Note: English translation is not 100% accurate
أكد أهمية وجود مكتبة سمعية وبصرية في كل مسجد تحمي المسلمين من شرور الفكر المسموم
الشايجي: المسجد أول عمل للرسول صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة مهاجراً فكان دوراً للعبادة ومدارس للعلم والتوجيه والإرشاد يتزاحم المسلمون عليها
4 أكتوبر 2013
المصدر : الأنباء

مركز إشعاع وتوجيه وتربية وميدان إعلامي جمع ما بين المنبر والميدان
قد يكون المسجد صغيراً جداً ورواده بالآلاف وخدماته ملموسة للأفراد والمجتمع
الإمام المخلص من يلتحم برواده يشاركهم الرأي والفرح والمصيبة ويقوم بدوره طبيباً لمعالجة مرضى القلوب واضطراب النفوس
المسجد يهذب نفس المسلم ويرقى بمشاعره ويبعث لديه السكينة والطمأنينة ويصل المسلم بربه ويطهر نفسه من حب الذات
كان المسجد مكاناً لعقد الزواج وسن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلن النكاح في المسجد وداراً للقضاء والعلاج
على الرغم من سطوة وسائل الاعلام والمغريات المادية، فمازال المسجد جامعة اسلامية لتخريج الرواد والدعاة الى مختلف بلدان العالم، والمسجد اول عمل للرسول صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة مهاجرا، ليكون مقرا للعبادة ومدرسة يعلم فيها الرواد الذين سيحملون مشاعل الهداية الى شتى بقاع الارض.
ومن هنا ندرك اهمية المسجد وقيمته حيث انه دار عبادة وذكر وفائدة، عن دور المسجد الاعلامي والشرعي والريادي في المجتمع يحدثنا د.عبدالحميد الشايجي الاستاذ بكلية الشريعة والدراسات الاسلامية - جامعة الكويت.
بيت الأتقياء
حدثنا عن مكانة المسجد في الإسلام؟
٭ للمسجد في الاسلام مكانة سامية ترتبط بوظيفته التي تنهض بالفرد والمجتمع، فالمسجد في اللغة: اسم لمكان السجود، وفي الشرع: يطلق على المكان المعد للصلوات والمسجد هو احب البقاع الى الله تعالى فهو قلعة الايمان وحصن الفضيلة، وهو بيت الاتقياء، ومكان اجتماع المسلمين يوميا وهو مركز مؤتمراتهم ومحل تشاورهم، والمنتدى الذي فيه يتعارفون ويتآلفون وعلى الخير يتعاونون.
ولذا كان المسجد اول شيء يهتم به النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة حيث ارسل الى ملأ من بني النجار فقال: يا بني النجار ثامنون لحائطكم هذا، قالوا: والله لا نطلب ثمنه الا الى الله فكان بناء المسجد اولى المهام التي بادر رسول الله في انجازها فبنى لله مسجدا قبل ان يبني لنفسه بيتا في المدينة المنورة، وذلك لاهمية المسجد في بناء الشخصية المسلمة وتنشئتها، وكما رغب الدين الحنيف في بناء المساجد وعمارتها (انما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة واتى الزكاة ولم يخش الا الله فعسى أولئك ان يكونوا من المهتدين) فرغب النبي صلى الله عليه وسلم في بنائه ووعد بالثواب العظيم والاجر الجزيل على ذلك بقوله: «من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة» كما جعل الله المشي الى المسجد مصحوبا بالثواب، ففي الحديث «أن الرجل اذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج الى المسجد لا يخرجه الا الصلاة لم يخط خطوة الا حطت عنه بها خطيئة فإذا صلى لن تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في صلاة ما لم يحدث، تقول: اللهم ارحمه اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاته ما انتظر الصلاة».
رسالة سامية
ما الرسالة التي يجب ان يؤديها المسجد؟
٭ تهدف المساجد في الاسلام الى تحقيق الصورة الاجتماعية القوية واقامة المجتمع المتماسك الذي تربطه في المقام الاول روابط العقيدة، لذا كان المسجد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانا للعبادة وللاعتكاف، والتعليم والتوجيه، ومكانا لتشاور المسلمين وتناصحهم فيما بينهم، وكان فيه التقاضي، وكان مقرا لتطبيب المرضى، فضلا عن انه مركز للتثقيف، كما كانت توثق به عقود الزواج، كذلك كان مكانا لاستقبال الوفود والسفراء، اضافة الى انه كان يمثل دارا للاعلام، كما كان دارا للاغاثة والرعاية الاجتماعية، فالمسجد يهذب نفس المسلم ويرقى بمشاعره ويبعث لديه السكينة والطمأنينة كما انه يصل المسلم بربه ويطهر نفسه من الانانية وحب الذات وذلك لقول الله سبحانه وتعالى: (ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله اكبر)، فالمسجد يربط المسلم بربه ويتم فيه ذكر الله وطاعته، قال تعالى: (في بيوت اذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والأصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار)، وفي المسجد يكون الاعتكاف الذي هو احدى الوظائف الدينية للمسجد، وفي المسجد يكون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك من خلال خطبة الجمعة والدروس والعظات التي تلقى فيه.
التعلم والتعليم
كيف يمكن الاستفادة من المسجد في ميدان التربية والتعليم؟
٭ عندما يصبح معلمو المدارس ومديروها المشرفون عليها على درجة عليا من الخلق والاستقامة والكفاءة فإنهم سوف يؤدون رسالة المسجد على افضل وجه مهما كان نوع العلوم التي تدرس بالمساجد سواء كانت علوم الدين او الدنيا، فالعلم هو اساس العملية التربوية في الإسلام، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا» ولذا كان المسجد معهدا لتعلم القرآن وتعليمه وفهم آياته وأحكامه، كما كان معهدا لدراسة الأحاديث النبوية والتفقه فيها، وقد ظل المسجد الى عهد قريب هو المدرسة لكل العلوم ويجلس فيه العلماء والفقهاء والمحدثون ويتحلق من حولهم الطلاب ينهلون من علمهم وفقههم.
وهل تلقي العلم داخل المسجد أفضل من غيره من الأماكن؟
٭ ورد في الحديث ما يدل على ان التعليم والتعلم في المسجد افضل من سائر الأمكنة فقد روى الإمام احمد وابن ماجة عن ابي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيرا او ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله، ومن دخل لغير ذلك كان كالناظر لما ليس له» وعندما تأسست الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، كان المسجد النبوي من اهم دعاماتها، وكان هو المؤسسة التعليمية الرسمية الأولى من هذا المجتمع الجديد، وان معظم المسلمين كانوا يتعلمون في هذا المسجد تعاليم الدين، فآيات القرآن الكريم وفرائض الدين والقوانين المنظمة لهذا المجتمع، كل ذلك يمثل المحتوى التعليمي لهذه المؤسسة ولهذه الأهمية التي يحظى بها التعليم في الإسلام، رغب النبي صلى الله عليه وسلم في ارتياد المسجد للتعلم ومن ابرز ما يؤكد على ان المسجد كان مركزا للتعليم والتوجيه، مجالس العلم التي كانت تعقد في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ويتزاحم المسلمون عليها ويتنافسون في القرب منه ولقد سلك صحابة النبي صلى الله عليه وسلم هذا المنهج فكانوا يتدارسون القرآن في مسجده ويتذاكرون فيه الحلال والحرام ليتفقهوا في الدين.
منبر إعلامي
كيف يستطيع المسجد أن يحقق دوره الإعلامي في وقتنا المعاصر؟
٭ لتحقيق ذلك لابد ان ندرك ان المسجد منبر اعلامي فريد في ميدانه، حيث جمع الامور الخيرية من اطرافها مكانا وكلاما، فالمسجد له دور هام في العبادة والذكر والفائدة، وكان القائم عليه سواء كان ذلك جهة او اماما او خطيبا هو المسؤول عن ابراز دوره الشرعي والريادي في المجتمع، لاسيما ان من يرتاده هم اهل الله وأحباؤه وخاصته من خلقه، ومع التقدم العلمي والمعرفي في تطور وسائل الاتصال والتلقي بين افراد المجتمع غدت المهمة المنوطة بالعالم والإمام والخطيب في المسجد صعبة مع وجود الفضائيات والإنترنت ولذا يجب على اهل الرأي من الخطباء والأئمة إعادة مكانة المسجد الريادية في التوجيه والإرشاد، لاسيما ان المسجد هو الميدان الاعلامي الذي جمع ما بين المنبر والميدان، وفائدة الخطاب من حيث المنبر شعاع المسجد.
مكتبة شاملة
وهل وجود مكتبة في كل مسجد ضرورية؟
٭ بما ان المسجد مدرسة للمسلم تمثل مركز إشعاع وتوجيه وتربية كان لابد لها من مكتبة متنوعة من الكتب والبحوث والمجلات الهادفة ليكون المتردد على تلك المكتبة على صلة بكل جديد، لذا فإنه يجب اعداد نشرة ثقافية توجيهية تهذيبية بما يجري في المنطقة المحيطة بالمسجد والمشكلات التي تطرأ عليها على ان يشترك فيها المتخصصون في مجالات مختلفة مع الامام وهذه النشرة تعلق بداخل المسجد كما لابد من وجود مكتبة سمعية بصرية، فالكلمة المقروءة والمسموعة تنطلق من داخل المسجد يكون لها تأثير في النفوس وتوجيه لكل عمل بناء في حياة البشر، ولعل تزويد المساجد بالمكتبات يمثل زادا ثقافيا للمسلمين يقيهم شرور الفكر المسموم الذي يعرض عبر الكلمات المكتوبة تارة والمسموعة تارة اخرى، فإذا أسهم المسجد في تكوين عقول المسلمين وتنمية ثقافتهم فإن المجتمع بأسره يتجه نحو التنمية الشاملة من خلال شعاع المسجد وتأثيره الذي يتغلغل داخل النفوس المؤمنة.
دار إغاثة
هــل لك أن تضــرب لنا بعض الأمثلة من التراث على دور المسجد اجتماعيا وصحيا؟
٭ لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم الأموال الواردة إليه في المسجد على ذوي الحاجات، فإن لم تكن هناك أموال وكان الناس في حاجة دعا الأغنياء إلى البذل والانفاق وقام بتوزيعها على الفقراء والمحتاجين في المسجد ايضا، فقد حدث ان وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم يشكون الفاقة والحاجة للثياب، فتغير وجه رسول الله حزنا عليهم ثم خطب صلى الله عليه وسلم في الناس حاثا لهم على رعاية الرحم وتقديم الخير، فانهالت التبرعات من الدراهم والدنانير والثياب والبرد والتمر حتى تكون كومان عظيمان من الطعام والثياب، فتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى القوم صررا، هذا اضافة الى توزيع الاموال الواردة إليه في المسجد فقد ورد عن انس بن مالك رضي الله عنه قال: اتى النبي صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين فقال: انثروه في المسجد وكان اكثر مال اتى به النبي فخرج رسول الله إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فما كان يرى أحدا إلا اعطاه. الحديث.
كما خصص النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده مكانا لإيواء الفقراء الذين ليس لهم بيوت، وعرف هذا بمكان اهل الصفة وكان عددهم سبعين فردا على رأسهم ابوهريرة رضي الله عنه وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينفق عليهم من مال الصدقة وتبرعات اهل الفضل.
دار للعلاج
كما ان المسجد لا يشكل عبئا على المجتمع وإنما يتفاعل معه بما يخدمه ويرقى به، فقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد مكانا لعلاج المرضى، ففي غزوة الخندق لما اصيب سعد بن معاذ ضرب النبي صلى الله عليه وسلم له خيمة في المسجد يعالج فيها، وقام بتمريضه اهل الخبرة في هذا المجال وهي رفيدة الأسلمية، كما كان المسجد مكانا لعقد الزواج فقد سن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلن النجاح في المسجد فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف».
دار للقضاء
وما الخـدمات الأخرى التي كان يقدمها المسجد في الاسلام؟
٭ اتخذ المسجد دارا للقضاء العادل بين المتنازعين، حيث يأمن فيه كل إنسان على نفسه ويطمئن الى أخذ حقه، قال تعالى: (وهل أتاك نبأ الخصم اذ تسوروا المحراب اذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا الى سواء الصراط) وقال الامام القرطبي: «ليس في القرآن ما يدل على القضاء في المسجد أهم من هذه الآية»، كما عرف المسجد انه من أنسب الأماكن لاستقبال الوافدين من أبناء الاسلام وأهل الكتاب من أي مكان وفي أي وقت، ولقد استقبل النبي صلى الله عليه وسلم العديد من الوفود في المسجد ومن بينها وفد عبد قيس ومن الوفود التي قابلها النبي صلى الله عليه وسلم وفد سعد بن هزيم.
دور إعلامي
كما كان المسجد يقوم بدور الإعلام، حيث كان السلاطين والملوك والأمراء كلما أصدروا مرسوما من المراسيم الاقتصادية أو الاجتماعية نقشوه على حجرين من الرخام ووضع بصدر المسجد من الداخل أو الخارج، حيث يراه كل الداخلين اليه، وقد اختير المسجد مكانا للإعلام والإعلان، حيث انه مكان اجتماع الناس للصلاة الجامعة والجماعة.
دار للشورى
كيف كان للمسجد دوره السياسي؟
٭ عندما لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى اجتمع المهاجرون والأنصار في المسجد وتجادلوا فيمن يكون خليفة؟ هل يكون من المهاجرين أو من الأنصار؟ وانتهى الحوار والجدال بمبايعة الصديق أبي بكر خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شاور ابوبكر الصحابة في ان يكون عمر خليفة من بعده، ولما قتل عثمان اجمع الأنصار والمهاجرون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لينظروا من يولونه أمرهم حتى غص المسجد بأهله، واتفق أبو عمار وجمع كبير من الناس على اختيار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الخلافة وسألهم ان تكون بيعته في المسجد ظاهرة للناس.
حماية البيئة
الإسلام يهتم بالبيئة ونظافتها ومع ذلك نجد سلوكيات بعض الناس في عدم الحفاظ على نظافة المسجد، فماذا تقولون؟
٭ قال الله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين)، فالله سبحانه يؤكد على النظافة والتجمل من أجل بيئة نظيفة خالية من التلوث يسعد فيها الفرد والمجتمع على السواء، وقد اهتم الإسلام بالنظافة، ووعد بالأجر والثواب لمن عني بها، فكانت المساجد أولى الأماكن بهذه النظافة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضت علي أعمال أمتي حتى القذارة يخرجها الرجل من المسجد، ولهذا ينبغي ان تبقى بيوت الله نظيفة تفوح منها الروائح الزكية التي تساعد على ارتيادها للصلاة فيها، وللاعتكاف فيها وأداء شعائر الله وفرائضه، فالمسجد يربي المسلم على النظافة والنظام وغيرهما من القيم البيئية التي نحتاج اليها في حياتنا.
الداعية المخلص
ما الشروط التي يجب ان تتوافر في إمام المسجد وإدارته؟
٭ تعتمد فاعلية المسجد في المجتمع على فاعلية امامه، فالمسجد ليس بقوة المبنى ولا بسعة المكان، فقد يكون المسجد صغيرا جدا ورواده بالآلاف وخدماته لأفراد المجتمع، يوجد فيه الامام داعيا مخلصا واسع المدارك فاهما لدينه، متفهما لقضايا مجتمع، يلتحم بالجمهور، يشاركهم الرأي والفرح والمصيبة، يقوم بدوره طبيبا لمعالجة مرضى القلوب واضطراب النفوس، يعمل بما أوتي من حكمة على ايجاد الأمن والإيمان في المجتمع، كما انه مصلح اجتماعي يقود الجماهير الى العلم الاجتماعي بجوانبه المختلفة، والامام هو الصورة المشرقة بالأمل، النابضة بالحركة، الأسوة في كل عمل صالح، ورسالته مستقاة من رسالة الأنبياء والمرسلين ومهمته جليلة، وان كان المسجد يقدم للمجتمع العناصر الطيبة فإن الذي يدير عجلة هذا المصنع ويقودها انما هو الإمام، وهكذا يسعى الامام لجعل المسجد مصدر إضاءة في المكان الذي يقام فيه، ويكفيه انه بيت الله، ولا يمكن ان يكون بيت الله إلا مضيئا ولذا فمسؤولية إمامته كبيرة، فليس دور الإمام محصورا في أداء الصلاة فقط فإنه يتجاوز ذلك الى التوحيد والإرشاد والإصلاح وبناء علاقة حميمة مع المصلين وسكان المنطقة التي يوجد فيها. لذا يجب ان يكون امام المسجد على مستوى متميز من حسن الخلق ولين الجانب وسعة الصدر وثقة المتابعة لأحوال الناس والشعور بالمسؤولية التي يحملها فإذا قصر الإمام في مجال التوجيه والمتابعة، ولم ينتبه الى ما يحتاجه الناس من توجيه في صلاتهم وسلوكهم وعن مساعدتهم في حل مشاكلهم ومشاركته لهم في مناسباتهم، فإنه بذلك يختصر رسالة المسجد الكبرى اختصارا مخلا ويتخلى عن جزء مهم من مسؤوليته.
المسجد الحرام عبر العصور
قبل الإسلام: حسب الاعتقاد الإسلامي، يرجع بناء الكعبة إلى عهد آدم عليه السلام إلا أنها دمرت عبر السنين ولم يبق مكانها شيء إلى أن أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام بمكان البيت. ذكر القرآن: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود).
وهكذا أمر الله إبراهيم عليه السلام ببناء البيت الحرام وذكر القرآن الكريم بناء إبراهيم وابنه إسماعيل ـ عليهما السلام ـ للكعبة، ولقد جاءه جبريل عليه السلام بالحجر الأسود ولم يكن في بادئ الأمر أسود بل كان أبيض يتلألأ من شدة البياض وذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «الحجر الأسود من الجنة وكان أشد بياضا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك» حديث.
ثم أعيد بناء الكعبة في عهد قريش، بعد عام الفيل بنحو ثلاثين عاما بعد أن حدث حريق كبير بالكعبة نتج عن محاولة امرأة من قريش تبخير الكعبة فاشتعلت النار وضعف البناء ثم جاء سيل حطم أجزاء الكعبة فأعادت قريش بناء الكعبة.
عصر الرسول صلى الله عليه وسلم: بعد أن فتح الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مكة أزال ما كان على الكعبة من أصنام، وكان يكسوها ويطيبها، ولكنه لم يقم بعمل تعديل على عمارة الكعبة وما حولها كما لم يرجع الكعبة إلى سابق عهدها في أيام إبراهيم عليه السلام.
عهد الخلفاء الراشدين: بقي المسجد الحرام على حاله طوال خلافة أبو بكر رضي الله عنه ثم العام السابع عشر الهجري، شعر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحاجة المسلمين إلى توسعة المسجد الحرام بعد أن زاد عدد الحجاج إلى المسجد الحرام سنويا فاشترى البيوت المجاورة للمسجد، ووسع بها ساحة المطاف وجعل لها أبوابا يدخل الحجاج والمعتمرون منها للطواف حول الكعبة المشرفة. وكان عمر رضي الله عنه هو أول من أخر مقام إبراهيم عليه السلام عن جدار الكعبة فقد كان ملاصقا بها وذلك ليسهل الطواف وحماية لمقام إبراهيم.
ثم في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة 26 هـ، قام عثمان رضي الله عنه بتوسعة المسجد مرة أخرى كما بنى للمسجد أروقة وكان أول من بنى للمسجد الحرام أروقة.
يؤمن المسلمون بأن المسجد الحرام هو المكان الذي أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم منه إلى المسجد الأقصى كما جاء في سورة الإسراء في القرآن الكريم: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسـجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير).
أول مسجد بني في الإسلام
أول مسجد بني في الإسلام هو مسجد قباء، قال الحافظ في فتح الباري: «فهو أي مسجد قباء في التحقيق أول مسجد صلى النبي صلى الله عليه وسلم فيه بأصحابه جماعة ظاهرا، وأول مسجد بني لجماعة المسلمين عامة».
وقال ابن كثير في البداية والنهاية (3/209): «فكان هذا المسجد أي مسجد قباء أول مسجد بني في الإسلام بالمدينة، بل أول مسجد جعل لعموم الناس في هذه الملة».
وقال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (3/52): «وأسس مسجد قباء، وهو أول مسجد أسس بعد النبوة»انتهى.
وهذه الأولية بالنسبة للمساجد العامة لكل المسلمين، وإلا فإن أبا بكر رضي الله عنه كان قد أسس مسجدا في مكة في داره يصلى فيه.
وروى ابن أبي شيبة عن جابر قال: لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنين نعمر المساجد ونقيم الصلاة.