Note: English translation is not 100% accurate
في العدد الجديد من صفحة "رابطة علماء الشريعة" بقلم د.حاكم المطيري: الأحكام الفقهية لشهداء الحرية والثورة العربية (1).. و د.وليد خالد الربيع: الخير عادة والشر لجاجة
20 فبراير 2013
المصدر : الأنباء
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على النبي الأمين وآله وصحبه أجمعين:
وبعد فقد جاءتني أسئلة كثيرة حول حكم من يقتل من المتظاهرين في الثورة الشعبية في الدول العربية من أجل العدل والحرية؟ وهل يصدق عليهم أنهم شهداء أم لا؟ وهل هذه الثورة شرعية أم ثورة دنيوية؟
وأقول وبالله التوفيق قد سبق لي الإجابة عن هذه الأسئلة في مقالي «الثورة العربية والمصطلحات الوهمية» و«الثورة العربية رؤية شرعية» وغيرها من المقالات القديمة كمقالي «المقاومة السلمية رؤية شرعية» المنشور بتاريخ 11/9/ 2009م، وكلها منشورة في موقعي، وهذه دراسة أكثر تفصيلا وهي في مباحث:
المبحث الأول
في عموم أحكام الشريعة لأفعال المكلفين فليس في أفعال المكلفين عامة ما هو خارج عن الشريعة وأحكامها، فكل فعل يصدر عن فرد أو جماعة أو دولة له حكم شرعي بالحل أو التحريم أو الإيجاب، وهذا بإجماع علماء الأمة من الفقهاء والأصوليين على اختلاف مذاهبهم، واستدل له الشافعي في الرسالة بقوله تعالى: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) «القيامة: 36»، أي لا يؤمر ولا ينهى.
وكما قال تعالى ( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8) سورة الزلزلة.
وبناء عليه فهذه الثورة التي قامت - أو ستقوم - بها الشعوب في العالم العربي إما أنها مشروعة سواء كانت واجبة أو مباحة، أو أنها محرمة غير مشروعة، ولا حكم غير هذين الحكمين العامين، فمن قال إنها ثورة من أجل الدنيا لا من أجل الدين قيل له: هل الثورة من أجل الدنيا مشروعة أم غير مشروعة؟ ووصفها بأنها دنيوية لا يخرجها عن دائرة الأحكام الشرعية، فإن كانت مشروعة فهي ثورة دنيوية شرعية، وإن كانت غير مشروعة فهي ثورة دنيوية محرمة غير شرعية.
ولا يوجد في الإسلام فصل في الأحكام بين ما هو ديني وما هو دنيوي، بل هذه هي النصرانية التي ترفع شعار «دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر»، وتفرعت عنها العلمانية الغربية التي فصلت الديني عن الدنيوي، أما في الإسلام فالشريعة تنتظم كل أفعال العباد، وتحكم لها أو عليها، لا يخرج عن أحكامها شيء مطلقا، فما حرمته فهو الحرام، وما أباحته فهو الحلال، وما أوجبته فهو الواجب وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح «أنتم أعلم بأمر دنياكم»، دليل على أن الأصل في الأشياء الدنيوية الإباحة، وهي أيضا حكم شرعي، فثبت أن الشارع قد حكم في كل شيء تفصيلا أو إجمالا، ودائرة الإباحة في الأشياء والمعاملات والعادات أوسع من دائرة الحظر، كما قال تعالى: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) البقرة: 185، وقال سبحانه: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) الحج: 78.
وعن أبي أمامة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكن بعثت بالحنيفية السمحة».
المبحث الثاني
مشروعية القتال عن الدنيا وإذا ثبت ذلك فالسؤال هل للإنسان شرعا فردا كان أو مجموعة أن يقاتل من أجل الدفاع عن حقوقه الدنيوية أم لا؟ والجواب كما هو معلوم من دين الإسلام بالضرورة القطعية أن للإنسان الدفاع عن نفسه وماله وعرضه وأرضه وحقه، ومن مات دون شيء من ذلك فهو شهيد، كما توافرت وتواترت بذلك النصوص كقوله تعالى: والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (39) وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (40) ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (42) (الشورى: 39 - 42). وكما جاء عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد»
وعن عبدالله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل دون ماله مظلوما فله الجنة».
وقد احتج بهذا الحديث الصحابي عبدالله بن عمرو بن العاص، فعن عبدالله بن عمرو بن العاص، أن عاملا من عمال معاوية بن أبي سفيان أجرى عينا من ماء ليسقي بها أرضا، فأجراها حتى إذا دنا من حائط يسمى الوهط لآل عمرو بن العاص، أراد أن يخرق الحائط ليجري العين إلى أرض له أخرى، فأقبل عبدالله بن عمرو بن العاص ومواليه بالسلاح، وقال: والله لا تخرقون حائطنا حتى لا يبقى منا أحد، فقالوا: اتق الله، فإنك مقتول أنت ومن معك، فقال عبدالله بن عمرو بن العاص: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قتل دون ماله مظلوما فإنه في الجنة».
وعن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك» قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله» قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار».
وقد احتج الصحابي سعيد بن زيد رضي الله عنه - أحد العشرة المبشرين بالجنة - بحديث: «من قتل دون ماله فهو شهيد»، فعن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد».
وعن سعيد بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قاتل دون ماله فقتل فهو شهيد، ومن قاتل دون دمه فهو شهيد، ومن قاتل دون أهله فهو شهيد».
وعن أبي بكر يعني ابن حفص، فذكر قصة، قال سعد: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نعم الميتة أن يموت الرجل دون حقه».
فساوت هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة بين القتال عن الدين، والقتال عن النفس والأهل والعرض والمال والأرض والحقوق كالحرية والعدل والكرامة، فكلها مشروع القتال دونه، وكلها يصدق على من قتل دونها بأنه شهيد.
وهذان صحابيان جليلان عبدالله بن عمرو وسعيد بن زيد يرويان هذه الأحاديث ويحتجان بها قوليا وعمليا في تصديهما بالقوة لمن أرد أن يظلمهما ويأخذ حقهما وإن كانت السلطة نفسها ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة وهما أدرى بروايتهما ممن سواهما.
قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلما بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث المجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه.
وقال الخطابي: «فقد دل ذلك على أن من دافع عن ماله أو عن أهله أو دينه إذا أربد على شيء منها فأتى القتل عليه كان مأجورا فيه نائلا به منازل الشهداء. وقد كره ذلك قوم زعموا أن الواجب عليه أن يستسلم ولا يقاتل عن نفسه وذهبوا في ذلك إلى أحاديث رويت في ترك القتال في الفتن وفي الخروج على الأئمة، وليس هذا من ذلك في شيء، إنما جاء هذا في قتال اللصوص وقطاع الطريق، وأهل البغي والساعين في الأرض بالفساد ومن دخل في معناهم من أهل العيث والافساد».
وكما ثبت في الصحيحين بل ما تواتر في كتاب فريضة الزكاة الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته، فعن ثمامة بن عبدالله بن أنس، أن أنسا، حدثه: أن أبا بكر رضي الله عنه، كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، «فمن سئلها من المسلمين على وجهها، فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعط..».
قال ابن حجر: قوله: «ومن سئل فوقها فلا يعط»، أي: من سئل زائدا على ذلك في سن أو عدد فله المنع. ونقل الرافعي الاتفاق على ترجيحه. وقيل معناه فليمنع الساعي وليتول هو إخراجه بنفسه أو بساع آخر فإن الساعي الذي طلب الزيادة يكون بذلك متعديا وشرطه أن يكون أمينا، لكن محل هذا إذا طلب الزيادة بغير تأويل.
فليس للسلطة أخذ أموال الناس بالباطل ولو كانت جباية الزكاة، وليس لها حبسهم واعتقالهم ظلما، وليس لها انتهاك حرماتهم، فإن فعلت فجائز لهم دفعها عن ذلك والامتناع عن طاعتها ومقاومتها.
قال الإمام ابن حزم بعد أن ذكر حديث عبدالله بن عمرو وقصته، وحديث أبي بكر في الزكاة: فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر من سئل ماله بغير حق أن لا يعطيه، وأمر أن يقاتل دونه فيقتل مصيبا سديدا، أو يقتل بريئا شهيدا، ولم يخص – عليه الصلاة والسلام - مالا من مال. وهذا أبو بكر الصديق، وعبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - يريان السلطان في ذلك وغير السلطان سواء - وبالله تعالى التوفيق.
فهذه بعض الأدلة القطعية في ثبوتها ودلالاتها تؤكد أن للإنسان الحق أن يقاتل دون دنياه سواء كان مالا أو أرضا أو نفسا أو أهلا، وهذا من العدل والقسط الذي جاء به الإسلام، كما قال تعالى: (قل أمر ربي بالقسط) (الأعراف: 29)، وقال: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) (الحديد: 25).
ولا فرق في هذا الحق بين مسلم وغير مسلم، وصالح وغير صالح، بل لكل إنسان في دار الإسلام الدفع عن حقوقه ممن أراد الاعتداء عليها.
وبناء على كل ما سبق فإن للأمة شرعا بأفرادها أو بمجموعها أن تقاتل عن دنياها كما تقاتل عن دينها، كما ثبت أيضا بأن من يقتل دون دنياه مظلوما فهو شهيد، كمن يقاتل دون دينه، وهذا بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى.
المبحث الثالث
ثبوت أحكام الشهادة للمتظاهرين دفاعا عن حقوقهم.
وإذا ثبت أن الشارع أطلق اسم الشهادة ووصفها على من قاتل دون حقوقه الدنيوية، فقد اجتمع لمن قتلوا في الثورات العربية الشعبية وصفان يوجب كل واحد منهما وصف الشهادة وأحكامها لهم:
الأول: من قاتل منهم دون نفسه أو أهله أو دينه أو ماله أو حقه فقتل. والثاني: من قتل منهم مظلوما، وإن لم يقاتل، بل خرج مسالما يدعو إلى إنصافه ورفع الظلم عنه وعن غيره، فاعتدت عليه السلطة وقتلته، ولهذا جاء في دليل الطالب في فقه الحنابلة: «وشهيد المعركة والمقتول ظلما لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ويجب بقاء دمه عليه ودفنه في ثيابه. وإن حمل فأكل أو شرب أو نام أو بال أو تكلم أو عطس أو طال بقاؤه عرفا أو قتل وعليه ما يوجب الغسل من نحو جنابة فهو كغيره».
وقد جاء في صحيح مسلم عن جهاد الأئمة المضلين عن عبدالله بن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».
وجاء في الحديث أيضا عن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قال إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله»
وفي الحديث الآخر عن طارق بن شهاب، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقد وضع رجله في الغرز، أي الجهاد أفضل؟ قال: «كلمة حق عند سلطان جائر».
وفي الصحيح عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان. فقام إليه رجل، فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
وهذان الوصفان - أي وصف الجهاد ووصف الشهادة - يثبتان لمن تظاهروا وقتلوا في المظاهرات السلمية، على الأنظمة الشرعية، إذا جارت وظلمت واعتدت على الرعية، أما إذا ثبت عدم شرعيتها بل وثبتت ردتها كأكثر الحكومات العربية اليوم، فالمقتول في الثورة عليها هو شهيد المعركة نفسه عند أكثر الفقهاء كما سيأتي بيانه.
الحكمة ضالة المؤمن
الخير عادة والشر لجاجة
د.وليد خالد الربيع
من القضايا الفلسفية القديمة البحث في النفس البشرية وهل الأصل فيها الخير والشر طارئ؟ أم العكس فالشر متأصل في نفس الإنسان والخير طارئ؟
والذي تدل عليه النصوص الشرعية أن الإنسان مهيأ لقبول الخير والشر بما خلق الله تعالى فيه من الإرادة والقدرة والاختيار كما قال تعالى: (وهديناه النجدين) قال الشيخ ابن سعدي: «أي طريقي الخير والشر، بينا له الهدى من الضلال والرشد من الغي»، وقال القاسمي: «أي أودعنا في فطرته التمييز بين الخير والشر، وأقمنا له من وجدانه وعقله أعلاما تدله عليهما، ثم وهبنا له الاختيار، فإليه أن يختار أي الطريقين شاء» أهـ.
وقال عز وجل: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) قال القاسمي: «أي سبيل الخير والشر والنجاة والهلاك، أي: عرفناه وبينا له ذلك بأدلة العقل والسمع» أهـ.
ومع ذلك فإن الله تعالى من رحمته فطر الإنسان على حب الخير والميل إليه وتفضيله على الشر كما قال عز وجل: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
قال ابن سعدي: «يأمر الله تعالى بالإخلاص له في جميع الأحوال وإقامة دينه فقال: (فأقم وجهك) أي: انصبه ووجهه إلى الدين الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان بأن تتوجه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج ونحوها. وشرائعه الباطنة كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة بأن تعبد الله فيها كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وهذا الأمر الذي أمرناك به هو (فطرة الله التي فطر الناس عليها) ووضع في عقولهم حسنها واستقباح غيرها، فإن جميع أحكام الشرع الظاهرة والباطنة قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم، الميل إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق وهذه حقيقة الفطرة، ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عرض لفطرته أفسدها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» أهـ.
وعن عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» أخرجه مسلم.
قال النووي: قوله تعالى: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم» أي مسلمين، وقيل: طاهرين من المعاصي، وقيل: مستقيمين منيبين لقبول الهداية.
وقوله تعالى: «وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم» أي: استخفوهم فذهبوا بهم، وأزالوهم عما كانوا عليه، وجالوا معهم في الباطل أهـ.
وقال الطاهر بن عاشور: «وإذ قد كانت نفوس الشياطين داعية إلى الشر بالجبلة تعين أن عقل الإنسان منصرف بجبلته إلى الخير، ولكنه معرض لوسوسة الشياطين، فيقع في شذوذ عن أصل فطرته، وفي هذا ما يكون مفتاحا لمعنى كون الناس يولدون على الفطرة، وكون الإسلام دين الفطرة، وكون الأصل في الناس الخير».
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» متفق عليه.
قال النووي: «والأصح أن معناه: أن كل مولود يولد مهيأ للإسلام فمن كان أبواه أو أحدهما مسلما استمر على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا، وإن كان أبواه كافرين جرى عليه حكمهما في أحكام الدنيا، وهذا معنى يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، أي: يحكم له بحكمهما في الدنيا، فإن بلغ استمر عليه حكم الكفر ودينهما، فإن كانت سبقت له السعادة أسلم وإلا مات على كفره» أهـ والفطرة في اللغة: من فطر بمعنى شق، وانفطر وتفطر: انشق، وتأتي بمعنى خلق يقال:فطر الله الخلق أي: خلقهم وأنشأهم، والفطرة: الابتداء والاختراع والخلق ومنه قوله تعالى: (الحمد لله فاطر السموات والأرض).
قال القرطبي: «الفطرة هي الخلقة التي خلق الله عليها المولود في المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة».
ومن هنا يأتي هذا الحديث ليؤكد هذا الأصل، ويحث الناس على الاستكثار من الخير والتعود على فعله حتى يصير سجية في النفس وعادة في الطبع، فعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «الخير عادة والشر لجاجة ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» أخرجه ابن ماجه، وفي رواية أن معاوية رضي الله عنه قال: عودوا أنفسكم الخير فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الخير عادة والشر لجاجة، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين».
واللجاجة في اللغة بمعنى التردد وعدم الثبات، قال ابن فارس: «اللام والجيم أصل صحيح يدل على تردد الشيء بعضه على بعض، وترديد الشيء، يقال: لجلج الرجل المضغة في فيه إذا رددها ولم يسغها، ويقولون:في فؤاد فلان لجاجة، وهو أن يخفق لا يسكن من الجوع».
قال السندي في شرحه: «أي المؤمن الثابت على مقتضى الإيمان والتقوى ينشرح صدره للخير فيصير له عادة، وأما الشر فلا ينشرح له صدره فلا يدخل في قلبه إلا بلجاجة الشيطان والنفس الأمارة، وهذا هو الموافق لحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك والإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك المفتون».
والمراد أن الخير موافق للعقل السليم، فهو لا يقبل إلا إياه ولا يميل إلا إليه بخلاف الشر فإن العقل السليم ينفر عنه ويقبحه.
ويحتمل أن المراد بالخير والشر الحق والباطل وللحق نور في القلب يتبين به أنه الحق، وللباطل ظلمة يضيق بها القلب عن قبوله، فلا يدخل فيه إلا بتردد وانقباض للقلب عن قبوله، وهذا هو الموافق للمثل المشهور: «الحق أبلج والباطل لجلج» من غير أن ينفذ، ويحتمل أن يكون هذا بيان ما ينبغي أن يكون المؤمن عليه أي اللائق بحاله أن يكون الخير عادته والشر مكروها لا يدخل عليه إلا للجاجة» اهـ.
فعلى المسلم أن يتحرى الخيرات ويستكثر منها حتى يعتاد عليها، ويعرف بها، ويألفها فيموت عليها ويختم له بإذن الله بخاتمة السعداء، كما عليه أن ينفر من الشرور والآفات، ويتباعد عنها، حتى يقوي في قلبه إنكارها ويزيد بغضها، ويفر منها ومن أهلها، فيكون كما أراده الله تعالى من عباده المخلصين المخلصين، وبالله التوفيق.