن حديج أثناء هذه الغزوة أن البربر أهل البلاد كانوا قد أصبحوا حلفاء المسلمين على الروم وأن المسلمين كانوا يكتفون إلى ذلك الحين بإبعاد الخطر الرومي من هذه الناحية وعندما استعاد معاوية بن حديج طرابلس الغرب ترك فيها رويفع بن ثابت الأنصاري واليا عليها سنة 32 هـ فغزا منها افريقيا «تونس» ودخلها سنة 37 هـ وفتح جزيرة جربة التي كان يسكنها البربر.
وقد تحدثت المراجع عن كثرة السبايا في هذه الغزوة وقام رويفع بن ثابت إني لا أقول لكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول يوم حنين: «لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم».
وقد بقي في ولاية طرابلس الغرب ثم ولاه مسلمة بن مخلد ولاية مصر وبرقة وبقي عليها أميرا ومات بها سنة 52 هـ وقبره معروف في الجبل الأخضر ببرقة في مدينة البيضاء وهو آخر من توفي من الصحابة هناك وروي عن النبي ثمانية احاديث، كان فقهيا من أصحاب الفتيا وخطيبا مفوها.
ثانيا: عقبة بن نافع وفتح افريقية:
هو عقبة بن نافع القرشي الفهري نائب افريقيا لمعاوية وليزيد وهو الذي أنشأ القيروان واسكنها الناس وكان ذا شجاعة وحزم وديانة شهد فتح مصر واختلط بها فقد أسند معاوية بن أبي سفيان قيادة حركة الفتح في افريقيا إلى هذا القائد الكبير الذي خلد التاريخ اسمه في ميدان الفتوحات وكان عقبة قد شارك في غزوة افريقية منذ البداية مع عمرو بن العاص قد خلفه على برقة عند عودته إلى الفسطاط فظل فيها يدعو الناس إلى الإسلام وقد جاء اسناد القيادة إلى عقبة بن نافع خطوة موفقة في طريق فتح شمال افريقيا كله وذلك أنه لكي يستقر الأمر للمسلمين في افريقية ويكلف أهلها عن الارتداد فلابد من بناء قاعدة ثابتة للمسلمين ينطلقون منها في غزواتهم ويعودون إليها ويأمنون فيها على أهلهم وأموالهم فلما أسند إليه معاوية بن أبي سفيان قيادة الفتوحات في افريقية أرسل إليه عشرة آلاف فارس وانضم إليه من أسلم من البربر فكثر جمعه.
عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال سأل معاوية بن أبي سفيان سعدا ما منعك أن تسب أبا التراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه لأن تكون لي منهن أحب إلي من حمر النعم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له خلفه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه نبوة بعدي» وسمعته يقول يوم خبير: «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. قال فتطاولنا لها فقال ادعو لي عليا» فأتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه ولما نزلت هذه الآية (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم)، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسينا فقال «اللهم هؤلاء أهلي».
قال النووي «قال العلماء: الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابي يجب تأويلها، قالوا ولا يقع في روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله فقول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدا بسبه. إنما سأله عن السبب المانع له من السب، كأنه يقول: هل امتنعت تورعا أو خوفا أو غير ذلك فإن كان تورعا وإجلالا له عن السب فأنت مصيب محسن وإن كان غير ذلك فله جواب آخر ولعل سعدا قد كان في طائفة يسبون، فلم يسب معهم عن الإنكار فأنكر عليهم فسأل هذا السؤال قال ويحتمل تأويلا آخر أن معناه أن تخطئه في رأيه واجتهاده وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وأنه أخطأ «قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن كلمة السب أصبحت اليوم تستعمل بمعنى الشتم والإقذاع في الكلام ولكنه كان ربما يستعمل في القرون الأولى بمعنى الملامة والتخطئة، وقد مر في صحيح مسلم) في كتاب الفضائل باب معجزات النبي صلى الله عليه وسلم «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع رفقته من الشرب من عين تبوك قبل أن يصل إليها النبي صلى الله عليه وسلم سبقه رجلان إليها» فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل مسستما من مائها شيئا؟ قالا: نعم فسبها النبي صلى الله عليه وسلم «وظاهر هذا وقد أخرج البخاري في مناقب علي» أن رجلا جاء إلى سهل بن سعد فقال: هذا فلان ـ لأمير المدينة يدعو عليا عند المنبر ووقع في رواية الطبراني يدعوك لتسب عليا وقال سهل بن سعد يقول ماذا؟ قال يقول له أبو تراب «فقد أطلقت كلمة السب هنا على مجرد تلقيب علي رضي الله عنه بأبي تراب. فما ذكر عن معاوية رضي الله عنه حديث الباب لا يدل على أنه كان يحب أن يسب علي رضي الله عنه بالإقذاع في الكلام في حقه وإنما المقصود تخطيه بإزاء موقف معاوية رضي الله عنه وملامته بذلك.
وقد ثبت في غير ما رواية أن معاوية رضي الله عنه قد اعترف بفضل علي رضي الله عنه في سيرته وخلقه فبكى عند وفاة علي رضي الله عنه فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال «ويحك، إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم» البداية والنهاية.
وذكر ابن كثير «بداية ونهاية» أيضا أنه أثنى ضرار الصدائي على علي بمحضر معاوية رضي الله عنه فأطال في الثناء عليه فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب وقال «ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب».
ذكر ابن عبد البر «في الاستيعاب» (وقد وقع بسر بن أرطاة مرة في علي بمحضر من معاوية وزيد وعمر بن الخطاب فأنكر عليه معاوية وقال «تشتم عليا وهو جده» أخرجه الطبري
فنظرا إلى هذه الروايات وإلى فضل الصحابة ونبلهم لابد من حمل كلمة السب في حديث الباب على ما قلنا من التخطئة والتغليظ لا على معناه المعروف من الشتم والاقذاع والإهانة.