رأينا في بعض وسائل الإعلام من يصلي الصلاة جماعة في صفوف متباعدة، والذي يظهر من النصوص عدم جواز ذلك.
فقد جاء الأمر في الأحاديث النبوية الكثيرة، بإقامة الصلاة برص الصفوف، وسد الفُرج، وإتمام الصف الأول فالأول، وعدم ترك فرجات وفواصل بين المصلين، والدعاء على من فعل ذلك بالقطع من الخير، فمنها:
٭ فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال:«يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف» (رواه مسلم).
ومعنى التراص المأمور به في تسوية الصفوف أن يلتصق بعضهم ببعض، حتى لا يكون بينهم خلل، ومنه قول الله عز وجل: (كأنهم بنيان مرصوص ـ الصف: 4)، انتهى من الأوسط لابن المنذر (4/2019).
فيتلخص مما سبق من الأحاديث: الأمر بتسوية الصفوف، وتشديد النبي صلى الله عليه وسلم في أمرها، وهو يدل على الوجوب، والدعاء على من خالف في ذلك، وهو يدل على حرمة الفعل.
وكذا عدم صحة صلاة المنفرد خلف الصف وحده، كما هو ظاهر الأحاديث النبوية.
من كلام العلماء في هذا الباب
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: «فإن صلاة الجماعة سميت جماعة: لاجتماع المصلين في الفعل مكانا وزمانا.. بل قد أمروا بالاصطفاف، بل أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بتقويم الصفوف وتعديلها، وتراص الصفوف، وسد الخلل وسد الأول فالأول، كل ذلك مبالغة في تحقيق اجتماعهم على أحسن وجه بحسب الإمكان، ولو لم يكن الاصطفاف واجبا، لجاز أن يقف واحد خلف واحد، وهلم جرا! وهذا مما يعلم كل أحد علما عاما، أن هذه ليست صلاة المسلمين، ولو كان هذا مما يجوز لفعله المسلمون ولو مرة... فقياس الأصول يقتضي وجوب الاصطفاف» انتهى (من مجموع الفتاوى 23/394).
٭ ونحوه قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، يقول الشيخ: ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة: وجوب تسوية الصف، وان الجماعة إذا لم يسووا الصف فهم آثمون، وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
لكن إذا خالفوا فلم يسووا الصف فهل تبطل صلاتهم، لأنهم تركوا أمرا واجبا؟
الجواب: فيه احتمال، قد يقال: إنها تبطل، لأنهم تركوا الواجب. ولكن احتمال عدم البطلان مع الإثم أقوى، لأن التسوية واجبة للصلاة، لا واجبة فيها، يعني أنها خارج عن هيئتها، والواجب للصلاة يأثم الإنسان بتركه، ولا تبطل الصلاة به، كالأذان مثلا، فإنه واجب للصلاة، ولا تبطل الصلاة بتركه» (انتهى من الشرح الممتع 3/10).
٭ كما أن من يصلي بصفوف مقطعة، مفرقة، قد ترك الرخصة التي وردت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة في الرحال والبيوت عند العذر والحاجة، ووقع في المخالفات السابقة، وفيها معاص متعددة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من التكلف والتنطع الذي نهينا عنه.
والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
محمد حمد الحمود النجدي