Note: English translation is not 100% accurate
في العدد الجديد من صفحة «رابطة علماء الشريعة»
د.العنزي يكتب عن «ولاية الدولة في الرقابة على الأوقاف (3)».. ود.الربيع يتكلم عن «إن الدين يسر»
2 يناير 2013
المصدر : الأنباء


قضايا معاصرة
ولاية الدولة في الرقابة على الأوقاف (3)
د. عصام خلف العنزي
تكلمنا في المقالة السابقة عن معنى الرقابة في اللغة والاصطلاح، وذكرنا بعضا من أنواع الرقابة التي تقوم بها الدولة كالرقابة المالية والرقابة القضائية وفصلنا في مزايا وخصائص كل نوع منها. واليوم نتابع الحديث عن نوع ثالث من الرقابة التي تقوم بها الدولة ألا وهي الرقابة الشرعية:
ثالثا: الرقابة الشرعية:
ان الرقابة الشرعية على الوقف ليست بدعا من القول فقد قام علماؤنا ـ رحمهم الله ـ بهذا الدور في العصور السابقة، وقيامهم بذلك يعتبر رقابة شرعية، فلم يسمحوا للأمراء والسلاطين بالاستيلاء على الأوقاف، مما كان سببا رئيسا في الحفاظ على الوقف. والملاحظ أن السلاطين والأمراء لم يتمكنوا من الاستيلاء وتضييع الأوقاف إلا بعد أن ضعفت الرقابة الشرعية من قبل العلماء على الوقف وسوف أسرد حادثة واحدة للدلالة على ذلك وهو ما حدث مع الإمام النووي ـ رحمه الله ـ مع الظاهر بيبرس كما نقلها الإمام أبو زهرة عن السيوطي:
فقد سجل السيوطي في حسن المحاضرة طائفة كبيرة من المكاتبات التي جرت في هذا المقام بين الشيخ وهو بدمشق، والسلطان وهو بالقاهرة، فالسلطان يحتج لفرض الضرائب بضيق الحال، وخشية المآل، والشيخ يحتج بفقر الرعية وضيق الأمر عليها، ويقول في إحدى رسائله «إن أهل الشام في هذه السنة في ضيق وضعف حال بسبب قلة الأمطار وغلاء الأسعار، وقلة الغلات والنبات، وهلاك المواشي، وأنتم تعلمون أنه تجب الشفقة على الرعية، ونصيحته (أي ولي الأمر) في مصلحته ومصلحتهم».
والعلماء كانوا من وراء النووي يؤازرونه ويؤيدونه، وقد رد السلطان هذه النصيحة ردا عنيفا، وعيرهم بموقفهم يوم كانت البلاد تحت سنابك الخيل في عهد التتار، وسكوتهم على الذل، وأنه كان أولى بهم أن يهبوا لمقاومتهم أو مناقشتهم.
ولكن الشيخ لا يستخذي إزاء هذا التهديد، فيرد ردا قويا مؤكدا نصحه، ومبينا أنه ميثاق الله الذي أخذه على العلماء ليبينه، ويقول رضي الله عنه في ذلك «وأما ما ذكر من كوننا لم ننكر على الكفار كيف كانوا في البلاد، فكيف يقاس ملوك الإسلام وأهل الايمان وأهل القرآن ـ بطغاة الكفار، وبأي شيء كنا نذكر طغاة الكفار، وهم لا يعتقدون شيئا من ديننا.. وأما أنا في نفسي فلا يضرني التهديد، ولا يمنعني ذلك من نصيحة السلطان، فإني أعتقد أن هذا واجب علي وعلى غيري، وما ترتب على الواجب فهو خير وزيادة عند الله.. وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول الحق حيثما كنا، وألا نخاف في الله لومة لائم، ونحن نحب السلطان في كل الأحوال، وما ينفعه في آخرته ودنياه».
وقد توالت الكتب على هذا النحو، والشيخ رضي الله عنه ثابت في قول الحق كالطود، والسلطان لا ينتصح، لأن الضرائب ضرورية في نظره، ولقد اتجه إلى العلماء أنفسهم بدمشق مطرحا وراء ظهره شيخهم أولا. فجمع فتاويهم في تأييد فرض الضرائب، وقد حضر إلى دمشق لذلك المقصد، ولكن الشيخ اشتد استمساكه، وندد بإكراهه العلماء، وقد أحضره الظاهر في مجلسه بدمشق، ليكرهه كما أكره غيره، ولكنه في هذه المرة كان عنيفا جدا، فقد قال للسلطان في قوة الحق العنيف غير الرقيق: «أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير بندقدار، وليس لك مال، ثم من الله عليك وجعلك ملكا، وسمعت أن عندك ألف مملوك، وكل مملوك له حياصة من ذهب، وعندك مائة جارية، لكل جارية حق من الحلي، فإن أنفقت ذلك كله، وبقيت المماليك بالبنود الصوف بدلا من الحوائص، وبقيت الجواري بثيابهن دون الحلي أفتيتك بأخذ المال من الرعية».
فغضب الظاهر غضبا شديدا، وقال للشيخ ناهرا: «اخرج من بلدي (أي دمشق) فقال الشيخ: السمع الطاعة». وخرج إلى نوى بالشام، فقال العلماء: هذا من كبار علمائنا وصلحائنا، وممن يقتدى بهم، فأعده إلى الشام، فرسم برجوعه، فامتنع الشيخ، وقال: لا أدخل والظاهر بها فمات الظاهر بعد شهر.
وفي هذه الدراسة سنحاول أن نسلط الضوء على بعض النقاط التي نرى أن لها أثرا تطبيقيا في عمل الوقف، وسوف نفصل الكلام عن الرقابة الشرعية لأهميتها، ولأنها هي العصب الذي قام عليه الوقف.
تعريف الرقابة الشرعية:
الرقابة الشرعية يقصد منها: «متابعة وفحص وتحليل كل الأعمال والتصرفات والسلوكيات التي يقوم بها الأفراد والجماعات والمؤسسات والوحدات وغيرها، للتأكد من أنها تتم وفقا لأحكام وقواعد الشريعة الإسلامية، وذلك باستخدام الوسائل والأساليب الملائمة المشروعة، وبيان المخالفات والأخطاء وتصويبها فورا، وتقديم التقارير إلى الجهات المعنية متضمنة الملاحظات والنصائح والإرشادات وسبل التطوير إلى الأفضل».
كما عرفت الرقابة الشرعية بأنها «مجموعة الأسس الثابتة المستقرة المستنبطة من مصادر الفقه الإسلامي، التي تستخدم دستورا لمحاسبة المسلم في عمله سواء في مجال التسجيل والتحليل والقياس، أو في مجال إبداء الرأي عن الوقائع المعينة التي حدثت لبيان ما إذا كانت تتفق مع أحكام الشريعة أم لا».
ومما سبق يتبين أن مفهوم الرقابة الشرعية أو الاقتصادية متقارب فكلاهما مبني على قواعد يجب تطبيقها وكشف الانحرافات ومعالجتها وذلك عن طريق التأكد من اتباع القواعد والضوابط المحددة سابقا.
وبالتالي يمكن تعريف الرقابة الشرعية بأنها «الإشراف والفحص والمراجعة التي تستهدف ضمان سلامة التصرفات المالية، والكشف الكامل عن الانحرافات، ومدى مطابقة التصرفات المالية لأحكام الشريعة الإسلامية».
هيئات الفتوى - الرقابة الشرعية
قد يعتقد البعض أن دور هيئات الرقابة الشرعية مقتصر على فتاوى وقرارات محدودة متناثرة، وأن عملها إنما هو ثانوي، وحقيقة الأمر ان دورها أكبر من ذلك إذ أصبحت هيئات الرقابة الشرعية مصنعا لتطوير العقود الشرعية لكي تواكب حاجة الناس وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وليس هذا فقط بل أصبحت هيئات الرقابة الشرعية هي المسؤولة أمام المساهمين والواقفين عن صحة معاملات المؤسسة الوقفية ومدى موافقتها لأحكام الشريعة الإسلامية. وهذا الأمر يستدعي من هيئة الرقابة الشرعية الاستعانة ببعض الأشخاص ممن لهم حصيلة علمية شرعية لكي يقوموا بتدقيق هذه المعاملات ورفع تقريرها لهيئة الرقابة الشرعية واتخاذ ما تراه مناسبا، وفيما يلي سنتطرق إلى عمل وتطوير هيئة الرقابة الشرعية.
التكييف الشرعي لهيئة الفتوى والرقابة الشرعية
نظرا لتشعب عمل هيئة الفتوى والرقابة الشرعية فقد اختلف في تكييفها الشرعي اختلافا كثيرا، فهي أحيانا تقوم بدور الإفتاء، وأحيانا أخرى تقوم بدور التحكيم بين المتخاصمين، كما تقوم بدور المحتسب وذلك من خلال مراجعة ومراقبة عمل المؤسسة وتصحيح أخطائها إن وجدت، وسوف نفصل القول في هذه الآراء، إلا أننا أولا سنذكر تعريف الفتوى والرقابة الشرعية فقد تم تعريفها بأنها: «جهاز مستقل من الفقهاء المتخصصين في فقه المعاملات، ويعهد إليها بتوجيه نشاطات المؤسسة ومراقبتها والإشراف عليها للتأكد من التزامها بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، وتكون فتاواها وقراراتها ملزمة للمؤسسة».
أما التكييف الشرعي لعلاقة هيئة الفتوى والرقابة الشرعية بالمؤسسة المالية الإسلامية فاختلف فيه إلى الآتي:
1 - عقد وكالة: ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى أن العلاقة التي تحكم هيئة الفتوى والرقابة الشرعية بالمؤسسة المالية الإسلامية هي علاقة الوكالة، أي أن المساهمين في إنشاء المؤسسة أو الصندوق الاستثماري قاموا بتوكيل الهيئة لكي تضطلع بمهمة ومسؤولية مراقبة جميع أعمال المؤسسة والحكم عليها من الناحية الشرعية، فمجلس إدارة المؤسسة أو الصندوق الوقفي لما كان مفوضا في الإدارة وفقا لقواعد الشريعة الإسلامية وممنوعا من إجراء أي معاملة تخالفها، ولما كان أيضا من المتعذر عمليا وغير المرغوب فيه نظريا بأن يتولى الفتوى والرقابة الشرعية، وما تتطلبه من المراجعة والفحص والتدقيق الشرعي كل مساهم على انفراد، فوضت جماعة الواقفين والمساهمين هيئة الفتوى والرقابة الشرعية لتنوب عنهم في الإشراف على جميع معاملات المؤسسة للتأكد من مطابقتها لأحكام الشريعة الإسلامية، ومنحتها حق الاعتراض على المخالف منها وطلب تصحيحه، فبالنص على الهيئة الشرعية في النظام الأساسي، وباعتماد الجمعية العمومية له بإقرار القانون لها، فإن الهيئة تصبح لها قوة قانونية وتكون قراراتها حينئذ نافذة وملزمة للكافة سواء مجلس الإدارة أو العاملون في المؤسسة ذاتها.
وسواء تم هذا التوكيل من قبل الجمعية العمومية أو مجلس الإدارة فإن هذا لا يقدح في أن الهيئة وكيل عن جماعة المساهمين أو الواقفين، فكأن جماعة المساهمين أو الواقفين فوضت مجلس الإدارة في تعيين الهيئة بدليل أن المساهمين قد وقعوا على النظام الأساسي وعقد التأسيس وكل منهما ينص على وجود هيئة الفتوى والرقابة الشرعية.
إلا أن هذا الرأي يعترضه بعض الأمور، منها: أن عقد الوكالة كما هو معلوم شرطه صحة مباشرة الموكل لما وكل فيه، فلا يجوز التوكيل في شيء إلا ممن يصح تصرفه فيه. والمساهمون في المؤسسة لا يستطيعون مباشرة الفتوى والرقابة في المسائل الاقتصادية أو الوقفية فكيف يكون لهم الحق في توكيل هيئة الفتوى والرقابة الشرعية وهم ليس لديهم الأهلية للإفتاء والنظر في هذه المسائل.
كما أن عقد الوكالة من العقود الجائزة التي يستطيع أحد طرفي العقد فسخه من غير الرجوع للطرف الآخر، ويمكن للموكل أن يعزل وكيله وأن يبطل بعض التصرفات التي لا يريدها الموكل، فهل يستطيع المساهمون أو الواقفون إبطال فتوى للهيئة الشرعية لكون أن في هذه المسألة خلافا بين الفقهاء وأن الواقفين قرروا الأخذ برأي آخر خلاف رأي الهيئة. وهذا مما لا يمكن وقوعه لأن رأي هيئة الفتوى والرقابة الشرعية ملزم للمؤسسة المالية وكذلك لمساهميها مما يدل على أن للهيئة سلطة أكبر من سلطة الموكل نفسه.
ثم كيف نقول: إن الهيئة وكيلة عن المساهمين ولها سلطة في رفض قرار الجمعية العمومية، ومن المعلوم أن في عقد الوكالة يلتزم الوكيل بأوامر وشروط الموكل.
2 - عقد إجارة: ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى أن العلاقة التي تحكم هيئة الفتوى والرقابة الشرعية بالمؤسسة هي عقد الإجارة، لأن عقد الإجارة عبارة عن بيع المنافع، فالمؤسسة تشتري منافع هيئة الفتوى والرقابة الشرعية، والمتمثلة في النظر في العقود والمعاملات التي تعرض عليها، وإبداء الرأي الشرعي فيها، وكذلك تدقيق ومراجعة وفحص المعاملات التي تم إجراؤها، والتأكد من خلوها مما يخالف الأحكام الشرعية، كما أن هيئة الفتوى والرقابة الشرعية تستحق لقاء هذا العمل مكافأة سنوية أو شهرية، وهي أجرتها لقاء تلك الأعمال.
والهيئة تكون بمثابة الأجير الخاص إذا اشترطت المؤسسة عليها عدم العمل في مؤسسات أخرى، وتكون بمثابة الأجير المشترك إذا لم يوجد هذا الشرط، وهذا هو الغالب إذ ان أعضاء الهيئة يقبلون العمل من أكثر من مؤسسة مالية. إلا أن هذا التكييف تثور حوله عدة مسائل:
1 - إن القول بأن الهيئة تتفق مع المؤسسة أو الصندوق على عقد إجارة يكون العمل فيه تقديم المشورة ينقصه الدقة، إذ ان المحل المتعاقد عليه ليس مجرد العمل وإبداء الرأي على سبيل الاستشارة، فأحيانا إذا قالت الهيئة عن بعض المعاملات بأنها لا تجوز فإن المؤسسة تمتنع عن ذلك، وإن كانت بعض الهيئات الأخرى ترى الجواز مما يدل على أن المحل المتعاقد عليه يشوبه عناصر تنفيذية وإن لم تكن على صفة اتخاذ قرارات مالية أو إدارية. وأحيانا يتم التعاقد مع الهيئة ليس لأجل العمل بل للسمعة والشهرة التي اكتسبها الأعضاء مما يسبب اطمئنان المساهمين والمتعاملين مع المؤسسة المالية.
2 - إن الغالب العام لعلاقة الهيئة مع المؤسسة أو الصندوق ليس علاقة تعاقدية يحكمها عقد الإجارة بدليل أن الأجرة التي يأخذها أعضاء هيئة الفتوى والرقابة الشرعية غير متفق عليها مسبقا في الغالب، كما أنها غير محددة عندما يقبل أعضاء الفتوى العمل، مما يؤدي إلى جهالة الأجرة، فما يتقاضاه أعضاء هيئة الفتوى والرقابة عبارة عن مكافآت مالية قد تزيد وقد تنقص وفق معطيات عمل المؤسسة.
3 - الحسبة: نظر بعض الفقهاء إلى عمل هيئة الفتوى والرقابة الشرعية على أنه تصحيح لأعمال المؤسسة، وإرجاعها في حالة مخالفتها إلى جادة الصواب وهو ما يقوم به المحتسب، فالحسبة هي الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله. فالمحتسب ينزل إلى السوق ويراقب أعمال الناس وتجارتهم، ويقوم بنصحهم وإرشادهم حتى يرجع الناس إلى أمر الله وشرعه.
إلا أن اعتبار علاقة الهيئة مع المؤسسة قائمة على الاحتساب غير صحيح والله أعلم، وإن كانت الهيئة تقوم بهذا الدور داخل المؤسسة أو الصندوق، لأن المحتسب موظف عام يتقاضى مرتبه من بيت المال يراقب مدى التزام أصحاب السوق بأحكام الشريعة وبأوامر ولي الأمر الاستصلاحية المتصلة بالسوق، فعمله قائم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فله سلطة تنفيذية لإصلاح الخلل وإلزام أصحاب السوق بما يقرره، وبمعاقبتهم إن اقتضى الأمر. فالمحتسب ليس له صفة الإفتاء لأهل السوق وإلزامهم بفتواه.
4 - الإفتاء: ذهب البعض إلى أن عمل هيئة الفتوى والرقابة الشرعية قريب من عمل المفتي، إذ أنها تصدر الحكم الشرعي فيما يعرض عليها، وتساعد الإدارة في المؤسسة المالية على تطوير العقود بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية. وهذا الأمر وإن كان صحيحا إلا أن عمل الهيئة لا يقتصر على الإفتاء فقط بل هي تقوم بأدوار عديدة منها:
مراجعة نماذج العقود والاتفاقيات واللوائح للتثبت من عدم مخالفتها لأحكام الشريعة الإسلامية.
إصدار الفتاوى في الموضوعات التي تعرض عليها.
مراجعة ومراقبة العمليات المنفذة، والتأكد من أن التطبيق متفق مع القرارات الصادرة من قبل الهيئة الشرعية.
تدريب الموظفين وتثقيفهم في المعاملات المالية، والمساهمة في تنمية الوعي لدى العاملين.
تقديم البدائل الشرعية للمنتجات التقليدية المخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية.
تقديم تقرير للجمعية العمومية على صحة المعاملات ومطابقتها لأحكام الشريعة الإسلامية.
القيام بحل المنازعات التي تقع بين المؤسسة وبين عملائها أو أي أطراف أخرى.
التكييف الشرعي لهيئة الفتوى والرقابة الشرعية:
بعد ان نظرنا الى التكييف الشرعي لهيئة الفتوى والرقابة الشرعية عند بعض العلماء المعاصرين نجد ان عمل الهيئة عبارة عن خليط مما ذكر فهي تمارس دور الوكيل نيابة عن المساهمين في مراقبة القرارات والتأكد من سلامتها من الناحية الشرعية، كما انها تمارس دور الافتاء من خلال الاجابة عن ما يعرض عليها من اسئلة، وتمارس ايضا دور الحسبة من خلال التدقيق على المعاملات وكشف الاخطاء ومعالجتها، وهي بهذا التصور تعتبر ولاية دينية معاصرة ليس لها مثال فقهي سابق في شكلها ومضمونها، فالهيئة لها ولاية شرعية تنص عليها او يجب ان تنص عليها الوثائق الرسمية للمؤسسة من عقد التأسيس والنظام الاساسي وغيرهما.
الحكمة ضالة المؤمن
إن الدين يسر
د.وليد خالد الربيع
عن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ان الدين يسر، ولن يشاد الدين احد الا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» اخرجه البخاري.
فمن خصائص الاسلام، ومن سمات الشريعة السماحة واليسر ورفع الحرج، وهذا الحديث فرد من جملة ادلة تدل على ذلك منها قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، وقال تعالى: (يريد الله ان يخفف الله عنكم)، وقال سبحانه: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها)، وقال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، وقال صلى الله عليه وسلم: «احب الدين الى الله الحنيفية السمحة»، وقال لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما الى اليمن: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا»، وقالت عائشة رضي الله عنها: «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين امرين الا اختار ايسرهما ما لم يكن اثما»، ونصوص كثيرة حول هذا الاصل.
وللاسف فان بعض الناس يسيء فهم هذا الحديث وأمثاله، فيظن ان التهاون في بعض الواجبات، والوقوع في بعض المحرمات، والتنازل عن بعض الثوابت، وترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، يظن ان ذلك من باب ان الدين يسر.
الا ان المفهوم الصحيح لسماحة الدين ويسره يتمثل فيما قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله: «أي دين الاسلام ذو يسر او سمي الدين يسرا مبالغة بالنسبة للاديان قبله، لان الله رفع عن هذه الامة الاصر الذي كان على من قبلهم، ومن اوضح الامثلة له ان توبتهم كانت بقتل انفسهم وتوبة هذه الامة بالاقلاع والعزم».
وقال الشيخ ابن سعدي: ما اعظم هذا الحديث، وأجمعه للخير والوصايا النافعة، والاصول الجامعة. فقد اسس صلى الله عليه وسلم في اوله هذا الاصل الكبير، فقال: «ان الدين يسر» اي ميسر مسهل في عقائده وأخلاقه وأعماله، وفي افعاله وتروكه، فان عقائده التي ترجع الى الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره: هي العقائد الصحيحة التي تطمئن لها القلوب، وتوصل مقتديها الى اجل غاية وأفضل مطلوب، وأخلاقه وأعماله اكمل الاخلاق، وأصلح الاعمال، بها صلاح الدين والدنيا والآخرة. وبفواتها يفوت الصلاح كله. وهي كلها ميسرة مسهلة، كل مكلف يرى نفسه قادرا عليها لا تشق عليه، ولا تكلفه، عقائده صحيحة بسيطة. تقبلها العقول السليمة، والفطر المستقيمة. وفرائضه اسهل شيء.
ثم اذا نظر العبد الى الاعمال الموظفة على العباد في اليوم والليلة المتنوعة من فرض ونفل، وصلاة وصيام وصدقة وغيرها، وأراد ان يقتدي فيها بأكمل الخلق وامامهم محمد صلى الله عليه وسلم رأى ذلك غير شاق عليه، ولا مانع له عن مصالح دنياه، بل يتمكن معه من اداء الحقوق كلها: حق الله، وحق النفس، وحق الاهل والاصحاب، وحق كل من له حق على الانسان برفق وسهولة، وأما من شدد على نفسه فلم يكتف بما اكتفى به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بما علمه للامة وأرشدهم اليه، بل غلا، وأوغل في العبادات: فان الدين يغلبه، وآخر امره العجز والانقطاع، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «ولن يشاد الدين احد الا غلبه» فمن قاوم هذا الدين بشدة وغلو، ولم يقتصد: غلبه الدين، واستحسر ورجع القهقرى. ولهذا امر صلى الله عليه وسلم بالقصد، وحث عليه. فقال: «والقصد القصد تبلغوا».
فعلمت بهذا: انه يؤخذ من هذا الحديث العظيم عدة قواعد:
القاعدة الاولى: التيسير الشامل للشريعة على وجه العموم، القاعدة الثانية: المشقة تجلب التيسير وقت حصولها، القاعدة الثالثة: اذا امرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم.
القاعدة الرابعة: تنشيط اهل الاعمال، وتبشيرهم بالخير والثواب المرتب على الاعمال.
القاعدة الخامس: الوصية الجامعة في كيفية السير والسلوك الى الله، التي تغني عن كل شيء ولا يغني عنها شيء، فصلوات الله وسلامه على من اوتي جوامع الكلم ونوافعها».
ومن ابلغ الادلة على سماحة الدين ويسر الاسلام «تشريع الرخص»، فالرخصة الشرعية هي حكم استثنائي من حكم كلي شرعت مراعاة لاحوال الناس وحاجاتهم، وقد شرعها الله رحمة بعباده وتخفيفا عنهم كما قال عز وجل: (يريد الله ان يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا)، فمن عجز عن الوضوء لفقد الماء او عدم القدرة على استعماله يتيمم، ومن عجز عن الصلاة قائما صلى قاعدا، ومن عجز عن صيام ايام من رمضان افطر وقضى او فدى بشروطه، وغيرها من الرخصة الشرعية التي جاءت بها النصوص الشرعية لتيسر على المكلفين امتثال الاحكام الدينية وترفع عنهم الحرج والضيق، اما اتباع الهوى والبحث عن الحيل لاسقاط التكاليف، وفتح الابواب الى المحرمات فهذه ليست برخص شرعية انما هي لعب بالاحكام الشرعية، وعبث بالتكاليف الدينية، لان التيسير والتخفيف في حقيقته «حكم شرعي» ينبغي ان يستند الى الادلة الشرعية والقواعد الكلية، اما التيسير المردود فما كان تابعا للهوى بغير دليل شرعي، ولا قاعدة كلية.
فلو قال قائل: كيف يتفق هذا المبدأ ـ وهو الدين يسر ـ مع التكاليف الشرعية التي هي الزام المكلف بما فيه كلفة ومشقة كما يدل عليه اصل الكلمة اللغوي؟
وقد اجاب عن هذا الاشكال الشاطبي رحمه الله حيث قرر ان المشقة انواع:
النوع الاول: مشقة لا يقدر عليها المكلف، كتكليف المقعد بالمشي وتكليف الانسان بالطيران، فهذا النوع لم يقع التكليف به، ولم يقصده الشارع.
النوع الثاني: مشقة مقدور عليها الا انها خارجة عن المعتاد: مثل الزام المكلف بالوصال في الصوم، والاستمرار بقيام الليل، او الصوم حال السفر او المرض، فان التكليف بهذه الامور ـ وان كانت مقدورة للمكلف ـ الا انه سيلحقه حرج شديد وضرر كبير مما يخل بنظام حياته ويفوت عليه مصالحه الدينية والدنيوية، فالشارع لا يشرع مثل هذا النوع من التكاليف التي فيها مثل هذا النوع من المشقة، بل انه سبحانه شرع الرخص التي تخفف عن الناس وترفع عنهم الحرج.
النوع الثالث: المشقة المقدور عليها الا انها زائدة على المعتاد: وهي المشقة الطبيعية التي يستطيع المكلف تحملها من غير ان يلحقه ضرر في دينه ولا دنياه، مثل التكاليف بسائر الفرائض، وترك المحرمات، فهي في ذاتها ليست بشاقة، ولكن التزامها هو الشاق على النفس لما فيه من الدخول في اعمال زائدة على ما اعتادته النفوس من اعمال الدنيا، فمثل هذه المشقة لا تمنع من التكليف بمقتضاها، لان كل عمل في الحياة لا يخلو من مشقة، غير ان هذه المشقة ليست هي المقصودة للشارع الحكيم، بل المقصود المصالح المترتبة على التكاليف التي كلفنا بها، كمثل الطبيب الماهر يلزم المريض بتناول الدواء المر لا يقصد بذلك ايلامه، وانما يقصد سلامته من المرض، ولله المثل الاعلى.