Note: English translation is not 100% accurate
في العدد الجديد من صفحة «رابطة علماء الشريعة» بدول مجلس التعاون: د.المطيري يتكلم عن «الثورة السورية وسقوط الأنظمة الثورية».. ود.المطيرات يكتب عن «أين الرجال؟»
27 مارس 2013
المصدر : الأنباء



الثورة السورية وسقوط الأنظمة الثورية
الثورة العربية أثبتت أن الأنظمة الثورية التي تقف في خندق الممانعة والاستقلال لا تقل إثماً عن المسالمة في خندق الاحتلال
بقلم د.حاكم المطيري
سلام من صبا بردى أرق
ودمع لا يكفكف يا دمشقُ
ومعذرة اليراعة والقوافي
جلال الرزء عن وصف يدقُ
دم الأحرار تعرفه فرنسا
وتعلم أنه نور وحقُ
بلاد مات فتيتها لتحيا
وزالوا دون قومهم ليبقوا
وحررت الشعوب على قناها
فكيف على قناها تسترقُ
وللحرية الحمراء باب
بكل يد مضرجة يدقُ
جزاكم ذو الجلال بني دمشق
وعز الشرق أوله دمشقُ
إذا كانت سورة براءة تسمى الفاضحة، لما كشفته من أحوال المنافقين وتآمرهم على الأمة، فإن الثورة السورية هي بحق الثورة الفاضحة للمشهد السياسي في المنطقة العربية كلها محليا وإقليميا ودوليا، فقد سقطت بالثورة السورية الشعارات، وتهاوت أمام إعصارها الأحزاب والتيارات، وزلزلت المشاريع واللافتات، وتعرى الجميع فإذا نحن أمام مسرحية كبرى يمارس على خشبة مسرحها الثوريون الدجالون والممثلون السياسيون كل فنون التضليل والخداع السياسي على حساب دماء الشعوب العربية التي تتطلع للحرية والعدل وللحياة الكريمة!
ما سبب هذا الجنون الذي يمارسه النظام السوري حتى يشن حربا على شعبه، ويحاصر مدنه، ويقتل المدنيين الأبرياء من الأطفال والشباب والنساء؟
كيف يقنع النظام السوري العالم - إن كان هناك حقا نظام - بمشروعية كل هذه الجرائم الدموية وغير الإنسانية التي تقوم بها المليشيات الحكومية؟
ما ذنب الطفل حمزة الخطيب ليقتل بدم بارد، وبأسلوب لا يقدم عليه أعتى العتاة، ليشوهوا جسده الطاهر، ويمثلوا به، ومثله عشرات بل مئات القتلى الأبرياء؟
لقد سقط النظام السوري سقوطا غير مسبوق وغير مأسوف عليه، وسقطت معه كل شعارات الصمود والمقاومة، فإن ما يفعله في الشعب السوري لم يفعله حتى الكيان الصهيوني بمن أرادوا دخول الجولان.
إن كان من يحكم سورية هو فعلا حزب البعث وليست أسرة الأسد وعصابته، فقد كتب هذا الحزب بيده نهايته، ودق آخر مسمار في نعشه، وانتهى هذا الحزب الشمولي الديكتاتوري الإجرامي، الذي جعل من نفسه وصيا على الشعب السوري بالحديد والنار منذ نصف قرن أو يزيد وبغير وجه حق، تحت شعارات كاذبة خاطئة باسم الاشتراكية والعدالة، وباسم القومية العربية، فلم يحقق للشعب سوى اشتراكية في الظلم، وعدالة في البؤس، حتى أوصل سورية إلى ما أوصلها إليه من أنهار الدماء التي تهراق في مدنها وقراها؟
لقد كانت أمام هذا الحزب فرصة تاريخية بعد سقوطه في العراق أن يتصالح مع شعبه ومع أمته ودينها وهويتها، وسنحت له فرصة في سورية، ليؤكد لها أنه قادر على مواكبة التغيير في المنطقة، وأنه كما يرفع شعار المقاومة، فسيرفع شعار الإصلاح السياسي ويبادر للاعتراف بحق الشعب في اختيار حكومته، وإلى احترام التعددية والتداول السلمي للسلطة، إلا أن الحزب لم يفعل، وبقي حزبا شموليا عاجزا عن فهم ما يدور حوله، ولم يستفد من تجربته في العراق، ولم يجد أبواقه إلا أن يرددوا شعاراتهم نفسها التي تجاوزها الزمن، وكشفتها الأحداث، فإذا الاسطوانة المشروخة نفسها تعاد من جديد على مسامعنا، فهذه الثورة السورية المجيدة التاريخية ليست في نظر هذا الحزب ومنظريه سوى مؤامرات خارجية يحيكها الاستعمار ضد النظام المقاوم في سورية!
عمن يقاوم هذا النظام؟ ومن يقاوم؟ وعمن يدافع هذا الحزب؟ وهو يستبيح مدن سورية من شمالها إلى جنوبها بالجيوش والمدرعات التي لم تطلق طلقة واحدة على إسرائيل منذ أربعين سنة
فهذا سؤال لا جواب له في وسائل إعلام النظام وحزبه
وإن كان حزب البعث في سورية لا يد له فيما يجري، فيجب على قياداته المبادرة إلى إعلان البراءة من هذه الجرائم التي يرتكبها النظام بحق الشعب السوري، قبل أن يدفع الحزب وقياداته وكوادره ثمن سكوتهم وصمتهم عن هذه المجازر، وقبل فوات الأوان
وفي كلا الحالين فقد تم الإعلان عن نهاية حزب البعث ومشروعه الدموي غير مأسوف عليه ولا على عهود حكمه للعراق وسورية واليمن، وهي نهاية طبيعية لكل حزب شمولي يصادر على الأمة أحق حقوقها في الحرية والتعددية والتداول السلمي للسلطة، وحقها في انتخاب من يحكمها دون وصاية من حزب أو أسرة أو فئة أو طائفة..
لقد وقفت حكومة الاحتلال الأميركي في بغداد المدعومة إيرانيا - والتي تعمل على اجتثاث البعث في العراق - مع حكومة البعث في دمشق المدعومة إيرانيا والتي تقاوم الاحتلال الأميركي
وفي الوقت الذي تزعم حكومة العميل نوري في بغداد أن الثورة العربية ضد الأنظمة الديكتاتورية جاءت كامتداد لثورة الشعب العراقي ضد النظام البعثي من أجل إقامة الديموقراطية، ومع ذلك لا تتردد حكومة بغداد الديموقراطية في دعم نظام البعث الديكتاتوري في دمشق
إنها مسرحية هزلية تكشف مدى الفساد والتضليل السياسي الذي يمارسه الدجالون الطائفيون، فالرابط المشترك بين الجميع هو المشروع الطائفي سواء في خندق الاحتلال أو خندق المقاومة.
وإذا كانت الثورة السورية قد فضحت وأسقطت النظام السوري الطائفي وحزب البعث في سورية، فإن سقوط القوى الثورية المقاومة كان أشد وقعا، فقد تعرت في أول اختبار لها، فإذا مقاومتها لم تقتصر على العدو الخارجي، بل امتدت لتتصدى للأمة وشعوبها في الداخل، ولتقف جنبا إلى جنب لا مع الأمة والشعوب التي احتضنت المقاومة، بل مع الأنظمة الاستبدادية الإجرامية التي تشن حروبها على شعوبها
إن قتل الشعب السوري تحت شعار المقاومة أو بدعوى الدفاع عن الشعب اللبناني أو الدفاع عن الشعب الفلسطيني - الذي تم دك مخيماته على رؤوس أهله في سورية ولبنان - وتحت شعار مواجهة الخطر الإسرائيلي، لهو جريمة وخيانة كبرى للشعب الذي تحمل أكثر من غيره فاتورة المواجهة، وتنازل عن حقوقه وحرياته من أجل فلسطين، ليكون الجزاء أن تسفك دماؤه في كل مدن الشام وقراه، ثم لا يجد من القوى الثورية والمقاومة التي احتضنها وصبر على نظامه الإجرامي من أجلها، ولو كلمة عزاء واعتذار!
إن القوى الثورية إنما تستمد مشروعيتها من الأمة نفسها ورغبتها في المواجهة والتحرر من الاحتلال الأجنبي، فإذا ما أجلت الأمة معركتها مع الخارج لمواجهة خطر داخلي أحق بالمواجهة، فإنه لا صوت فوق صوت الأمة، ولا مشروعية إلا مشروعيتها، ولا مشروع إلا مشروعها سواء كان مقاومة للخطر الخارجي، أو مواجهة للاستبداد الداخلي، وهو ما لم تفهمه القوى المقاومة فظنت أن مجرد مقاومتها للاحتلال الإسرائيلي يشفع لها وقوفها ضد إرادة الشعوب في ثورتها الداخلية على أنظمتها الديكتاتورية، فكانت المفاجأة أن سقطت هذه القوى سقوطا لا قيام لها بعده تحت أي شعار ترفعه أو سترفعه.
لقد أثبتت الثورة العربية أن حق الشعوب في الحرية ومواجهة الاستبداد كحقها في التحرر ومواجهة الاستعمار، وأن الأنظمة الثورية التي تقف في خندق الممانعة والاستقلال، لا تقل إجراما وخيانة للأمة من الأنظمة المسالمة في خندق الاحتلال فالجميع يؤدي دوره في مسرحية هزلية تعرض على العالم العربي منذ نصف قرن دون كلل ولا ملل من تكرار الأدوار نفسها!
فهذه الأنظمة والقوى الثورية إنما تضطرها الظروف أحيانا للوقوف في هذا الخندق لا إيمانا منها بمشروع المقاومة، بل حفاظا على وجودها ومصالحها، حين يتحقق لها في خندق المقاومة، ما لا قد يتحقق لها في خندق المسالمة!
لقد اختلق الغرب الاستعماري وجود هذه الثنائية في العالم العربي، فأقام دول اعتدال دون اعتدال، ودول مقاومة بلا مقاومة، وكلاهما يحظى برعاية استعمارية، ويقع تحت نفوذ أجنبي خارجي، ليعود للأذهان تاريخ العرب الجاهلي، حيث الغساسنة في الشام تحت نفوذ الروم، والمناذرة في العراق تحت نفوذ الفرس!
أما السقوط الذريع فقد كان من نصيب المشروع الإيراني الصفوي الطائفي والذي لم يجد بدا بسبب طائفيته من الوقوف جنبا إلى جنب مع نظام حكومة الاحتلال الأميركي في بغداد، وحكومة المقاومة المزعومة في دمشق، وكل ذلك على حساب استقلال وتحرر كلا الشعبين العربيين العراقي والسوري، ليخرج خامنئي بنظريته الجديدة بأن إيران تقف فقط مع الثورات العربية غير المدعومة من الخارج، ليبرر موقف نظامه الطائفي من الثورة العربية السورية والعراقية!
لقد مر على الثورة السورية أكثر من سنتين ودماء الشعب تسيل أنهارا، والعالم يتفرج بما في ذلك الولايات المتحدة ودول أوروبا التي منحت الرئيس السوري فرصة تلو فرصة ليحسم الأمور بالحل الأمني، كل ذلك حرصا منها على النظام السوري الذي حمى حدود إسرائيل مدة أربعين سنة، حتى إذا انطلقت الثورة الشعبية، فإذا هو يتذكر الجولان وأنها تحت الاحتلال، فيفتح جبهة مع إسرائيل لا لتحرير الأرض، بل للقضاء على الشعب وإخماد ثورته السلمية وتطلعاته نحو العدل والحرية فأسقط بيد القوى الليبرالية التي تراهن على الخارج للدفاع عن الشعب السوري تحت شعار حماية حقوق الإنسان ودعم الديموقراطية، ونست تلك القوى الليبرالية أن الغرب الاستعماري لا يتدخل إلا لحماية مصالحه حين تتعرض للخطر، وهو ما لم يحدث بعد في سورية حتى الآن!
إن الرهان يجب أن يكون فقط على الشعب السوري، وعلى الأمة العربية وشعوبها من ورائه، وقد قرب فجر الحرية في دمشق وفي كل العواصم العربية، وسيقول الشعب حينها للنظام الثوري الطائفي في سورية والقوى الثورية الطائفية كما قال سلفهم غير الصالح علي صالح: فاتكم القطار فاتكم القطار فاتكم القطار!
الحكمة ضالة المؤمن
المسلمون على شروطهم
د.وليد خالد الربيع
من الصفات التي رسخها الإسلام، ومدحها القرآن، ورتب عليها الجزاء الجزيل والثواب الوفير، الوفاء بالعهود، وأداء الالتزامات، فقال تعالى: (يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، وقال تعالى: (ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما).والوفاء هو إتمام العهد وإكمال الشرط، وهو ضد الغدر، والعرب تمدح الشخص بهذه الصفة فتقول: فلان بر، وفي، كريم العهد، صادق الوعد، وثيق الذمة، صحيح الموثق، ثابت العقد.
ومن الأحاديث الجامعة التي أكدت أهمية بالوفاء العهود والالتزامات حديث عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما» أخرجه أبو داود والترمذي.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم» أي: ثابتون عليها لا يرجعون عنها، فالمسلم يوفي ما عليه من حقوق وواجبات ولا يتهرب منها، ولا يتحايل لإسقاطها والتملص منها، بل إن دينه وإيمانه يحمله على أداء الحقوق والوفاء بالالتزامات.
فهذا الحديث تناول عدة أحكام شرعية، منها: وجوب الوفاء بالعهود والالتزامات التي يعقدها الإنسان على نفسه سواء مع الله تعالى بمقتضى إسلامه كالقيام بواجب الإيمان والإخلاص ونبذ الشرك والمعاصي، وكأداء العبادات الواجبة، أو ما يعقده الإنسان مع غيره من المسلمين أو غيرهم من معاملات وتبرعات وغيرها من تصرفات لازمة كما قال عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ).
أما الحكم الثاني الذي يستفاد من هذا الحديث فهو أن الأصل في الشروط والعقود هو الحل والإباحة إلا ما قام الدليل على بطلانه كما قال شيخ الإسلام: «الأصل في الشروط الجواز والصحة، والتزامها لمن شرطت عليه، ولا يحرم منها ويبطل إلا دل الشرع على تحريمه وإبطاله».
أما استدلال بعض العلماء بقوله صلى الله عليه وسلم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» متفق عليه على أن الأصل في الشروط الحظر إلا ما دل عليه الدليل النقلي، فالجواب عنه بما قاله ابن بطال أن: «المراد بـ (كتاب الله) هنا حكمه من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا أن كل من شرط شرطا لم ينطق به الكتاب يبطل، لأنه قد يشترط في البيع الكفيل فلا يبطل الشرط، ويشترط في الثمن شروطا من أوصافه ومن نجومه ونحو ذلك فلا يبطل». أما الحكم الثالث الذي دل عليه الحديث فهو أن الشروط نوعان: شروط صحيحة، وشروط فاسدة، فالشروط الصحيحة لازمة، وأما الشروط الفاسدة فهي لاغية.
قال الخطابي في بيان مورد الحديث: «هذا في الشروط الجائزة في حق الدين دون الشروط الفاسدة، وهو من باب ما أمر الله تعالى من الوفاء بالعقود». وقال الشيخ ابن سعدي: «إن الشروط في جميع العقود نوعان: صحيحة وباطلة: فأما الصحيحة: فهي كل شرط اشترطه المتعاقدان لهما، أو لأحدهما فيه مصلحة، وليس فيه محذور من الشارع، قال: فإنها شروط لازمة للمتعاقدين، إذا لم يف أحدهما بما عليه منها كان للآخر الفسخ. ثم ذكر أمثلة من الشروط الصحيحة، كأن يشترط المشتري أن الثمن أو بعضه مؤجل بأجل مسمى، أو يبيع الشيء ويشترط البائع أن ينتفع به مدة معلومة، ومثل أن يشترط سكنى البيت أو الدكان مدة معلومة أو يستعمل الإناء مدة معلومة وما أشبه ذلك، وكذلك شروط الرهن والضمان والكفالة هي من الشروط الصحيحة اللازمة، ومثل الشروط التي يشترطها المتشاركان في مضاربة أو شركة، ومثل شروط الواقفين والموصين في أوقافهم ووصاياهم من الشروط المقصودة، وكذلك الشروط بين الزوجين، فكلها صحيحة إلا شروطا تحلل الحرام وعكسه كالتي تعود إلى الجهالة والغرر.
وأما الشروط الباطلة: فهي التي تضمنت إما تحليل حرام أو تحريم حلال، ويدخل فيها جميع الشروط الباطلة في البيع والإجارة والرهن والوقف والنكاح، فإنها مشتملة على تحريم الحلال أو تحليل الحرام، ومن تأملها كذلك».
أين الرجال؟
د.عادل المطيرات
إن الله بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ونصره رجال آمنوا به وصدقوا رسالته، وتفانوا في نشر دعوته ونصر كلمته فكانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم، كانوا في الليل رهبانا وفي النهار فرسانا، آمنوا بربهم ونصروا نبيهم، وكانوا كما قال الله تعالى عنهم: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار) هم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهم رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين.
إن الرجولة إذا اكتملت في أمة فبشرها بالخير وتمام المنة، وإن الرجولة إذا انتشرت في شعب نال حقه المغصوب، وأصبح ذا جانب مرهوب، وكيان وسلطان، وإن معاني الرجولة إذا سرت في مجتمع عاش عالي الهمة، مرفوع الرأس، وأصبح ذا قوة وبأس، فبالرجولة تقاس قيمة الأمة بين الأمم وعلى قدر وزنها توزن فيها الأمور.
من هم الرجال الذين يريدهم الإسلام لنصرته؟ ومن هم الرجال الذين ينشدهم لنشر دعوته؟ أهم الذين يأكلون فيكثرون، ويشربون ويسرفون؟ أهم الذين يأكلون أطيب المأكل، ويشربون ألذ المشارب، ويركبون أفخم المراكب؟ أهم الذين ضخمت أجسامهم ومدت قاماتهم، وملأوا أعين الناظرين بملاحة وجوههم وقوة أجسامهم؟ أهم الذين أشادوا القصور وبنوا أضخم الدور؟ أهم الذين قعدوا عن أسمى الغايات وغرقوا في بحر الشهوات؟ أهم الذين يشهدون الزور ويرتكبون الفجور ويشربون الخمور؟ من هم الرجال؟
أهم الذين يتركون الصلاة، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا؟ أهم الذين ملؤوا خزائنهم بالذهب والفضة ومنعوا الزكاة عن أصحابها؟ أهم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل؟ أهم الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون؟ من هم الرجال؟ أهم الذين يتعاملون بالربا ويأكلون أموال الناس بالباطل؟ ويختلسون الحقوق ويمدون أيديهم لأخذ الرشى؟
أهؤلاء هم الرجال الذين يريدهم الدين لنصرته؟ كلا والله، إن الدين يريد الرجال الذين يخدمون أمتهم بإخلاص ويقودونها إلى طريق الخلاص. إن الدين يريد الصادقين في أقوالهم، المؤمنين بعهودهم، البعيدين عن العبث والهزل، المبرئين من الهذيان واللهو، الذين لا يغريهم ثناء شاكر ولا إطراء مادح، إن الدين يريد رجالا يغضبون لله ولا تأخذهم في الله لومة لائم.
إن الدين يريد لنصرته عباد الله (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليه آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون)، يريد من هم (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم).
يريد أولئك الرجال الذين وصفهم عز وجل بقوله: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا).
يريد الرجال الذين (يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا)، يريد الرجال الذين يقولون (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم).
أيها الإخوة... إن دين الإسلام هو دين الرجولة الذي صنع بتعاليمه الرجال، وربى نبي الإسلام الأبطال، وعلمهم سياسة الأمم وقيادة الشعوب، وتربية الهمم فكانوا خير قيادة، وملكوا زمان السيادة، طبعوا على جد الحياة، وحبب إليهم عملها، وبغض إليهم لهوها وهزلها، فتربوا على الشدائد فلانت لهم، وتعودوا على الصعاب فذلت لهم، فكانوا خير أمة أخرجت للناس، وكانوا أمة واحدة صنعت أمما عدلت في حكم، وعلمت من جهل، وهدت من ضلال، وأرشدت من غواية، وأمنت من خوف، وجمعت بعد تفرقة، وأسعدت بعد شقاء.
لقد تخرج من مدرسة الإسلام طبقة من الرجال العظماء، لا يستطيع المنصف يعد محاسن أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم المهتدون.
أخرجت مدرسة النبوة رجالا كأبي بكر في إخلاصه ومحبته، وعمر في عدله ورجولته، وعثمان في سخائه وسماحته، وعلي في فتوته وشجاعته، وخالد في إقدامه وكياسته، وأبي عبيدة في وفائه وأمانته، وابن عباس في فقهه ودرايته، وابن عمر في علمه وعبادته، وصهيب في صدقه ونزاهته.
الدين أيها الإخوة الكرام يريد منا رجالا كهؤلاء رضي الله عنهم وأرضاهم (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)، فلنتق الله ولنتمسك بديننا، والعمل بكتاب ربنا، ولنقتد بنبينا صلى الله عليه وسلم وبأصحابه الكرام، ولنكن رجالا كما أراد نبينا صلى الله عليه وسلم، فعسى أن ينصر بنا ديننا، ويعلي بنا كلمتنا، ويعيد إلينا أمجادنا، وما ذلك على الله بعزيز (يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم). (وكان حقا علينا نصر المؤمنين).
أيها الإخوة... لا نجاح للمسلمين ولا نصر ما داموا في غفلتهم، ولا رقي لهم إلا إذا تمسكوا بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس التمسك بالدين كلمة يقولها اللسان ولا تعمل بها القلوب والأبدان.
إن التمسك بالدين أن تقيم الصلاة ما دمت مكلفا، وتؤدي الزكاة ما دمت مالكا، وتحج البيت إن كنت مستطيعا، وتصوم شهر رمضان إن كنت قادرا، وأن تعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في عملك إن كنت عاملا، وفي أهلك إن كنت زوجا، وفي صنعتك إن كنت صانعا، وفي معاملاتك إن كنت تاجرا، وفي وظيفتك إن كنت موظفا، وفي رعيتك إن كنت راعيا، وفي محكمتك إن كنت قاضيا، وفي أولادك إن كنت أبا، وفي مرؤوسيك إن كنت رئيسا، أي في جميع الأحوال والأزمان والأماكن.
إن التمسك بالدين أن تجعل حياتك كلها لله مصداقا لقول الله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين).