Note: English translation is not 100% accurate
الحمود: سمو الأمير بحسبانه رئيساً للدولة يقدر درجة الخطر ومدى الحاجة لاستخدام المادة 71 من الدستور وعلى «الدستورية» مراعاة تقدير حالة الضرورة
12 يونيو 2013
المصدر : الأنباء

د.إبراهيم الحمود كلية الحقوق ـ جامعة الكويت
من اللازم على المحكمة الدستورية أن تبين أن المرسوم بقانون الصوت الواحد كان الخيار الوحيد لمواجهة الخطر الحال الذي لا يمكن دفعه الا بصدوره وذلك لأن الدستور نظم السلطات العامة وحدد اختصاصات كل سلطة وعهد إليها أداء دورها
المحكمة الدستورية وهي تراقب حالة الضرورة وتحققها عليها مراعاة السلطة التقديرية لسمو الأميرأصدر د. ابراهيم الحمود قراءة استباقية في حكم المحكمة الدستورية عن المرسوم بقانون في شأن الصوت الواحد جاء فيها:
قد يرى بعض الفقهاء أن تقرير وجود حالة الضرورة أو عدم وجودها هي مسألة بيد السلطة التنفيذية تقدرها تحت رقابة البرلمان، أي انها مسألة تقديرية بحسب الظروف والملابسات لكل حالة على حدة وليس هناك من مقياس عام للتحقق من قيام حالة الضرورة.
ويمكن تبرير الاكتفاء بالرقابة البرلمانية على تقدير حالة الضرورة بأن الدستور قد ألزم عرض مراسيم الضرورة على مجلس الأمة خلال خمسة عشر يوما من تاريخ صدورها إذا كان المجلس قائما، وفي أول اجتماع له في حالة الحل أو انتهاء الفصل التشريعي.
ومن ثم، بحسب هذا التبرير، إذا كانت ثمة سلطة تستطيع رقابة السلطة التنفيذية في تقدير ما إذا كانت الظروف تستدعي استعمال حقها في استصدار مراسيم الضرورة وكانت هذه السلطة هي السلطة التشريعية أي مجلس الأمة فلا سبيل لتدخل القضاء في الرقابة بحسبان وجود رقابة أصلا قد نظمها الدستور.
وقد ذهب القضاء الإداري المصري بحكمه بتاريخ 23 ديسمبر 1954 إلى القول بأن «قيام الضرورة الملجئة لإصدار المراسيم بقانون من السلطة التنفيذية فيما بين دوري الانعقاد عملا بنص المادة «41» من دستور 1923 أمر للسلطة التنفيذية تقدره تحت رقابة البرلمان بحسب الظروف والملابسات القائمة في كل حالة، وليست هناك مقاييس منضبطة للتحقق من قيام تلك الضرورةـ «1».
وتأكيدا لموقف القضاء الإداري المصري ذهب القضاء العادي إلى القول بأنه «إذا كانت ثمة سلطة تستطيع مراقبة السلطة التنفيذية في تقدير ما إذا كانت الظروف القائمة تستدعى استعمال حقها في استصدار مراسيم فيما بين أدوار الانعقاد فلن تكون هذه السلطة سوى البرلمان......» ـ «2».
1-القضية رقم 1807لسنة 6ق،المجموعة لسنة 9، ص117.
2-حكم جنايات إسكندرية بتاريخ 23/3/1950.
إن الرأي القائل باقتصار الرقابة السياسية فقط على مراسيم الضرورة لم يلاق استحسان الفقه والقضاء، فقد عدل القضاء موقفه واخضع هذه المراسيم لرقابته بحسبانها قبل كل شيء، أعمال قانونية بحتة فهي ليست بأعمال سيادة أو قرارات تصدرها الحكومة ببواعث سياسية وبحسبانها سلطة حكم وإنما هي قرارات إدارية بالمفهوم الواسع تخضع لرقابة القضاء، ففي حكم محكمة القضاء الإداري المصري بتاريخ 21/6/1952 ذهبت المحكمة إلى القول بأنه «لا حجة فيما تقوله الحكومة من أن الرقابة على المرسوم بقانون هي رقابة سياسية أو برلمانية لا مكان معها لرقابة قضائية، فالرقابة البرلمانية لا تمنع من الرقابة القضائية ولكل من هاتين الرقابتين طبيعتها ومجالها وأثرها....فالرقابة البرلمانية رقابة ملاءمة مردها إلى السلطة التقديرية للمشرع وأثرها سقوط المرسوم بقانون من وقت عدم إقراره، أما الرقابة القضائية فرقابة شرعية وأثرها زوال المرسوم بقانون منسحبا هذا الزوال إلى يوم صدوره».
والسؤال الذي يطرح نفسه ماذا بعد صدور مرسوم الضرورة بتعديل عدد الأصوات لكل ناخب. فهل ستبسط المحكمة الدستورية رقابتها وما هي حدود هذه الرقابة من ناحية وما هي الآثار التي سوف تترتب على حكم المحكمة الدستورية من ناحية ثانية.
إن مرسوم الضرورة وفقا لنص المادة «71» من الدستور تضمن تعديل آلية وعدد الأصوات لكل ناخب فهل تراقبه المحكمة الدستورية بمعنى هل ستراقب المحكمة الدستورية توافر حالة الضرورة وهل ستراقب آثار الضرورة ومدى اعتبارها لازمة لاتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير هي مناط التعديل لقانون تحديد عدد أصوات الناخبين في كل دائرة.
أولا: مدى الرقابة الدستورية لمرسوم الضرورة.
ان الإجابة تقتضي التمييز بين أربعة فروض هي أولها رقابة المحكمة الدستورية لمرسوم الضرورة بتوافر شرط الضرورة من عدمه وثانيها مراقبة مدى اعتبار الضرورة لازمة وملجئة لاتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير وثالثها سلطة المحكمة الدستورية في الرقابة قبل عرض مراسيم الضرورة على مجلس الأمة القادم ورابعها رقابة مجلس الأمة على مراسيم الضرورة بعد عرضها على مجلس الأمة وإقرارها من قبل المجلس الجديد.
1-الرقابة الدستورية على توافر شرط الضرورة.
لقد بينت المادة «71» ان مراسيم الضرورة لا يمكن اللجوء إليها إلا عندما يكون مجلس الأمة غير منعقد أي فيما بين أدوار انعقاد مجلس الأمة أو في فترة حله، والمحكمة تراقب ذلك باعتباره شرطا مقترضا لابد منه فلا يمكن أن تلجأ السلطة التنفيذية إلى مراسيم الضرورة والمجلس في حالة انعقاد فيكون صدور مرسوم ضرورة في حالة انعقاد مجلس الأمة باطلا لمخالفته نص المادة «71» من الدستور.
وفي وجود شرط الضرورة اللازم للجوء لمراسيم الضرورة فإننا نرى بسط المحكمة الدستورية رقابتها عليه باعتبار وجود حالة الضرورة ضابطا جوهريا لممارسة السلطة التنفيذية لاختصاص تشريعي استثنائي هو بحسب الظروف العادية محجوز لمجلس الأمة دون سواه. ان الضرورة وهي ظرف استثنائي تعتبر علة ومناط ممارسة السلطة التنفيذية لرخصة إصدار مراسيم لها قوة القانون أي قرارات إدارية تدخل في حقل التشريع فتلغى وتعدل وتنشئ قوانين فيما عدا مخالفة قانون الميزانية العامة للدولة.
وعلى ذلك فإن القاضي الدستوري يراقب تحقق حالة الضرورة وقيامها، وهذه مسألة واقع يمكن إثباتها أو دحضها من خلال المستندات وواقع الظروف والأحوال. ولا مندوحة في أن الدستور الكويتي في المادة «173» منه قد أعطى للمحكمة الدستورية اختصاص مراقبة دستورية القوانين والمراسيم بقوانين واللوائح ولذا كان خضوع مراسيم الضرورة للرقابة الدستورية أمر لا مفر منه بحسبان شرط الضرورة وقيام حالة الضرورة شرط لممارسة السلطة التنفيذية لهذا الاختصاص التشريعي الاستثنائي ومن ثم تمتد اليه رقابة المحكمة الدستورية للتحقق من قيامه باعتباره ضابطا جوهريا رئيسيا منصوصا عليه في الدستور لممارسة ما نص عليه من سلطات. وإذا كانت المحكمة الدستورية تستمد اختصاصها من الدستور في الرقابة على المراسيم بقوانين ومنها مراسيم الضرورة فإن رقابتها تستطيل حتما لرقابة تحقق دوافعه وقيام أسبابه باعتبارهما من الضوابط المقررة في الدستور لممارسة ما نص عليه من سلطات.
ولقد ذهبت المحكمة الدستورية العليا في مصر إلى التأكيد على أنه:
«........المستفاد من هذا النص الدستوري «147» أن الدستور وان جعل لرئيس الجمهورية اختصاصا في إصدار قرارات لها قوة القانون في غيبة مجلس الشعب، إلا انه رسم لهذا الاختصاص الاستثنائي حدودا ضيقة تفرضها طبيعته الاستثنائية، منها ما يتعلق بشروط ممارسته ومنها ما يتصل بمآل ما قد يصدر من قرارات استنادا اليه، فأوجب لأعمال رخصة التشريع الاستثنائية أن يكون مجلس الشعب غائبا وان تتهيأ خلال هذه الغيبة ظروف تتوافر بها حالة تسوغ لرئيس الجمهورية سرعة مواجهتها بتدابير لا تحتمل التأخير إلى حين انعقاد مجلس الشعب باعتبار أن تلك الظروف هي مناط هذه الرخصة وعلة تقريرها. وإذا كان الدستور يتطلب هذين الشرطين لممارسة ذلك الاختصاص التشريعي الاستثنائي، فإن رقابة المحكمة الدستورية العليا تمتد إليهما للتحقق من قيامهما باعتبارهما من الضوابط المقررة في الدستور لممارسة ما نص عليه من سلطات».
2-رقابة المحكمة الدستورية على مرسوم الضرورة باعتباره التدبير اللازم. وإذا كانت المحكمة الدستورية تراقب الضرورة كحالة واقعية باعتبارها مناط رخصة مراسيم الضرورة وعلة تقريرها فإنها تراقب في رأينا كذلك مرسوم الضرورة فيما إذا كان هو الإجراء اللازم والوحيد لمواجهة ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير. فالمحكمة وهي تراقب مرسوم الضرورة توازن بين مدى الحاجة لتدخل السلطة التنفيذية في مجال الاختصاص التشريعي بمرسوم ضرورة خلال غيبة مجلس الأمة وبين ما إذا كان تدخلها لم يكن مبررا ولا تستلزمه الظروف ويمكن أن يتأخر وليس من شأنه أن يمنع تدارك آثار سلبية قد تقع أو وقعت تستدعي الإسراع لمواجهتها به.
فإذا كانت الأسباب تفيد بأنه لم يطرأ خلال غيبة مجلس الأمة ظرف يمكن أن تتوافر معه تلك الحالة التي تحل بها رخصة التشريع الاستثنائية التي خولها الدستور للسلطة التنفيذية في المادة «71» من الدستور فإن مرسوم الضرورة يكون مخالفا للدستور. فمما لا شك فيه، أن الظروف الاستثنائية هي تلك التي تقوم بها حالات طارئة تستوجب سرعة المواجهة لمنع وقوعها أو تفادي آثارها بشكل لا يحتمل الانتظار لحين عودة مجلس الأمة من غيبته، ومما يدلل على أهمية التدبير ووجوب سرعة مواجهته عدم إمكانية انتظار السلطة التنفيذية عودة المجلس التشريعي من إجازته إذا كان الظرف الاستثنائي قد قام بين أدوار الانعقاد، بل ان حالة الاستعجال يجب أن تكون من الواجب بمكان مواجهتها بالتدابير اللازمة لعدم إمكانية حتى اللجوء لنص المادة «88» من الدستور والتي تعطى للأمير الحق في دعوة مجلس الأمة بمرسوم لاجتماع غير عادي.
ونحن نرى أن تقرير حالة الضرورة ليست عملا من أعمال السيادة إذا ما تم تقديرها وفقا لنص المادة «71» من الدستور، بل هي شرط وعلة اللجوء لاستخدام الترخيص الدستوري لممارسة السلطة التنفيذية سلطة التشريع الاستثنائية وفي حقيقة الأمر والواقع قد اتجهت المحكمة الدستورية في الكويت إلى غير ذلك معتبرة حالة الضرورة شرطا سياسيا لا قانونيا ففي حكم لجنة فحص الطعون رقم
2/1982 دستوري بتاريخ 28/6/1982 قررت المحكمة (..أما حالة الضرورة الموجبة للتشريع الاستثنائي فهي شرط سياسي لا قانوني وهي بذلك تدخل في نطاق العمل السياسي الذي ينفرد رئيس الدولة بتقديره، وإذا كانت الرقابة على العمل السياسي متروكة أصلا للسلطة التشريعية دون القضائية في الأحوال العادية ـ ولا تدخل فيها الحالة المطروحة ـ إلا أن القانون المطعون فيه وقد عرض على مجلس الأمة فأقره فإنما يكون قد أقر أيضا حالة الضرورة المبررة لإصداره، يضاف إلى كل ذلك أن الأمر الأميري موضوع الطعن قد صدر في 5/9/1976 اي في الوقت الذي لم يكن مجلس الوزراء قائما، حيث إن مرسوم تشكيل الوزارة لم يصدر إلا في 6/9/1976 وحلف أعضاؤها اليمين الدستورية بعد ذلك وتم نشر المرسوم المذكور في الجريدة الرسمية «الكويت اليوم» بتاريخ 12/9/1976 في العدد 1099، مما يجعل الضرورة بإصدار التشريع أمرا يعود تقديره للأمير وحده وبالأداة التي يراها). ومما لا شك فيه انه إذا كان ممكنا تبني وجهة نظر المحكمة الدستورية في الحكم المشار اليه أعلاه، بحسبانها تنظر للأمر الأميري بحل مجلس الأمة لعام 1976 في ظل قيام نظرية السلطة الفعلية «1» فإننا نرى أنه في مجال عدم تحقق هذا المفهوم اي في خلال عدم تعطيل الحياة النيابية وفي ظل وجود الدستور الكويتي دون تعطيل أو إلغاء، فإن تقرير حالة الضرورة ومداها ليست بأعمال سيادة بحال من الأحوال لأن الدستور يكون قائما وتتفاعل أحكامه وحدودها.
فلا مشاحة في أن تقدير حالة الضرورة ليست مسألة سياسية في ظل قيام الدستور 1963 اي في الحالة القائمة الآن على خلاف حالة تعطيل أحكامه كما كان في الأمر الأميري بتاريخ 5/9/1976 بتعطيل الحياة النيابية فلجوء السلطة التنفيذية لأحكام المادة «71» من الدستور بإصدار مراسيم الضرورة وبجعلها ملتزمة بأحكامه باعتبار هذه المراسيم أعمال قانونية إدارية لا أعمال سياسية من اطلاقات الإدارة ومن ثم تخضع لرقابة القضاء في تحري توافر شرط الضرورة من ناحية ومدى لازميته لاتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير من ناحية ثانية.
وقد أكد القضاء الدستوري في مصر ذلك، فذهبت المحكمة الدستورية العليا إلى انه (.....ذلك انه وان كان لرئيس الجمهورية سلطة التشريع الاستثنائية طبقا للمادة المشار إليها وفق ما تمليه المخاطر المترتبة على قيام ظروف طارئة تستوجب سرعة المواجهة وذلك تحت رقابة مجلس الشعب، إلا أن ذلك لا يعني إطلاق هذه السلطة في إصدار قرارات بقوانين دون التقيد بالحدود والضوابط التي نص عليها الدستور والتي سبق أن استظهرتها المحكمة ومن بينها اشتراط أن يطرأ في غيبة مجلس الشعب ظرف من شأنه توافر الحالة الداعية لاستعمال رخصة التشريع الاستثنائية وهو ما لم تكن له قائمة بالنسبة للقرار بقانون المطعون عليه، الأمر الذي يحتم إخضاعه ما تتولاه هذه المحكمة من رقابة دستورية).
(1) د.إبراهيم الحمود، الآثار المترتبة على رفض مجلس الأمة للمرسوم بالقانون رقم 35/1990 الصادر في فترة تعطيل الحياة النيابية، مجلة الحقوق، السنة الثامنة عشرة العدد الثالث سبتمبر 1994، ص551 وما بعدها.
3 ـ رقابة المحكمة الدستورية على المراسيم بقوانين قبل إقرارها من مجلس الأمة
ان مراسيم الضرورة قبل إقرارها من مجلس الأمة تعتبر لوائح ضرورة ولكنها تدخل في مجال التشريع، اي أن لها قوة القوانين فتستطيع أن تعدل أو تلغي اي قانون قائم ولها أن تنشئ ما تشاء من القواعد العامة المجردة وتعمل كل ما تعمله القوانين فيما عدا مخالفة قانون الميزانية العامة للدولة وقانون توارث الإمارة بحسبانه من القوانين التي اشترط الدستور في المادة (4) لتعديله أن يكون بالطريقة المقررة لتعديل الدستور بحسبانه ذا صفة دستورية، وكذلك لا يمكن لمراسيم الضرورة أن تكون مخالفة للدستور وفقا لصريح نص المادة (71) من الدستور وللمحكمة الدستورية أن تراقبه وفقا لنص المادة (173) من الدستور التي أنشأت اختصاص المحكمة في الفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين والمراسيم بقوانين واللوائح.
ان المحكمة الدستورية لها أن تراقب في هذه الأثناء مدى توافر شرط الضرورة ومدى اعتبار الضرورة تستوجب قيام المرسوم بالقانون للإسراع باتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير من ناحية، كما أنها تراقب مراسيم الضرورة في مدى توافقها مع أحكام الدستور وتحكم بعدم دستوريتها عند مخالفته أو مخالفة التقديرات المالية الواردة في قانون الميزانية من ناحية ثانية. وقد تحدث هذه الرقابة قبل إقرار مجلس الأمة للمراسيم بقوانين الضرورة بحسبان أن الدستور في المادة (71) وان اشترط عرض هذه المراسيم على مجلس الأمة خلال خمسة عشر يوما من تاريخ صدورها، إذا كان المجلس قائما وفي أول اجتماع له في حالة الحل أو انتهاء الفصل التشريعي، إلا انه لم يحدد مدة معينة يجب أن يبت خلالها مجلس الأمة في المرسوم بقانون المعروض عليه ومن ثم فإن خلال هذه المدة اي بين عرض مراسيم الضرورة على مجلس الأمة وبين إقرارها فإنه تخضع لرقابة المحكمة الدستورية وللمحكمة هنا بل عليها أن تراقب توافر شرط الضرورة ومدى اعتباره من الجسامة بمكان بحيث لا يمكن تدارك آثاره إلا باللجوء اي مراسيم الضرورة واعمالها.
4 ـ الرقابة على مراسيم الضرورة بعد إقرارها من مجلس الأمة
هل موافقة مجلس الأمة على مرسوم الضرورة من شأنها أن تطهره من عيب شابه أثناء صدوره كغياب حالة الضرورة او اعتبار تلك الضرورة ليست ملجأه ولا تستوجب الإسراع باتخاذ تدابير لابد منها ولا يمكن تأجيل اللجوء إلى المرسوم بقانون لحين انعقاد المجلس وعودته؟
لا شك في أن المرسوم بقانون هو عمل لائحي من أعمال السلطة التنفيذية يدخل في الاختصاص التشريعي الاستثنائي وعرض مرسوم الضرورة على مجلس الأمة وحتى بعد ذلك إقراره لا يعني انقلابه الى عمل تشريعي جديد بل يبقى على وصفة مرسوم بقانون اي عمل لائحي ولا يترتب على عرضه ومن ثم إقراره من قبل مجلس الأمة سوى استمرار نفاذه ولكن بوصفه الذي نشأ عليه محملا بكل مقومات وجوده، وهذا ما تبناه القضاء الدستوري في مصر فقد ذهبت المحكمة الدستورية العليا الى انه (وحيث إنه ـ من ناحية اخرى ـ فإن إقرار مجلس الشعب للقرار بقانون المطعون عليه لا يترتب عليه سوى مجرد استمرار نفاذه بوصفه الذي نشأ عليه كقرار بقانون دون تطهيره من العوار الدستوري الذي لازم صدوره.
كما انه ليس من شأن هذا الإقرار في ذاته أن ينقلب به القرار بقانون المذكور إلى عمل تشريعي جديد يدخل في زمرة القوانين التي يتعين أن يتبع في كيفية اقتراحها والموافقة عليها وإصدارها القواعد والإجراءات التي حددها الدستور في هذا الصدد وإلا ترتب عليها مخالفتها عدم دستورية القانون (1).
ولعل عرض مراسيم الضرورة على المجلس النيابي وموافقة هذا الأخير عليها يطهرها من اي عوار فمجلس الأمة بهذه الموافقة يعتبر وكأنه وافق على المرسوم بقانون كما وافق على اي مشروع من مشروعات القوانين، لا يهم في ذلك مطلقا أن تتوافر حالة الضرورة حين صدورها أم لا تتوافر، ويذهب رأي في الفقه إلى أن الحكم بعدم دستورية مرسوم الضرورة بحجة عدم توافر شرط الضرورة بعد عرض هذا المرسوم على المجلس النيابي وموافقته عليه إنما هو عقاب من قبل المحكمة الدستورية للمشرع ويرى هذا الرأي أنه لا يمكن للمحكمة أن تسقط قانونا أبدى المجلس النيابي إرادته الصريحة في الموافقة عليه وإقرار ما جاء فيه، ويتساءل: ماذا سيكون رأي المحكمة لو أن المجلس جاء بعد حكم المحكمة بعدم دستورية هذا المرسوم بقانون كلائحة من لوائح الضرورة ـ وأقر القانون كاملا في كل نص من نصوصه، فهل ستتعقب المحكمة المجلس في هذه الموافقة الجديدة وتقضي بعدم دستورية القانون مرة أخرى بحسبان القانون قد صدر بكل نصوص مرسوم الضرورة وكأنه تحد سافر لحكم المحكمة؟
فوفقا لهذا الرأي ان إقرار المجلس النيابي للقانون كلائحة من لوائح الضرورة يغطي ما به من عوار اذا كان هذا العوار هو عدم توافر حالة الضرورة عند صدوره، ذلك لأن إقرار المجلس له يغطي هذا العوار تماما والرقابة الوحيدة الممكنة بعد ذلك إنما تنصب على نصوص هذا القانون ذاته ومدى اتفاقها مع أحكام الدستور (2).
ويبدو أن القضاء الدستوري الكويتي يشايع هذا الرأي ويحرص عليه ففي حكم المحكمة الدستورية (لجنة فحص الطعون) في الطعن رقم 2/1982 بجلسة 28/6/1982 ذهبت المحكمة إلى القول بأن (وإذا كانت الرقابة على العمل السياسي متروكة أصلا للسلطة التشريعية دون القضائية في الأحوال العادية إلا أن القانون المطعون فيه وقد عرض على مجلس الأمة فأقره فإنما يكون قد أقر أيضا حالة الضرورة المبررة لإصداره).
(1) حكمها الصادر في الطعن رقم 28 لسنة 2 ق دستورية، جلسة 4/5/1985 المجموعة الرسمية، ج3 ص195.
2) د.مصطفى أبوزيد فهمي، القضاء الإداري ومجلس الدولة، قضاء الإلغاء، دار المطبوعات الجامعية، 1999، ص439 وما بعدها.
ان المحكمة الدستورية الكويتية لا تكتفي باعتبار موافقة المجلس النيابي على المراسيم بقانون كلوائح ضرورة تغطي ما بها من عوار إذا كان هذا العوار هو عدم توافر حالة الضرورة عند صدورها اي أنها لا تكتفي باعتبار إقرار المجلس لها يغطى هذا العوار تماما وإنما ترى أن إقرار مجلس الأمة لمراسيم الضرورة هو إقرار أيضا لوجود حالة الضرورة ودرجتها المبررة لإصدارها. ونحن لا نتفق مع هذا الرأي ونرى عدم صحة ما ذهبت اليه المحكمة الدستورية الكويتية في اعتبار مجرد موافقة مجلس الأمة على المراسيم بقوانين هو موافقة وإقرار لحالة الضرورة المبررة لإصدارها لاسيما في الأحوال العادية اي عند عدم قيام حالة السلطة الفعلية.
يضاف إلى ذلك أن لوائح الضرورة إنما هي قرارات في مجال التشريع وهو استثناء يقدر بقدره وبتوافر شرائطه ومن ثم فإن القول بسقوط الشروط التي يتطلبها الدستور لإصدار لوائح الضرورة بمجرد إقرار مجلس الأمة لها لا يمكن قبوله ذلك أن مراسيم الضرورة تبقى لوائح بهذه الصفة حتى بعد إقرارها من مجلس الأمة ولا تتغير طبيعتها اللائحية ولا تنقلب إلى عمل تشريعي يدخل في زمرة القوانين التي يتعين أن تتبع في كيفية اقتراحها والموافقة عليها وإصدارها القواعد والإجراءات التي حددها الدستور في هذا الصدد وإلا ترتب على مخالفتها عدم دستورية القوانين.
كما أن رقابة المحكمة الدستورية على المراسيم بقوانين منصوص عليها في المادة (173) من الدستور كاختصاص أصيل للمحكمة الدستورية في الرقابة الدستورية ورأينا في معرض هذه الدراسة مفاهيم الضرورة واشتراطات حالتها المبررة للجوء إلى المراسيم بقوانين مما يخضعها للرقابة باعتبار الضرورة علة الاستثناء ومناط دخول السلطة التنفيذية في مجال التشريع الاستثنائي.
ثانيا: الآثار المترتبة على حكم المحكمة الدستورية لمرسوم الصوت الواحد
ان على المحكمة الدستورية وجوب بيان الموضوع الموجب لصدور مرسوم الضرورة لتبريره او لرفضه.
1- حالات الضرورة الموجبة.
لم تحدد المادة 71 من الدستور الموضوعات التي يمكن ان تبرر اللجوء لمراسيم الضرورة كما فعلت التشريعات الدستورية المقارنة كالمادة 74 من الدستور المصري لسنة 1971 الملغى.
فهذه المادة نصت على انه «لرئيس الجمهورية اذا قام خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري أن يتخذ الاجراءات السريعة لمواجهه هذا الخطر».
أما المادة 71 من الدستور الكويتي فانها أتت عامة فأجازت لسمو الأمير أن يتدخل بمراسيم الضرورة اذا حدث فيما بين ادوار انعقاد مجلس الأمة أو في فترة حله ما يوجب الاسراع باتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير.
ونص المادة 71 من الدستور الكويتي يستوعب الموضوعات الثلاثة التي أشارت اليها المادة 74 من الدستور المصري لسنة 1971 التي تعتبر في حقيقة الأمر والواقع أهم الأسباب التي تبرر تعطيل السلطات العامة عن مواجهه الأخطار، وان كان نص المادة 71 من الدستور الكويتي يفتح المجال لموضوعات أخرى اقل خطورة وحساسية من الموضوعات الثلاثة التي أشارت اليها المادة 74 من الدستور المصري لعام 1971.والوحدة الوطنية من أهم الموضوعات التي يكون المساس بها موجبا للتدخل باجراءات استثنائية متى لم تستطع السلطات العامة تأمينها، ويمكن القول ان الوحدة الوطنية تكون في خطر متى ما اندلع صراع طائفي او قبلي او طبقي بين فئات الشعب الواحد.
ويكون تهديد الوحدة الوطنية قائما متى ما كانت هذه النزاعات بدرجة كبيرة تعصف بالوحدة الوطنية لدرجة لا يمكن حمايتها ومقاومتها الا بمراسيم الضرورة. ويقصد بسلامة الوطن حماية الدولة من اي تهديد يؤثر على كيانها، سواء كان هذا التهديد خارجيا كما في حالة الغزو الاجنبي، او كان تهديدا داخليا كحدوث اضطرابات في الداخل كما في حالة العصيان المسلح او تمرد في القوات المسلحة او اضراب رجال الشرطة اضرابا عاما أو تعرض المرافق الأساسية في البلاد لنوع من الشلل، اذا كان من شان ذلك جميعه تهديد كيان الدولة ذاتها، واذا كان الغزو الخارجي أو التهديد به يمثل المجال الحقيقي للمساس بسلامة الوطن، فان الأحداث الداخلية لا تعتبر كذلك الا اذا كانت على درجة كبيرة من الخطورة، مما يوجب عدم التوسع في تحديد حالاتها (1).
أما اعاقة مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري فهو يعني تعطيل عمل السلطات العامة كالسلطة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية فان كان هناك ما يهدد عمل هذه السلطات ويعوقها ماديا من القيام بواجباتها الدستورية فانه يبرر اللجوء لمراسيم الضرورة.
(1) رمزي الشاعر «الرقابة على دستورية القوانين، دار التفسير-القاهرة -2004، ص639
2- تبرير مرسوم الضرورة ان رقابة المحكمة الدستورية للمرسوم بقانون انما هي رقابة مشروعية وفقا للآلية التي رأيناها وفى المراحل والخطوات التي بيناها. وحكم المحكمة الدستورية باقرار مرسوم بقانون الصوت الواحد يعني اعتبار هذا الخيار هو الوسيلة الوحيدة التي كانت متاحة لدرء المخاطر، وان الدولة كانت في مواجهه مخاطر محدقة استثنائية يستحيل تداركها بغير هذا الطريق الاستثنائي.
لا شك أن لسمو الأمير بحسبانه رئيسا للدولة وفق أحكام المادة 71 من الدستور اذ قام خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الدولة او يعوق مؤسسات البلاد عن أداء دورها الدستوري أن يتخذ الاجراءات السريعة الكفيلة لمواجهه هذا الخطر.
والقاضي الدستوري يجب عليه بيان جسامة الخطر المحدق الذي لم يكن بالامكان مواجهته الا بمرسوم الصوت الواحد، اي بيان حجم التهديد للوحدة الوطنية وسلامة الوطن واعاقة مؤسسات الدولة عن أداء أعمالها ان تمت الانتخابات وفقا لنظام الأصوات الأربعة. وان كان تحديد جسامة الخطر مسالة تقديرية لسمو الأمير فان المحكمة الدستورية عليها واجب الكشف عن حجم الخطر ومدى تهديده للوحدة الوطنية وسلامة الوطن وهل استمرار نظام الأصوات الأربعة يعوق مؤسسات الدولة عن أداء أعمالها؟
ان بيان جسامة الخطر يعتبر من الشروط الأساسية لأعمال نظرية الضرورة فالضرورات تبيح المحظورات.
وعلى المحكمة الدستورية ان تبين كذلك ان الخطر الجسيم كان حالا اي انه قد بدأ فعلا ولم ينته بعد، ومن ثم فان تبرير وجود حالة الضرورة واقرار مرسوم الصوت الواحد يعني ان نظام الأصوات الأربعة خطر بدأ فعلا ولم ينته وانه خطر حقيقي حال لا يمكن اهمال التصدي له فهو ليس بوهمي ولا تصوري.
وان متطلبات صدور مرسوم بقانون الصوت الواحد توجب على القاضي الدستوري أن يؤكد ان الخطر لم ينته أمره، وعبارات نص المادة 71 تتطلب ذلك فهي تؤكد أنه «اذا حدث» اي ان النص يستخدم عبارة قاطعة الدلالة بان الخطر قد وقع وانه مستمر ولم ينته بعد اذ يتطلب المواجهة بحسبان ما حدث وهو مستمر قد وقع فعلا ولم ينته أمره.
ان تهديد الوحدة الوطنية وسلامة الوطن واعاقة مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري هو الخطر الحقيقي الحال المبرر لمرسوم بقانون الصوت الواحد، اذا أيدت المحكمة هذا المرسوم بالقانون وأقرت وجود حالة الضرورة المبررة له.
ومن اللازم على المحكمة الدستورية أن تبين ان المرسوم بقانون الصوت الواحد كان الخيار الوحيد لمواجهه الخطر الحال الذي لا يمكن دفعه الا بصدوره وذلك لان الدستور قد نظم السلطات العامة وحدد اختصاصات كل سلطة وعهد اليها أداء دورها ومن ثم فان اللجوء الى مراسيم الضرورة لا يكون دستوريا الا اذا عجزت السلطة العادية عن القيام بمواجهة أما ان كان في وسع السلطة العامة العادية أن تقوم بهذا الدور فانه يجب أن يترك لها القيام به.
فالمحكمة الدستورية عليها واجب بيان عدم استطاعة السلطات العامة وعجزها عن مواجهه الخطر الجسيم الذي يهدد الوحدة الوطنية وسلامة الوطن واعاقة مؤسسات الدولة عن أداء دورها. ولا شك أن سمو الأمير بحسبانه رئيسا للدولة هو الذي يقدر درجة الخطر ومدى الحاجة الى اللجوء للمادة 71 ولا يقيده في ذلك الا أن يكون الهدف هو تدارك الخطر وضمان تحقيق الوسائل اللازمة حتى تستطيع السلطات العامة الدستورية مباشرة وظائفها في اقل فترة زمنية ممكنة. والمحكمة تراقب مدى توافر الظروف الاستثنائية التي تبرر اللجوء الى المادة 71 من الدستور باعتبار هذه الظروف ركنا من أركان الضرورة.
وفي يقننا بان المحكمة الدستورية وهي تراقب حالة الضرورة وتحققها فان عليها مراعاة السلطة التقديرية لسمو الأمير رئيس الدولة في تقدير درجة الخطر التي تتعرض لها الدولة وتمكنه من اللجوء للمادة 71 من الدستور مع الأخذ بعين الاعتبار مجمل الظروف التي يعمل بها سمو الأمير أثناء تعرض الدولة للاخطار.