Note: English translation is not 100% accurate
في العدد الجديد من صفحة «رابطة الشريعة»: د.الشريف يواصل الحديث عن «التدرج في تطبيق الشريعة الإسلامية»
12 سبتمبر 2012
المصدر : الأنباء


كلمة العددد. بدر إبراهيم الرخيصنزل كلام الله تعالى ليكون حكما بين الناس عند الاختلاف، ويقودهم إلى أفضل حياة على الأرض، ويبين لهم سنن الله تعالى في خلقه لمن أطاعه أو عصاه للأمم والأفراد.
وقد أمر الله تعالى الناس بالكف عن القتال والحرب في الأشهر الحرم التي هي ثلاثة أشهر متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، والرابع الفرد شهر رجب. وبعد خمسة أيام سيهل علينا شهر الله المحرم «ذوالقعدة»، فيحرم فيه القتال حتى يأمن الناس في تلك الأشهر الحرم، وهي حوالي 90 يوما متصلا، قال تعالى في سورة البقرة آية (217) (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به)، وقال تعالى في سورة التوبة آية (36) (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم)، ومن انتهك حرمة الله تعالى فإن الله تعالى توعده بالانتقام قال تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) (25) وبين الله تعالى لنا كيف انتقم من ابرهة الحبشي بالطير الأبابيل في وادي النار في محسر بين مشعر منى ومزدلفة في شهر الله المحرم قبل مولد نبينا محمد (بخمسين يوما) (بسم الله الرحمن الرحيم ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. ألم يجعل كيدهم في تضليل. وأرسل عليهم طيرا أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل. فجعلهم كعصف مأكول) هذا في العهد الجاهلي قبل البعثة، تحقيقا لوعده ووعيده لما سبق من النذر من تعاليم الله تعالى للبشر.
أما في الوقت المعاصر فلنا مثال قريب عبرة لمن أراد، وهو اعتداء الرئيس البعثي صدام حسين على الأشهر الحرم عندما غزانا في الكويت في يوم الخميس الحادي عشر من شهر الله المحرم 1411 هـ الذي وافق 2 أغسطس 1990م، أي قبل اثنين وعشرين عاما تقريبا، فماذا كان انتقام الله تعالى منه، بأن سلط الله تعالى عليه انتقامه وغضبه أمام الناس تحقيقا لقوله تعالى في سورة البروج (إن بطش ربك لشديد. إنه هو يبدئ ويعيد. وهو الغفور الودود. ذو العرش المجيد. فعال لما يريد. هل أتاك حديث الجنود. فرعون وثمود. بل الذين كفروا في تكذيب. والله من ورائهم محيط. بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ). فهل وقف أهل الشام الاقتتال بينهم والحرب في الأشهر الحرم؟، فهل من مدكر؟
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قضايا معاصرة
التدرج في تطبيق الشريعة الإسلامية (6)
د.محمد عبد الغفار الشريف
ينبغي لمن يريد الاجتهاد أن يجمع جميع الأدلة الشرعية المتعلقة بالسؤال
يجوز التدرج في تطبيق الشريعة عند العجز عن تطبيقها كاملة لأن ما لا يدرك كله لا يترك كله
التدرج في التحريم له أمثلة منها الخمر والربا
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق»
المقصود بالتدرج
التدرج في التشريع:
ظهر الإسلام بين العرب وقد تأصلت في نفوسهم غرائز لا يسهل اقتلاعها طفرة، وإلا لأدى ذلك إلى الحرج، من أجل ذلك نزل القرآن منجما، قال تعالى (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا) الإسراء 106، وجاءت أحكامه التكليفية تباعا بعد حدوث أسباب تقتضيها، كي يكون ذلك أوقع في النفس وأقرب إلى الانقياد، وتتهيأ النفوس بالحكم السابق لتلقي الحكم اللائق فيسهل عليها الأمر وكثيرا ما سلك التشريع التدرج في حكم الشيء الواحد، والانتقال به من حالة إلى حالة أخرى، إلى أن يصل إلى الحكم النهائي، ومن أمثلة التشريعات المتدرجة:
أ ـ الخمر: فقد كان من المشروبات الشائعة عند العرب، حين سأل الناس رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - عن حكمه في الإسلام نزل قوله تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما) البقرة 219.
عن أبي هريرة قال «قدم رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وعلى صحبه وسلم ـ عنهما، فأنزل الله (يسألونك عن الخمر والميسر... الآية)، فقال الناس: ما حرم علينا إنما قال: إثم كبير فكانوا يشربون الخمر، حتى كان يوم من الأيام أم رجل من المهاجرين الصحابة في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها (يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) النساء 43.
وعن ابن عباس قال: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا فلما ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر في وجهه ورأسه ولحيته، فيقول: صنع بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فيقول: والله كان بي رؤوفا رحيما ما صنع بي هذا.. حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله هذه الآية (يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم منتهون)المائدة 90-91.
ب ـ الربا: تدرج التشريع بالنسبة إليه. ففي أول الأمر أوضح الله أن الربا لا نماء فيه ولا بركة، وقارن بينه وبين الزكاة مبينا ان الأخير مما يضاعف الله ثوابها، ويبارك فيها فقال تعالى: (وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) الروم 39 ثم بعد ذلك بين الله تعالى أن الربا ظلم، وأنه حرّم على اليهود طيبات كثيرة كانت حلالا لهم، بسبب أكلهم الربا وقد نهوا عنه، فكان ذلك إنذارا من الله بأنه سيحرم الربا على المسلمين، فقال تعالى (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيرا، وأخذهم الربا وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما) النساء 160-161 فكانت بيانا من الله بعدم قبول الربا، ومقدمة للمنع.
ثم نهى الله بعد ذلك عن تعاطي الربا في أقبح صورة، وهي الصورة التي كانت شائعة بين الناس، فقال سبحانه: (يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون) آل عمران 130، ثم جاء التشريع بالتحريم للربا بجميع أنواعه، مصحوبا بالتهديد الشديد، وإعلان الحرب على المرابين، ولم يكن ذلك إلا حين استقر في نفوس المسلمين أن الربا لا فائدة فيه، وأن الله لا يرضى عن التعامل به، وفي ذلك يقول سبحانه: (وأحل الله البيع وحرم الربا، فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله، ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم) ثم قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أمولكم لا تظلمون ولا تظلمون) البقرة 275-279.
جـ ـ الزكاة: كانت في أول الأمر اختيارية غير محددة الأنصبة والمقادير. يخرج الشخص قدر ما يستطيعه من غير تحديد بمقدار، قال تعالى: (يسألونك ماذا ينفقون قل العفو)البقرة 219، ثم بعد ذلك فرضت محددة المقادير، وشرعت مختلفة باختلاف نوع المال، فكانت عشر الخارج في الزروع والثمار إن كانت الأرض تسقى بماء السماء أو سيحا، ونصف العشر إن كانت تسقى بآلة رافعة وربع العشر في الذهب والفضة، وعددا معينا في الحيوان.
د ـ الصلاة: فقد شرعت في الأمر صلاتين، صلاة في الغداة، وصلاة في العشي، فلما ألف الناس ذلك شرعها الله خمس صلوات في اليوم والليلة ركعتين ركعتين ما عدا المغرب فقد شرع ثلاثا، ثم بعد ذلك أقرت في السفر ركعتين وزيدت في الحضر إلى أربع ركعات في الظهر والعصر والعشاء.
بعد هذه المقدمة نحاول الإجابة عن السؤال المطروح: هل يجوز التدرج في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية؟
في الواقع انني لم أجد أحدا من العلماء المتقدمين قد تكلم في هذا الموضوع، لأنهم لم يكونوا بحاجة إليه، وإن كان بعضهم قد تطرق إلى موضوعات لها علاقة بالموضوع من قريب كمثل: ما موقف المسلم إذا عمّ الحرام الأرض أو ناحية من النواحي؟ وقد تكلم بعض المعاصرين حول الموضوع بين مؤيد للفكرة ومعارض، ومن المعارضين للتدرج الأستاذ سيد قطب ومحمد قطب ود.البوطي.
ومن المؤيدين للفكرة أبو الأعلى المودودي ود.محمد البورنو ويفهم من كلام د.القرضاوي واستدل الفريق الأول بما يأتي:
بعموم الآيات التي جاءت تأمر بتحكيم شرع الله تعالى، وكذلك الأحاديث النبوية الشريفة، وقد مر ذكرها والكلام عن بعضها.
قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة 3.
يقول الأستاذ سيد قطب ـ رحمه الله: هذه الكلمات الهائلة ترد ضمن آية موضوعها التحريم والتحليل لبعض الذبائح، وفي سياق السورة التي تضم تلك الأغراض التي أسلفنا بيانها.. ما دلالة هذا؟ إن بعض دلالته أن شريعة الله كل لا يتجزأ، كل متكامل سواء فيه ما يختص بالتصور والاعتقاد، وما يختص بالشعائر والعبادات، وما يختص بالحلال والحرام، وما يختص بالتنظيمات الاجتماعية والدولية، وأن هذا في مجموعه هو «الدين» الذي يقول الله عنه في هذه الآية: إنه أكمله، وهو «النعمة» التي يقول الله للذين آمنوا: إنه أتمها عليهم، وانه لا فرق في هذا الدين بين ما يختص بالتصور والاعتقاد، وما يختص بالشعائر والعبادات، وما يختص بالحلال والحرام، وما يختص بالتنظيمات الاجتماعية والدولية.. فكلها في مجموعها تكون المنهج الرباني الذي ارتضاه الله للذين آمنوا، والخروج عن هذا المنهج في جزئية منه، كالخروج عليه كله، خروج على هذا «الدين» وخروج من هذا الدين بالتبعية.
والأمر في هذا يرجع إلى ما سبق لنا تقريره، من أن رفض شيء من هذا المنهج، الذي رضيه الله للمؤمنين، واستبدال غيره به من صنع البشر، معناه الصريح هو رفض ألوهية الله سبحانه وإعطاء خصائص الألوهية لبعض البشر، واعتداء على سلطانه في الأرض، وادعاء للألوهية بادعاء خصيصتها الكبرى.. الحاكمة.. وهذا معناه الصريح الخروج على هذا الدين، والخروج من هذا الدين بالتبعية.
قوله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وإن كثيرا من الناس لفاسقون. أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) المائدة 49-50 لقد علم الله أن معاذير كثيرة يمكن أن تقوم، وأن يبرر بها العدول عن شيء مما أنزل الله واتباع أهواء المحكومين للمتحاكمين، لذا فقد حذر الله نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في هذه الآيات مرتين من اتباع أهواء المتحاكمين، ومن فتنتهم له عن بعض ما أنزل الله إليه.
قوله تعالى (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب، وما الله بغافل عما تعملون).
واستدل الفريق الثاني بما يلي:
التدرج التشريعي في زمن الرسالة:
يقول الأستاذ المودودي ـ رحمه الله ـ تحت عنوان «تنفيذ القانون الإسلامي في باكستان»: إذا كنا نريد حقا أن يحالفنا التوفيق في إلباس هذه الفكرة حلة العمل والتنفيذ، لا ينبغي أن نغفل قاعدة للفطرة لا تقبل التغيير، هي أنه لا يحدث الانقلاب في الحياة الاجتماعية إلا بالتدرج، ولابد أن يكون كل انقلاب بددا غير محكم على قدر ما يكون فوريا متطرفا، ولابد لكل نظام راكز المبادئ والأصول أن يجري تغييرا في كل جهة من جهات الحياة، وناحية من نواحيه باتزان تام، حتى تساند كل ناحية منه نواحيه الأخرى.
وأحسن أسوة في هذا الصدد ذلك الانقلاب الذي تم على يد رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ في بلاد العرب. فغير خاف على من له أدنى إلمام بسيرته ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ أنه ما كان طبق القانون الإسلامي بجميع شعبه ونواحيه دفعة واحدة، بل كان قبل هذا الانقلاب قد مهد الأرض وأعد المجتمع لقبوله، ومازال شيئا فشيئا مع هذا الإعداد للمجتمع، يبدل طرق الجاهلية ويستعيض بها طرق الإسلام وقواعده الجديدة. عرض على الناس قبل كل شيء تصورات الإسلام ونظريته الأساسية ومبادئه الخلقية. ثم أخذ يربي من قبلوا منهم هذه الدعوة وانضموا تحت لوائها على حب الصلاح والتقوى، ويؤلف بهم طائفة كانت عقيدتها ووجهة نظرها في الحياة الإسلامية لا تشوبها شائبة من أدناس الجاهلية وأرجاسها.
فما إن تم له ذلك إلى حد خاص معلوم، حتى تقدم خطوة أخرى وأقام في المدينة المنورة حكومة كانت مبنية على نظرية الإسلام الخالصة، ولم يكن من غايتها إلا أن تصب حياة بلاد العرب من أولها إلى آخرها في قالب الإسلام ومنهاجه.
الاقتداء بسنة عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه:
أ ـ قال عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه «لو أقمت فيكم خمسين عاما ما استكملت فيكم العدل، إني لأريد الأمر وأخاف ألا تحمله قلوبكم فأخرج معه طمعا من الدنيا، فإن أنكرت قلوبكم هذا سكنت إلى هذا».
قال د.البورنو تعليقا على ذلك:
حقا ما قاله عمر بن عبدالعزيز لو أقام الناس في خمسين عاما ما استكمل العدل فيهم. وكيف يستطيع عمر أن يستكمل العدل في هذه المدة وقد هدمت الجاهلية العائدة حصونه مدة ستين عاما؟ فعمر يريد البناء لما هدم من صرح العدل، ومن يبني ليس كمن يهدم. فإذا كان الهدم استمر ستين عاما ونشأت أجيال ترى الأكواخ قصورا والظلم السائد عدلا، فهل يمكن لعمر أن بيني ما تهدم في خمسين عاما؟ وأن يغير نظرة الناس إلى مفاهيم الحق والعدل والظلم والباطل، تلك المفاهيم التي انقلبت عند الناس معاييرها. فما طريقة عمر للوصول للعدل الذي ينبغي الوصول إليه، وكيف سيصل إليه؟ وما العقبات التي تقف في طريقه للوصول إلى ما يريد وإلى تحقيق ما يصبو إليه؟
يقول عمر: «ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق حتى بسطت لهم من الدنيا شيئا» النفوس مغرمة بحب العاجل ميالة لشهواتها ولذات حياتها، يصعب عليها الاستجابة للحق والعدل ولو كان رغبة لصالحها، وقد عرف عمر بن عبدالعزيز هذه الطبيعة في النفس البشرية، فسار معها وبسط لها شيئا من الدنيا لتستجيب إلى ما يريده من الحق، لأنه يعلم أنه لو جابهها بما يريد لنفرت (كأنهم حمر مستنفرة، فرت من قسورة).
وقال أيضا د.البورنو تحت عنوان: التدرج في التشريع من سنة الله في خلقه: ورأينا أن عمر لم يسلك طريق مجابهة بني أمية باستخلاص ما في أيديهم جملة خوفا من الفتنة وإراقة الدماء، لأنه رأى أن الناس قد استمرأوا الباطل واستطابوا الخبيث، ولم يفرقوا بين الحلال والحرام، وطال عليهم الزمن في هذه الحمأة، فاعتادوا روائحها الكريهة واستلذوا نتنها، فليس من الخير أن يخرجوا منها دفعة واحدة إلى جنة مسك وروضة أزهار وورود، فليس إلا أن يخرجوا رويدا.
وقد بين عمر بن عبدالعزيز ذاك في أكثر من حديث مع ابنه عبدالملك أشد الحاثين له على الإسراع بالتنفيذ.. يقول عبد الملك مرة لأبيه: يا أبت مالك لا تنفذ الأمور، فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق. فيقول له عمر بلهجة الواثق المطمئن إلى خطواته: لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدفعونه جملة، ويكون من ذاك فتنة.
وهكذا نتبين بوضوح لا يشوبه غبش أو غموض أن عمر بن عبدالعزيز رحمه الله لم يخطئ في الطريقة التي سار عليها لإقامة منار العدل وطمس ظلام الباطل ولم يكن جبانا حينما تأنى في أخذ الناس وبني أمية وإقامتهم على المحجة المستقيمة وبالتالي لم يكن مرتجلا لخطاه، وإنما كان يعرف أين يضع قدمه على الطريق.
كان قد رأى أن الناس قد ولدوا في الظلم فظنوه عدلا، ونشأوا في الجور فظنوه حقا، وفتحوا أعينهم على الرذيلة فظنوها فضيلة، كمن يعيش في الظلام فلما غمره الضياء تحير بصره فلم ير شيئا وتغيير عادات الناس المكتسبة أمر صعب جملة ولكنه على التدرج يسير.
٭ الترجيح:
والراجح فيما يظهر لي ـ والله تعالى أعلم ـ جواز التدرج في تطبيق الشريعة عند العجز عن تطبيقها كاملة، وعلى وجه الفور، لأن ما لا يدرك كله لا يترك كله، لما ساقه الفريق المجيز من الأدلة، وللأدلة التالية:
من كتاب الله تعالى:
قال تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) البقرة 286.
وقال تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) الحج 78.
وقال (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) البقرة 185، وقال (فاتقوا الله ما استطعتم) التغابن 16، نفى القرآن الكريم كل ضيق وعنت عن التشريع، فكان من خصائصه السماحة والتيسير.
من مجموع الآيات الكريمات السابقات وغيرها، يتبين لنا بجلاء أن أول مقاصد هذا الدين السماحة والتيسير ورفع الحرج عن المكلفين، وخصوصا عند نزول الضرورات أو الحاجات.
من الحديث الشريف:
قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة» .
وقال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه».
وعن عائشة رضي الله عنها قالت «ما خير رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما». متفق عليه قال الإمام ابن عبدالبر رحمه الله: في هذا الحديث دليل على أن المرء ينبغي له ترك ما عسر عليه من أمور الدنيا والآخرة، وترك الإلحاح فيه إذا لم يضطر إليه، والميل إلى اليسر أبدا، فإن اليسر في الأمور كلها أحب إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق» رواه أحمد بإسناد صحيح.
«إن هذا الدين متين» أي صلب شديد «فأوغلوا» أي سيروا «فيه برفق» من غير تكلف ولا تحملوا على أنفسكم ما لا تطيقونه فتعجزوا وتتركوا العمل. والإيغال كما في النهاية السير الشديد، والوغول الدخول في الشيء.
قال الغزالي: أراد بهذا الحديث ألا يكلف نفسه في أعماله الدينية ما يخالف العادة، بل يكون بتلطف وتدرج، فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبتل. فإن الطبع نفور ولا يمكن نقله عن أخلاقه الرديئة إلا شيئا فشيئا، حتى تفصم تلك الصفات المذمومة الراسخة فيه. ومن لم يراع التدرج، وتوغل دفعة واحدة ترقى إلى حالة تشق عليه فتنعكس أموره.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه».
قال الإمام النووي ـ رحمه الله: «هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها» ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها، فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن غسل بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو غسل النجاسة فعل الممكن، وإذا وجبت إزالة منكرات أو فطرة جماعة ممن تلزمه نفقتهم أو نحو ذلك، وأمكنه البعض فعل الممكن، وإذا وجد ما يستر بعض عورته أو حفظ بعض الفاتحة أتى بالممكن، وأشباه هذا غير منحصرة، وهي مشهورة في كتب الفقه، والمقصود بالتنبيه على أصل ذلك، وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم).
عن عائشة رضي الله عنها أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابا شرقيا وبابا غربيا، فبلغت به أساس إبراهيم» قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: العمل الواحد يكون مستحبا فعله تارة، وتركه تارة باعتبار ما يترجح من مصلحته فعله وتركه بحسب الأدلة الشرعية، والمسلم قد يترك المستحب إذا كان في فعله فسادا راجح على مصلحته، كما ترك النبي صلى الله عليه بناء البيت على قواعد إبراهيم عليه السلام هذه هي بعض الأدلة من الكتاب والسنة، التي سمحت طبيعة المقالة بإيرادها في هذا المكان ـ وقد تركت ذكر فروعها الكثيرة ـ والتي تدل على جواز العمل بالتدرج عند الحاجة إليه.
أما الرد على القائلين بعدم جواز التدرج في تطبيق الشريعة:
فإننا لا نخالفكم فيما ذكرتم من وجوب تطبيق الشريعة، وفي وجوب الأخذ بها كاملة، ولكن عند الاستطاعة لأنه «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها».
وينبغي لمن يريد الاجتهاد، أو الإفتاء أن يجمع جميع الأدلة الشرعية المتعلقة بالمسألة وأقوال أهل العلم المتعلقة بها، وأن ينظر إليها بعين الإنصاف، والتجرد عن الأحكام السابقة، أو عن الهوى، حتى لا يضطر إلى لي أعناق الأدلة الشرعية لتوافق ما يختاره، وإلا كان آثما في ما يذهب إليه والله أعلم.