Note: English translation is not 100% accurate
خواطر
حضارة الإنسانية - بقلم: د. عجيل النشمي
9 يناير 2015
المصدر : الأنباء
هناك تلازم تاريخي بين الإنسانية والتسامح، وبين احترام العقل والعلم، فحضارة «الأنا» أو الحضارة العرقية والعصبية التي تهين الإنسان فإنها تهين وتحتقر عقله في الوقت ذاته، ومتى أهانت العقل فقد أهانت العلم، وحضارة الإسلام حضارة إنسانية النزعة، الناس فيها سواسية مهما اختلفت أجناسهم، وأنسابهم، ومواطنهم، بل وعقائدهم: (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (الحجرات)، (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي...) (البقرة).
ولقد ذاق الناس في ظل إنسانية الحضارة الإسلامية طعم المساواة، والحرية، والعدل، على اختلاف عقائدهم، كما لم تذق البشرية هذا الطعم في حضارة سابقة او لاحقة.
إن نجاح الحضارة بمقدار ما تحققه من سعادة البشر، وهذا ما لم يتحقق في حضارات الأرض المصنوعة مبادئها وأخلاقياتها من أربابها وبمقاييس بشرية، لا تعدو المادة، وقد تغلبها الأهواء بل هي غالبة حتما.
ولا أدل على ذلك من حضارة الناس اليوم، فقد بلغ شأن الإنسان فيها مبلغا عظيما، وتيسرت له وسائل العيش والترف والرفاه بما لم يتيسر لغيره، او تبلغه حضارة من قبل، ومع هذا فإن السعادة بعيدة المنال، بل تكاد العلاقة ان تكون عكسية، اذ كلما زاد الرخاء والترف وبلغ الإنسان من إنجاز المخترعات ما يحير العقول، ووصل الى أعلى درجات الدقة والإتقان زاد معه اضطراب النفس والقلق، حتى غدت هذه أمراضا مستعصية، تقام لها المستشفيات المتخصصة، وتدرس من أجلها علوم خاصة بها، بل أصبحت الآلام النفسية والأمراض السارية من أكبر ما يواجه الدول، حتى صعب على كثير من الدول أن تتابع إحصائيات حوادث الانتحار، وانتشار الجرائم المنظمة وغير المنظمة، وما الى ذلك.
وحينما نقول: إن الدين منقذ الحضارة، وإن الدين منقذ العلم والعقل، وحاميهما من الانحراف، وانه نمير الحياة والسعادة الحقيقية، ربما يستبعد البعض ذلك، وقد نعجز ان نبرهن له من وقائع الحضارة ـ سوى الإسلام ـ فإن وقائع الأحوال دليل شاخص يصعب إنكاره، فحضارة اليوم قامت على التضاد بين الدين والعلم، ولكن حضارة الإسلام خير شاهد على ان العلم بحاجة الى الدين، بحاجة الى أخلاق ربانية، تسمو بالعقل، وتمزج بين الدين والعلم، لتحقق بهما سعادة الإنسان في دنياه وأخراه.
وإن واقع الحضارة الإسلامية مما يجب الاطلاع عليه ودراسته، فالتاريخ خير معين على المستقبل، تستدرك فيه الأخطاء، وتعزز فيه الفوائد والإنجازات.
وحضارة الإسلام ـ مذ وجدت ـ تعنى بالإنسان، والحفاظ على جنسه، وحماية عقله، وتطوير علمه، غير ناظرة لجنس او لون، بل إنسانية شاملة.
ذكر ابن عساكر في سيرة ابن فاتك الذي شهد فتح دمشق انه تولى قسمة الأماكن بين أهلها بعد الفتح. فكان يترك الرومي في العلو، ويترك المسلم في أسفل، لئلا يضر بالذمي، أهذا عمل من يسيء إلى من يخالفه؟!
ولما جمع هرقل صاحب الروم جموعه للمسلمين ردوا على أهل حمص من الروم ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم، والدفع عنكم، فأنتم على أمركم، فقال أهل حمص: لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغش، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم.
ويمر عمر بن الخطاب بباب قوم وعليه سائل يسأل، وإذ به شيخ كبير، ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه، وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي. قال: فما ألجأك إلى ما أرى. قال: أسأل الجزية، والحاجة، والسن. فأخذ عمر بيده، وذهب به إلى منزله، فرضخ له بشيء مما في المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه، أن أكلنا شيبته ثم نخذله عند الهرم (إنما الصدقات للفقراء والمساكين...) (التوبة). والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه.
وكتب الإمام الأوزاعي إلى صالح بن علي بن عبدالله بن العباس، لما قتل مقاتلة أهل لبنان من أهل الذمة، وأجلى بعضهم لما خرجوا على الخليفة: «لقد كان من إجلاء أهل الذمة من جبل لبنان ممن لم يكن مماثلا لمن خرج على خروجه، ممن قتلت بعضهم، ورددت باقيهم الى قراهم ما قد علمت، فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة، حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم، وحكم الله تعالى: (ألا تزر وازرة وزر أخرى) (النجم: 38)، وهو أحق ما وقف عنده واقتدى به وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قال: «من ظلم معاهدا وكلفه فوق طاقته فأنا حجيجه يوم القيامة».
ونص القرافي وابن حزم على ان من حق حماية أهل ذمتنا إذا تعرض الحربيون لبلادنا، وقصدوهم في جوارنا: أن نموت في الدفاع عنهم، وكل تفريط في ذلك يكون إهمالا لحقوق الذمة.
ويقول القرافي: «إن من واجب المسلم للذميين الرفق بضعفائهم، وسد خلة فقرائهم، وإطعام جائعهم، وإلباس عاريهم، ومخاطبتهم بلين القول، واحتمال أذى الجار منهم، مع القدرة على الدفع، رفقا بهم، لا خوفا، ولا تعظيما، وإخلاص النصح لهم في جميع أمورهم، ودفع من تعرض لإيذائهم، وصون أموالهم، وعيالهم، وأعراضهم، وجميع حقوقهم، ومصالحهم، وأن يفعل معهم كل ما يحسن بكريم الأخلاق أن يفعله».
ولما تغلب المسلمون على التتر في الشام خاطب ابن تيمية قطلوا شاه في إطلاق الأسرى، فسمح له بالمسلمين، وأبى أن يسمح له بأهل الذمة، فقال له شيخ الإسلام: لابد من افتكاك جميع من معك من اليهود والنصارى والذين هم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيرا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة، فأطلقهم له.
ولا شك ان حسن الطباع، وروح التسامح، ونبل الأخلاق التي تحلى بها المسلمون في ريادتهم للحضارة الدينية كانت العون الأكبر على سمو الحضارة الإسلامية في كل البلاد التي فتحها المسلمون، وعاش الناس حياتهم، سعادة وهناء.
ففي الأندلس يقول المستشرق استانلي لين بول: «لم تنعم الأندلس طول تاريخها بحكم رحيم، عادل، كما نعمت به في أيام الفاتحين العرب».
ويقول غوستاف لوبون: «كان العرب يفوقون النصارى كثيرا في الأخلاق والعلوم والصناعات، وكان من طبائع العرب: الكرم، والإخلاص، والرحمة، مما لا نراه في غيرهم، وكان من طبائعهم: النبل، والوقار، والعزة، مما كان يؤدي الإفراط فيه الى المبارزة والشحناء».
ولم تكن أخلاق المسلمين الحضارية فترة عارضة، ولا حالة فردية، بل كانت سيرة أصيلة عامة، في عهد الخلافة الإسلامية، وما شذ عنها فحالات نادرة لا يقاس عليها، ولا يحكم بناء عليها، وفي هذا يقول «ول ديورانت»: «إن قيام الحضارة الإسلامية واضمحلالها لمن الظواهر الكبرى في التاريخ. لقد ظل الإسلام خمسة قرون من عام 700 إلى عام 1200م يتزعم العالم في القوة، والنظام، وبسطة الملك، وجميل الطباع والأخلاق، وفي ارتفاع مستوى الحياة، وفي التشريع الإنساني الرحيم، والتسامح الديني، والآداب، والبحث العلمي، والعلوم، والطب والفلسفة، وفي العمارة...».