Note: English translation is not 100% accurate
أكد أن حسن اختيار ذي الدين وذات الدين الأساس الأول لبناء واستمرار الأسرة المسلمة
ابن مسفر لـ «الأنباء»: لو كنت مسؤولاً لألزمت الزوجين باجتياز دورة في الحياة الزوجية قبل العقد لتقليل نسب الطلاق
1 يناير 2013
المصدر : الأنباء



لم نسمع أن أمهاتنا الأوليات متن من الجوع.. بينما في عصر وظائف النساء بدأنا سماع موتهن من حوادث الطرق
الدين ليس مجرد شكل ولا شهادة بل عقيدة وسلوك.. يعرف بعلامات كالمحافظة على الصلاة
لابد أن تبنى الأسرة على رضا وقناعة تامة من الطرفين.. ومنع نظر الخاطب للمخطوبة معارض للسنةكتب: ضاري المطيري
أكد الداعية الإسلامي الشهير د.سعيد بن مسفر القحطاني أن حسن اختيار صاحب أو صاحبة الدين هو الأساس الأول لبناء واستمرار الأسرة المسلمة، مشيرا إلى أن من لا يخاف الله لا يمكن أن تأمنه على زوج أو زوجة. وأوضح ابن مسفر أنه لو كان مسؤولا لألزم الزوجين باجتياز دورة في الحياة الزوجية قبل العقد لتقليل نسب الطلاق المرتفعة مؤخرا في مجتمعاتنا الخليجية، تتضمن توضيح حقوقهما، وإرشادهما الى سبل التوافق بينهما. وأضاف أنه غير صحيح أن يظن أنه لا يجب على الزوجة خدمة زوجها، ففاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم خدمت زوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، محذرا من أن تكون وظيفة المرأة سببا في استغنائها عن زوجها أو إهمال حقوقه ورعاية بيته وأولادها. «الأنباء» التقت ابن مسفر للحديث عن اهتمام الإسلام بالأسرة المسلمة، وعن أبرز الحلول الناجعة للحد من المشاكل الزوجية مدعمة بآثار نبوية وقصص واقعية.
وفيما يلي تفاصيل اللقاء:
ما منزلة الأسرة في الإسلام، وما أسس بنائها السليم؟
٭ الأسرة هي اللبنة الأولى من لبنات المجتمع، ولذلك ترى كيف حرص الإسلام حرصا كبيرا عليها، فدعا إلى تأسيسها على أسس وقواعد متينة حتى لا تنهار، لأن انهيار الأسرة يعني انهيار المجتمع وذهاب الأجيال، ومن ثم وقوع المشاكل وحدوث الكوارث فيه.
الإسلام بنى الأسرة على أسس، منها أولا: حسن الاختيار، وهو يأتي كأول خطوة يخطوها الإنسان في إقامة الأسرة، لأن حسن الاختيار يعين على استمرارية الحياة الزوجية، كما أن الخطأ فيه يؤدي إلى انهيار الأسرة.
ومن حسن الاختيار أولا: اختيار ذات الدين،، قال رسولنا صلى الله عليه وسلم «تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك»، وقال أيضا «إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»، وهذا الدين هو نوع من الأمان والأمانة، فمن لا يخاف الله لا تستطيع أن تأمنه على زوج أو زوجة.
المظهر كالعنوان
هل يفهم أن صاحب وصاحبة الدين هما خريجا كلية الشريعة مثلا؟
٭ لا، الدين ليس مجرد شكل، ولا شهادة، ولكن الدين عقيدة وسلوك وعبادة، قد لا يظهر من شخص علامات تدين، لكن حين تختبره أو تتعامل معه تجد عنده العقيدة الصافية، والعبادة الخالصة، والأخلاق الفاضلة، وهذا هو الدين، بعضهم يقول: هذا شاب ملتزم، فتسأله كيف عرفت عنه ذلك؟ فيجيب بأن له لحية وثوبه قصير، فهل هذا هو الالتزام الحقيقي؟ لا، هذا مظهر الالتزام فقط، وإنما حقيقة الالتزام غير ذلك.
أما مظاهر التدين الخارجية فهي تأتي مكملة للتدين والدين، هي كالعنوان على الظرف، الظرف الذي به مليون دينار قد يأخذه أحدهم فيمزقه وهو لا يدري ما في داخله، لكن لو جعل للظرف إشارة وعنوان لما فيه لما مزق، إذن فالقيمة للمليون وليس للإشارة والعنوان، وكذلك المظهر في الإسلام فهو للدلالة على الباطن، ولو كان الباطن خبيثا والظاهر فيه علامة تدين واستقامة فإن هذا الظاهر لا يغني شيئا، بل هو جزء من المخادعة والكذب على الناس، وصاحبها مذموم، ولذلك أحيانا قد تجد بعض طلاب الكليات التطبيقية ككلية الطب أو الهندسة أو الطيران هم أتقى الناس مقارنة بالكليات الشرعية، فالمسألة مسألة عقيدة وإيمان.
علامات الصلاح
إذن كيف يمكن أن نتحقق من دين الرجل والمرأة؟
٭ بوسائل، أولا: الصلاة في المسجد، فإذا كان يصلي في المسجد فهذا يدل إن شاء الله على أن فيه خيرا، فإن قطع العلاقة بالله، وقطع الصلة بالمساجد، فهذا مؤشر خطير.
أيضا تناول أحد الخطيبين شيئا من الأمور المنكرة، كتناول المخدرات أو الخمور أو الدخان فهذا مؤشر خطير ايضا، لأنه لا يمكن أن يتعاطى هذه الأمور إنسان فيه عقل ودين، وكذلك بسؤال أصدقائه وجيرانه عن أخلاقه وصدقه وحلمه أو سرعة غضبه.
وهنا ملاحظة، علينا ألا نبتغي الكمال، وإنما القضية قضية نسبية، والتدين النسبي يرجع إلى الوضع الاجتماعي القائم، فمثلا نحن في مجتمع ليس أغلبيته متدينة، بل هم أقلية، لذلك تجد أن بعضهم يضع شروطا خيالية وإن كان ظاهرها الصلاح في قضية صاحب وصاحبة الدين، كما تجد بعضهم يركز على الظاهر فقط كما أسلفنا.
انظر إليها
مجتمعاتنا الخليجية وخاصة القبلية المحافظة تمنع من رؤية الخاطب للمخطوبة في أحيان كثيرة، فما نصيحتكم لهم؟
٭ من أسس بناء الأسرة أيضا حسن الاختيار في الجمال، اختيار الزوجة ليست مثل الحبب «الرقية» تفتحها فتلاقيها حمراء، أو تلاقيها بيضاء فترميها، بل هذه حياة ومستقبل ومسؤولية.
فالذي يمنع رؤية الخاطب من رؤية المخطوبة فإنه يعارض السنة، فعن المغيرة بن شعبة، قال: خطبت جارية من الأنصار، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي: «رأيتها» فقلت: لا، قال: «فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»، إذن فلابد أن تكون الحياة الزوجية مبنيـة على رضا وقناعة تامة من الطرفين.
طلقها من الغد
بحكم كونك مأذون شرعي، هل لديك قصص واقعية تدعم أهمية رؤية الخاطب للمخطوبة؟
٭ سألت ذات مرة في عقد زواج وقلت للخاطب هل رأيت المخطوبة، ومثل هذا السؤال مطلوب، فإنه لو قال: ما رأيتها، فإني لا أعقد له، فنظر الشاب إلى أبيه، وقال أبوه: نعم رآها، فأعدت السؤال على الشاب: هل رأيتها فقال نعم كما قال والدي، ثم قلت: وهل أنت موافق عليها؟ فقال: نعم، ثم سألت أبو المخطوبة: هل هي موافقة عليه؟ فقال: نعم، فأجريت حينها العقد، ثم فوجئت في صلاة الفجر من اليوم الثاني، فإذا بذلك الشاب يسلمني ورقة فيها طلاقه لزوجته، ويقول: أرجو أن توصلها لوالدي، فأنا لا أستطيع أن أوصلها له، والدي هو الذي ألزمني أن أتزوج هذه الفتاة، وكنت طالبته بأن أراها قبل عقد الزواج، فقال: لا، ولن تتزوج إلا هي، وإذا تريد رضاي عنك فاقبل بها، وبعد انتهاء العقد وتناول العشاء وخروج الضيوف، دخلت مع أبي على البنت، وحين رأيتها صدمت يا شيخ، فليس فيها ما يؤهلها لتكون زوجة لي أو شريكة في حياتي، أنا لا أطلب المستحيل، بل أطلب المقبول، فخشيت إن استمر الزواج أن أظلمها، وتخيل أنني لم أستطع أن أجلس معها، فضلا من أن أنام معها أو أعاشرها، فاستخرت الله وطلقتها، وقل لأبي اني لا أريد زواجا آخر بهذا الشكل، أريد زواجا يقوم على قناعة واختيار، لأن من سيكون زوجا للفتاة هو أنا وليس والدي، وإذا والدي يريد الزواج فهو من يختار، أما أن يختار لي فلا، فأنا رجل ولي اختياري الذي يناسبني ويقنعني.
وللمرأة حق
وللمرأة حق رؤية الخاطب أيضا، والموافقة عليه أو رفضه كالرجل، أليس كذلك؟
٭ بلى، حتى البنت قد لا يناسبها ذلك الخاطب، ولذلك إذا صرحت وقالت: لا أريده فلا يجوز لوليها أن يزوجها، أما إذا كانت بكرا وسكتت، فإن سكوتها رضاها، كذلك لو تكلمت بإيجاب أو ابتسمت، أما الثيب (المتزوجة سلفا) فإنها تُستأمر، أي لابد أن تستأذن، وتتكلم، لأنها أكثر خبرة وجرأة من البكر.
وهنا وقفة حول حسن الاختيار في الجمال، فإن الجمال شيء نسبي، فبعض الشباب هداه الله يرسم في خياله وذهنه صورة لزوجته مثالية، اقتبسها وبناها من وسائل الإعلام، يشاهد المذيعة والراقصة والممثلة فيريد زوجة مثلها، ثم يبدأ يبحث في فتيات مجتمعه فلا يجد، وإذا أصررت على صورة زوجة بحسب خيالات في عقلك، فالأفضل لك أن تذهب لمصنع بمقاسات وطول وعرض ومتن ووزن حتى يأتوك بتلك الصورة.
كما أنه قد يطالب بجميلة وهو بنفسه غير جميل، فتجد بعضهم نسبة الجمال فيه 20% ويبحث عن زوجة جميلة 100%، ألا يعلم أن الجميلة أيضا تريد جميلا مثلها، فأقول: أيه الشاب، انظر إلى نسبة جمالك، وابحث عن مثلك، فإن التكافؤ بالجمال مطلوب أيضا، لا تأخذ واحدة ذميمة، ولا تأخذ واحدة جميلة جدا، لأنها هي أيضا قد تطرف عينها عنك إن لم تكن تكافئها في الجمال، وتبحث عن مثلها فتقع بالخيانة الزوجية، وتجلب لك الكارثة، فإذا كانت مثلك أو أدنى منك فإنها تقنع بك، وتحبك، وترى أنها ربحت معك.
الشاهد في الموضوع هو أن نراعي كون الجمال نسبيا، فلا تطلب محالا واطلب المقبول:
ليس الجمال بأصباغ تزينها إن الجمال جمال الدين والأدب
فكم من امرأة جميلة في شكلها لكنها قبيحة في أخلاقها ودينها وتعاملها وأدبها، وكم من امرأة مقبولة في شكلها وجمالها لكنك تضعها فوق رأسك لما فيها من أدب وفضل ودين وأمانة، فابحث عن ذات الدين تربت يداك.
وهل لسن الزوجين علاقة في نجاح الزواج؟
٭ التكافؤ في السن مطلوب كذلك، وأعني التكافؤ النسبي بألا يكون الفارق كبيرا جدا، فلا يتجاوز 10 أو 15 سنة.
وما رأي فضيلتكم في مطالبة البعض بمنع زواج الفتيات دون سن العشرين؟
٭ حصره فوق العشرين سنة لا، وكذلك تزويج الفتاة تحت سن البلوغ لا، وإنما ما بعد البلوغ، والبلوغ بالنسبة للمرأة هو النضج، فالبنت زهرة وثمرة، ولذلك تزوج عند النضج، وعلامة النضج الحيض، التي تبين أنها قابلة للإنجاب وللحياة الزوجية، ومع الأسف أن بعضهم يبيع بنته منذ صغرها قبل البلوغ وكأنها سلعة.
حالات فريدة شاذة
وهل يمكن وصفها بظاهرة كما تصورها بعض وسائل الإعلام؟
٭ لا، ليست ظاهرة، وإنما هي حالات فردية قد تقع في المجتمعات البدائية، بخلاف المجتمعات المتحضرة والواعية، وكذلك لا يعني بلوغ البنت هو التحريج عليها لتزويجها، أو أن نقبل أي أحد بمجرد التقدم لها، بل علينا أن نتروى ونتريث حتى وصول المقبول.
اجتياز دورات التأهيل
لو كنت مسؤولا فكيف يمكنك أن تعالج أزمة ارتفاع معدلات الطلاق؟
٭ لو كنت مسؤولا لألزمت جميع مأذوني الأنكحة ألا يصدقوا عقد نكاح (زواج) إلا بعد وجود شهادة تثبت تأهيل الزوج والزوجة، واجتيازهما الدورة بنجاح، لأنها وسيلة تقلل من نسب الطلاق، فنسب الطلاق حاليا في مجتمعاتنا مرتفعة، وفي الخليج خاصة مع مقارنتها بدول عربية أخرى، نتيجة الثراء.
وقد أقامت بعض المؤسسات الخيرية في المملكة العربية السعودية، والكويت وقطر أيضا، دورات توجيهية للزوج والزوجة قبل الزواج، لكنها غير إلزامية، مدتها أسبوع أو 5 أيام، يبين لهما أولا: حقوق الزوج وحقوق الزوجة، ثانيا: طرق علاج المشاكل الأسرية، لأنها قد تقع مشاكل صغيرة يمكن حلها والقضاء عليها في مهدها لكن بسبب الجهل والطيش قد تتطور المشكلة وتكبر وتقضي على الأسرة سريعا.
يرسخ في أذهان الزوجين أهمية الصبر، فعامل الوقت مطلوب، والإحصاءات توضح أن أعلى نسبة طلاق تقع في السنوات الأولى من الزواج، لماذا؟ لأنهما لم يعطيا نفسيهما فرصة للفهم، فهذا شريك حياة، قد يكون مختلفا معك اختلافا كليا في طريقة وأسلوب حياتك ومنهج تفكيرك وأخلاقك، بينما بالامتزاج والصبر يحصل بإذن الله التقارب.
المرأة والوظيفة
وظيفة المرأة وراتبها العنصر الأبرز في قضايا الخلاف في الأسرة، فما توجيهك في ظل اطلاعك؟
٭ الله ألزم كل طرف من الزوجين بمسؤولية تخصه، فألزم الزوج بالإنفاق، الذي هو عامل من عوامل قيادة الأسرة، ولذلك الله تعالى يقول (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)، فمن يصرف هو من له القرار، في حين أنه سبحانه ألزم المرأة بواجبات أخرى، كواجبات الحمل، والإرضاع، والتربية، والقيام بالواجبات المنزلية خدمة للزوج، ولذلك غير صحيح أن يظن أنه لا يجب على الزوجة خدمة زوجها، فها هي فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضي عنها، من النساء الكمل، كانت تخدم زوجها علي.
فعن علي رضي الله عنه: أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادما فلم تجده ووجدت عائشة فأخبرتها، قال علي: فجاءنا النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخذنا مضاجعنا فقال: «ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين فإنه خير لكما من خادم» قال علي: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل له: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين، يقول ابن القيم فيما معناه (هذا الذكر له تأثير من له عمل مهني، إذا نام على هذه الأذكار أمده الله بالقوة). بينما عندنا في مجتمعاتنا الأمور انعكست، وصارت المرأة تطالب بوظيفة، وأنا لدي دراسة تؤكد أن أكثر حالات الطلاق وتفكك الأسر تقع مع المرأة الموظفة، لماذا؟ لأنها ترى أنها ند وقرين للرجل، فأي زعل منه أو خطأ، تلجأ إلى خيار الطلاق والفراق، بينما المرأة غير الموظفة تشعر بالحاجة، والتحتية، مصداق قوله تعالى (كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين)، فالتحتية منزلة تشعر بمرتبة الزوج العالية، ولذلك تظل الزوجة دائما حوله، وتعفو عنه، وتطيعه بخلاف لو كان لها راتب مثله أو أعلى منه.
إذن فالمرأة ينبغي عليها ألا تحرص على الوظيفة، فهي ليست ضرورية لها، فلقد عاشت النساء والأمهات الأوليات بدون رواتب، ولم نسمع أن أحدهن ماتت من الجوع، بل ما ماتت النساء إلا في عهد الوظائف، في حوادث السيارات، حتى أن بعضهن يقطعن نحو 300 كم ذهابا وإيابا يوميا إلى الوظيفة، لكن إن وجدت الوظيفة في مجال تعليمي لا اختلاط فيه، ولا معصية، وقريب من البيت، واستعانت بها على طاعة الله، فتعاونت مع زوجها لتحمل عنه بعض أعباء الحياة، وسخرت راتبها لتقوية علاقتها الزوجية والأسرية دون تقصير بواجبات البيت من تربية ورعاية فلا بأس.
الطلاق في زمن الحيض والنفاس والطهر
بقلم: الشيخ حاي الحاي
إن الطلاق في هذه الحالات يسمى طلاقا بدعيا، وقد وقع الإجماع على أن الطلاق البدعي منهي عنه لصريح القرآن قال جل وعلا: (فطلقوهن لعدتهن) أي: مستقبلات العدة.
واختلف العلماء فيه: هل النهي للتحريم أم النهي للفساد؟ فإذا كان للتحريم يقع مع الإثم وإذا كان النهي للفساد لا يقع الطلاق وترتب على ذلك انقسام العلماء إلى فهمين أو مذهبين:
المذهب الأول: وهم الذين يرون وقوع الطلاق هذا وهم فقهاء المذاهب الأربعة: المالكية: كما جاء في المدونة (2/194): كان مالك يكره الطلاق في طهر جامعها فيه فإن طلق لزمه، وكذلك وهي حائض. وكذلك مذهب الحنفية: كما وقع في كتاب بدائع الصنائع (3/63): «وإن طلق الرجل امرأته في حالة حيض أو طهر جامعها فيه وقع طلاقه». وهو مذهب الشافعية: كما في المجموع شرح المهذب (15/395): «وإن طلقها في حيض أو طهر جامعها فيه وقع طلاقا». هذا مذهب الحنابلة: كما جاء في المغني لابن قدامة رحمه الله (7/336) وفي كشاف القناع: «وإن طلق المدخول بها في حيض أو طهر أصابها فيه وقع طلاقه».
المذهب الآخر: ويدعي أصحاب هذا المذهب: أن طلاق الحائض أو طلاق الزوجة في طهر لا يقع. وذهب إلى هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. ولا ريب أن الأصل بقاء النكاح ولا يقوم دليل شرعي على زواله بالطلاق المحرم. وذهب إلى عدم الوقوع الإمام الحافظ ابن القيم رحمه الله، قال رحمه الله في زاد المعاد (4: 56): «وكيف والأدلة المتكاثرة تدل على عدم وقوعه فإن هذا طلاق لم يشرعه الله تعالى البتة ولا أذن فيه فليس من شرعه فكيف يقال بنفوذه وصحته؟». وكذلك الفقيه الحنبلي ابن عقيل في الفروع. وذهب ابن عقيل وابن تيمية وابن القيم إلى عدم الوقوع.
وهذا رأي الفقيه محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني كما في كتابه سبل السلام (3/307) قال: «وإن قوي عندي ما كنت أفتي به أولا من عدم الوقوع لأدلة قوية سقتها في رسالة سميناها (الدليل الشرعي في عدم وقع الطلاق البدعي). وممن جنح إلى هذا القول الشوكاني رحمه الله تعالى قال في نيل الأوطار (6/226): «إن هذا الطلاق لم يشرعه ولا أذن فيه فليس من شرعه وأمره».
أدلة القائلين بوقوع الطلاق: ولقد استدلوا بالقرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلموالإجماع والقياس وبأقوال السلف رضي الله عنهم.
أولا: قوله تبارك وتعالى: (يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) أي: مستقبلات العدة، ووقت العدة: هو الطهور الذي لم يمس فيه فمخالفة الآية يكون بالوقوع بالطلاق وهذا لا يجوز وسمّاه الله تعالى ظلما، قال سبحانه: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) (الطلاق: 7).
الأدلة من السنة: حديث يونس بن جبير قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: طلقت امرأتي وهي حائض فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليراجعها فإذا طهرت فإن شاء فليطلقها».
قال: فقلت لابن عمر رضي الله عنهما أفاحتسبت بها؟ قال: ما يمنعه أرأيت إن عجز واستحمق.
حديث محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما قال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض فذكر عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: «مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء».
الإجماع: ذكروا أن الإجماع انعقد في الصحابة والتابعين على وقوعه في وقت الحيض ولم يخالف في هذا أحد فصار إجماعا وهو حجة.
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: «فالطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه أجمع العلماء في جميع الأمصار وكل الأعصار على تحريمه ويسمى طلاق البدعة لأن المطلق خالف السنة وترك أمر الله تعالى ورسوله».
القياس: قال ابن الهمام في فتح القدير: (فتح القدير لابن الهمام الحنفي 3/5): «وفي أمره صلى الله عليه وسلم ابن عمر أن يراجع حين طلقها وهي حائض دليل على بطلان قولهم في الحيض».
فتاوى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد (4/65) فتوى عثمان بن عفان وزيد رضي الله عنهما: فقد أفتى عثمان وزيد بن ثابت بوقوع الطلاق في الحيض.
أما ابن عمر رضي الله عنهما فقد اختلفت الروايات عنه في الوقوع وعدمه.
في المحلى لابن حزم رحمه الله تعالى (10/165): فتوى ابن عمر عن الزهدي عن سالم عن أبيه فذكر طلاقه لامرأته وهي حائض وقال في آخره: فراجعتها وحسبت لها تطليقة. وفي بعض الروايات: ما يمنعني أن أعتدت بها. (زاد المعاد 4/59).
أدلة القول الثاني: ذهب المانعون من وقوع طلاق الحائض والنفساء ومن جومعت في طهرها، أي: مسها في زمن الطهر من الحيض.
استدل هؤلاء بالآتي: قول الله تبارك وتعالى: (يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) (الطلاق: 1).
في تفسير القرطبي «الجامع لأحكام القرآن» أورد تفسير ابن عباس رضي الله عنهما: «بألا يطلقها وهي حائض وفي طهر قد جامعها فيه ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة».