ليلى الشافعي
فيروس كورونا هل سيغير نظرة العالم في قضاياه الاقتصادية والعلاقات الدولية؟ كيف ستكون الحياة بعد هذا الوباء؟ كيف ستكون العلاقة بين الاقتصاد والأخلاق؟
هذا ما يحدثنا عنه العميد السابق لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية د.عجيل النشمي.
يقول د.النشمي: مازال العالم في مرحلة البحث عن علاج ودواء لهذا الفيروس ولأول مرة يعيش العالم حالة وظروفا واحدة ويواجه حدثا واحدا وهو فيروس كورونا، لقد أوقف هذا العدو الذي لا يرى بالعين المجردة، معظم المصانع في الدول الصناعية وأفلس كثيرا من الشركات على مستوى العالم وبخاصة الشركات العالمية، وهناك شركات دولية كبيرة ومخاطر تهدد العالم تنبأ بها المحللون السياسيون والاجتماعيون وأخطرها قضية الاحتباس الحراري، وهي قضية عالمية تتحمل مسؤوليتها الدول الكبرى، ولكن آثارها مدمرة لدول العالم كله.
والقضية الثانية التخوف من تزايد الحرب النووية والتسارع فيها بين الدول الكبرى خاصة العلاقات الدولية والعدالة.
قضية مهمة
وقال د.النشمي هناك قضية مهمة قد لا تعيرها الدول الكبرى أهمية، هذه القضية ستظهر على السطح العالمي بعد هذا الوباء هي طبيعة العلاقات بين الدول وخاصة الدول الغربية والإسلامية والدول عامة في علاقاتها مع الدول الكبرى التي تتحكم بمقدرات الشعوب، وتصنف العالم الى دول عظمى ودول نامية او فقيرة، وإن هذه الاخيرة مستغلة لتزويد الدول العظمى بالمواد الأولية، وتعتبر سوقا تسويقيا تجاريا لتلك الدول العظمى وتمدها بالمواد الأولية، وتقوم هذه الدول بشكل أو بآخر بمنع هذه الدول الاخرى من تملك اسباب واسرار الصناعات وليس هذا فحسب، بل ان هذه الدول العظمى تمنع غيرها من هذه الدول من نيل حقوقها العادلة، والمثال الصارخ على الظلم هو ما اسموه (الفيتو) وهو حق خالص ادعوه لأنفسهم وهي خمس دول من بين دول العالم كله، تستطيع اي من هذه الدول الخمس وقف ورفض اي قرار لا ترتضيه، ولو كان حقا عادلا واضحا وهذا بلا شك مطلق الظلم العالمي وهو ما ضيع حقوقا كثيرة عادلة للشعوب والدول، وأضر ذلك الظلم القضية الفلسطينية.
لا بد ان يعاد النظر في العلاقات بين الدول وقيام الدول العربية والإسلامية خاصة بتوحيد جهودها مع الدول الاخرى لقيام سياسة عادلة في العلاقات الانسانية والدولية، والاسلام هو الدين الذي يقيم علاقات الناس على العدل والمساواة حقا، وحقيقة لا نظرية، قال تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)، هذا هو ميزان العدل والعلاقات العادلة بين البشر وبين غيرها من الدول.
الاقتصاد والأخلاق
وتطرق د.النشمي الى قضية مهمة اظهرها بشكل واضح هذا الوباء العالمي، فقد كشف عن ان ميزان الدول الرأسمالية خاصة، تقوم على الاقتصاد اولا والأخلاق اخيرا او بمعنى آخر المهم عجلة الاقتصاد ودورانها دون توقف وأنه مقدم على حياة البشر. وقال د.النشمي اننا نتذكر انفلونزا الخنازير عام 2009 فقد تم اكتشاف وتصنيع المضاد والعلاج بشكل سريع، وإنقاذ أرواح الآلاف من البشر، لأن هذا المرض لا علاقة له بدوران عجلة الاقتصاد، فلم تتوقف المصانع الكبرى يومئذ أو أسواق المال والبورصات، بينما الحسابات في فيروس كورونا شيء آخر، فقد كان فيروس كورونا شرسا هدد عجلة ودوران المصانع وأوقفها فعلا، وكذلك هدد البورصات العالمية، وكان المفترض المسارعة إلى علاجه وإيجاد المضاد بشكل سريع، ولكن الذي حدث ان الدول الكبرى وخاصة الأوروبية وأميركا تباطأت عمدا في العلاج لأن العمل على اكتشاف العلاج سوف يأخذ وقتا طويلا ستتوقف معه المصانع والإنتاج الرأسمالي، وتتوقف حركة المال وسوق المال، فكان خيار هذه الدول ان تستمر المصانع وعجلة الاقتصاد ولو انتشر هذا الوباء، وحصد حياة البشر وهو ما سموه سياسة (مناعة القطيع) وهو ان ينتشر الوباء ويقتل الآلاف بل الملايين فسوف تكون نتيجته حصانة ذاتية للشعوب وفي الوقت ذاته لن تتوقف حركة الاقتصاد وجباية المال، وقال خبراؤهم ان 70% من الشعب فقط سيصابون وان مليونا سيموتون على سبيل المثال في انجلترا - وهذه سياسة مناعة القطيع التي صرح بها مستشار الدولة البريطانية وغيره وهي فلسفة رأسمالية يقدم فيها الاقتصاد على الاخلاق، وهي نظرة بلا شك غير إنسانية قطعا، الإسلام يرفض هذه السياسة ويرفض هذا التفكير المادي اللاإنساني فإن النفوس محترمة ومكرمة ومتكافئة قال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم) أي تكريم جنس البشر، مسلما، او غير مسلم، والإسلام يعتبر حفظ النفوس مقدما على كل شيء مادي من مال او تجارة فهو مقدم على المال وهو احد اهم مكونات الحياة وهي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
والترابط بين الاتحاد الأوروبي اشتكت منه بريطانيا بان الاتحاد الاوروبي لم يقدم شيئا، وعندما طلبت صربيا معونة رفضوا وحوادث كثيرة تكشف عن الحاجة الماسة لعلاقات دولية فيما بعد هذا الوباء.
مشاكل نفسية
وأوضح د.النشمي ان هناك آثارا ستظهر للعالم كله في الجانب النفسي ويؤكد ذلك علماء النفس. وأكد أن الذي يملك أن يقدم للبشرية النظام العادل هو الإسلام بلا ريب (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). العالم كله محتاج إلى رحمة الإسلام، المسلمون مرجعهم كتاب الله والسنة، لذا لم يفاجأوا بالحدث لأن ديننا بين ان هناك احداثا جساما مثل هذه الأوبئة التي قد تظهر، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم بهبأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه»، وهذا الحجر الصحي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس من رجل يقع الطاعون فيمكث في بيته صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد»، وهو بشارة لكل من يجلس في بيته وينفذ تعليمات السلطة وكذلك في نفس الوقت له اجر الشهيد، سواء أصيب أو لم يصب، مع الاخذ بالاحتياطات بعدم المصافحة وعدم الاختلاط وما اشبه ذلك، لذا النبي صلى الله عليه وسلم شرع لنا الا نتصافح ولا نقترب مما اصيب بالوباء، فقد جاء وفد من ثقيف بينهم رجل مجذوم فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم إنا قد بايعناك فارجع.
دين الطهارة
وقال د.النشمي: ديننا علمنا النظافة وقد هذب الإسلام المسلمين وعلمهم وأوجب الطهارة والنظافة عليهم فالصلاة لا تقبل من المسلم إلا أن يكون طاهرا (يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنباً فاطهروا....)، ففي الوضوء وفي الغسل وفي الطهارة وقاية من المرض، فمن حقق في المرض قال ان المضمضة بين كل صلاة وصلاة لا تجعل الحياة للفيروس وهذا كله من الاستنشاق والمضمضة والغسل أوجبه علينا الاسلام.
دين الرحمة
وأشار الى ان تعاليم الدين الاسلامي تحتاج اليها البشرية كلها فالإسلام دين الرحمة والمسامحة والعدالة الحقيقية وليست المساواة بما يسمى بالإخاء الصوري وفي الحقيقة لا نجد المساواة ولا الاخاء الذي يدعونه. وقال د.النشمي: نحن نحتاج لان نعيد العلاقات بشكل جيد، فالدول الاسلامية دول غنية، ينبغي ان تقوم بكل ما تحتاج اليه، ففي الجانب الزراعي نقوم بالتصنيع المحلي ونطوره لينافس السوق العالمي، ينبغي ان نعمل بكل ما نستطيع بأنفسنا، فالحياة بعد الوباء تحتاج الى جهود دول فقد رأينا عندما اجتمعت الجهود الاجتماعية وجمعيات النفع العام والجمعيات الخيرية في موازاة الحكومة استطعنا ان نقلص من هذا الوباء الذي تشافت منه نسبة كبيرة، وها نحن نحتاج لاان نستمر في هذا التكاتف الاجتماعي بين الجهود الاجتماعية الفردية وجهد الدولة. نسأل الله العلي العظيم ان نخرج من هذا الوباء بفوائد تنفع البلاد والعباد.