تقديم وتمهيد
ذهبت الديموقراطيات الحديثة منذ أمد بعيد، إلى تقسيم السلطات الوطنية فيها الى ثلاث سلطات رئيسية، تنفيذية وتشريعية وقضائية، تمثل كل منها حيزا دستوريا قائما بذاته يفترض فيه انه لا يتقلص نطاقه مطلقا لصالح سلطة دستورية أخرى، وبالطبع وفي المقابل يفترض كذلك ألا يمتد بتاتا مجال اي حيز لسلطة دستورية ما ليجور على صلاحيات وحقوق اي من السلطتين الدستوريتين الأخريين.
ولعل هذا التوازن الدستوري الذي تنتهجه غالبية نظم الحكم الديموقراطية الحديثة والمعاصرة، انما خُلق وضعيا لضمان وكفالة عدم انفراد أو اغتصاب أو انتقاص الحقوق والحريات السياسية الديموقراطية التي تسعى الدول الديموقراطية لترسيخها وتكريسها في سياق ممارستها لمهامها في إدارة شؤونها الداخلية بصورة ديموقراطية تخدم مواطنيها وتحقق مصالحهم في جو يسوده احترام الحقوق والحريات الإنسانية لطالما ان الشريعة الإسلامية والصكوك الدولية والإقليمية قد عمدت الى حمايتها من ثمة انتهاك والذود عنها من اي تراجع.
ونظرا لما للحقوق والحريات الإنسانية من أهمية وضرورة وطنية ومجتمعية لا غنى عنها ولا مجال للتفاوض فيها انتقاصا مهما كانت الظروف، فقد حرصت الشريعة الإسلامية وكذلك المجتمع الدولي على تقنين قواعد حماية وتعزيز الحقوق والحريات الإنسانية في جميع الظروف والأزمنة سواء في ظروف وأزمنة السلم أو في ظروف وأزمنة الحرب والنزاعات المسلحة.
وإذا أمعنا النظر في آلية الانتخاب لوجدناها الآلية الدستورية الأكيدة التي تضمن للنظم الديموقراطية ديمومتها وتكفل لها استقرارها مهما تباينت التحديات والمخاطر الداخلية أو الإقليمية أو الدولية، ولعل نظام الانتخاب الذي يعنينا هنا هو نظام الانتخاب البرلماني، الذي يمثل الآلية الدستورية الأكثر التصاقا بالشعوب في ضوء ما للبرلمان كسلطة تشريعية من سمات عديدة أبرزها انه انعكاس حقيقي لإرادة الشعوب بصفته الوكيل الحقيقي لها في مواجهة سلطتي الدولة الأخريين خاصة التنفيذية منهما.
وفي إطار ما سبق، فإنه يمكن القول ان الانتخاب هو حق وحرية في آن واحد، فهو حق في التمتع به وهو كذلك حرية في ممارسته، وان هذا الحق وهذه الحرية لا يجب ابدا ان يحدهما قيد أو شرط غير تلك التي تضمن عدم انتهاك سمعة وحريات الآخرين وتكفل عدم الإخلال بالنظام العام والآداب العامة.
ونظام الحكم في دولة الكويت هو نظام حكم ديموقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعا وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، وهذا الأصل الدستوري هو ما رسخته المادة رقم 6 من الدستور الوطني.
كما يقوم نظام الحكم في دولة الكويت على أساس فصل السلطات الدستورية الثلاث مع تعاونها وفقا لأحكام الدستور، حيث انه لا يجوز لأي سلطة منها النزول عن كل أو بعض اختصاصاتها المنصوص عليه في أحكام الدستور، وهذا النظام الدستوري هو ما أكدته المادة رقم 50 من الدستور.
أولا: الانتخابات البرلمانية والمبدأ العام لدور عضو مجلس الأمة في ظل أحكام دستور دولة الكويت:
يتألف مجلس الأمة من خمسين عضوا ينتخبون بطريق الانتخاب العام السري المباشر وفقا للأحكام التي يبينها قانون الانتخاب، ويعتبر الوزراء غير المنتخبين بمجلس الأمة أعضاء في هذا المجلس بحكم وظائفهم، هذا الحكم قررته المادة رقم 80 من الدستور.
ومن هذا المنطلق ـ ولاعتبارات كون عضو البرلمان ممثلا للشعب ـ فإن عضو مجلس الأمة يمثل الأمة بأسرها، ويقع على عاتقه واجب رعاية المصلحة العامة، ومن ثم فإنه لا سلطان لأي هيئة عليه في عمله بالمجلس أو لجانه، وهذه الضمانة المسؤولة هي التي قررتها المادة رقم 108 من الدستور الوطني.
ليس هذا فحسب، بل ان عضو مجلس الأمة يتمتع بالحرية فيما يبديه من الآراء والأفكار بالمجلس أو لجانه، ولا تجوز مؤاخذته عن ذلك بحال من الأحوال، وهذه الاستقلالية والضمانة قد تقررتا من واقع حكم المادة رقم 110 من الدستور، هذا بالإضافة الى عدد آخر من الضمانات الشخصية والجزائية التي يقررها الدستور لعضو مجلس الأمة كحصانة له في مواجهة السلطتين الدستوريتين الأخريين.
ثانيا: الإطار العام لحقوق وحريات وواجبات الانتخاب في ظل قانون انتخابات أعضاء مجلس الأمة:
لا شك في ان الانتخاب حق أصيل لمواطني الدولة، تصاحبه حرية إنسانية أكيدة تمثلها حرية التعبير عن الرأي في إطار عملية التصويت لأجل اختيار مرشح ما ليصبح عضوا برلمانيا، فإتاحة المجال أمام المواطن للمشاركة في عملية انتخاب ممثلي الامة هو ما يعرف بالحق الانتخابي، وان السماح لصاحب الحق الانتخابي بممارسة هذا الحق دون تأثير او ضغط هو ما يعرف بالحرية الانتخابية.
فالحق الانتخابي والحرية الانتخابية، عنصران حقوقيان متلازمان يمنحان دستوريا الى مواطني الدولة كأصل عام شريطة استيفاء الشروط العامة الواجب توافرها في الناخبين والتي يقررها القانون بهذا الصدد لاجل المشاركة الانتخابية.
ويرسخ القانون (35/1962) في شأن انتخابات اعضاء مجلس الامة، لعدد من حقوق وحريات الانتخاب مع بعض قيود الانتخاب، فالمادة رقم 1 من القانون قد اتت لتؤكد على حق كل كويتي بالغ من العمر احدى وعشرين سنة ميلادية كاملة في الانتخاب، وانه يستثنى من ذلك المتجنس الذي لم يمض على تجنسه عشرون سنة ميلادية وفقا لأحكام قانون الجنسية الكويتية.
وانه لا يحرم من الحق في الانتخاب، سوى من حكم عليه بعقوبة جناية او في جريمة مخلة بالشرف او بالامانة الى ان يرد اليه اعتباره، وهذا ما قررته المادة رقم 2 من القانون المشار اليه كقيد جزائي على الحق في الانتخاب.
وللاعتبارات العسكرية والامنية، تحظر المادة رقم 3 من قانون انتخابات اعضاء مجلس الامة - كقيد عسكري وامني - ممارسة رجال القوات المسلحة والشرطة لحق انتخاب اعضاء مجلس الامة.
وعلى ذلك، فإن من حق كل من قيد اسمه في جدول الانتخاب واصبح قيده فيه نهائيا، ان يمنح بطاقة انتخاب تحمل صورة شخصية له ويذكر فيها اسمه وتاريخ ميلاده ورقم قيده بالجدول وتاريخ القيد وبيان الدائرة الانتخابية المقيد فيها، وهذا الحكم قد قننته المادة 16 من قانون انتخابات اعضاء مجلس الامة.
ومن ناحية واجبات ومسؤوليات ممارسة الحق الانتخابي في سياق انتخابات اعضاء مجلس الامة، فإنه يكون على كل ناخب ان يتولى حقوقه الانتخابية بنفسه في الدائرة الانتخابية التي بها موطنه (م4)، كما انه لا يجوز للناخب ان يعطي رأيه اكثر من مرة في الانتخاب الواحد (م5).
ثالثا: الحقوق والحريات ذات الصلة بالانتخابات البرلمانية في الصكوك الدولية والاقليمية:
تتألف المعايير الدولية للانتخابات في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، من الحريات الاساسية والحقوق السياسية التي ارسى المجتمع الدولي قواعدها اعتبارا من تاريخ اصدار الاعلان العالمي لحقوق الانسان (1948)، حيث تؤكد المادة رقم 21 من هذا الاعلان على حق المشاركة في الحكم والشؤون العامة على اعتبار ان الانتخابات من شأنها تأمين قاعدة الحكم التي يمثلها الشعب شريطة ان تتسم هذه العمليات الانتخابية بالنزاهة والشفافية مع تحقيق المساواة العادلة بين الناخبين دونما تمييز في ذلك.
فها هي المادة رقم 21 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، قد اتت لتنص على ان:
1- لكل شخص حق المشاركة في ادارة الشؤون العامة لبلده، اما مباشرة واما بواسطة ممثلين يختارون في حرية.
2- ان لكل شخص، بالتساوي مع الآخرين، حق تقلد الوظائف العامة في بلده.
3- ان ارادة الشعب هي مناط سلطة الحكم، ويجب ان تتجلى هذه الارادة من خلال انتخابات نزيهة تجرى دوريا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري او بإجراء مكافئ من حيث ضمان حرية التصويت.
ليس هذا فحسب، بل يتضمن الاعلان العالمي لحقوق الانسان، عددا آخر من النصوص والاحكام الحقوقية ذات الصلة المباشرة بالحقوق والحريات السياسية، والتي على رأسها حريتا الرأي والتعبير، وحرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية، وحق الانضمام الى النقابات، وحرية التنقل، وحرية التمتع بكل الحقوق والحريات التي يشملها هذا الاعلان دونما تمييز او استثناء او تفضيل.
فالمادة رقم 19 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، قد اكدت على انه لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الانباء والافكار وتلقيها ونقلها الى الآخرين، بأي وسيلة ودونما اعتبار للحدود.
وترسيخا لما تقدم بيانه من حقوق وحريات، ينص الاعلان العالمي لحقوق الانسان في مادتيه 1 و2 على انه يولد جميع الناس احرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وان لكل انسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الاعلان، دونما تمييز من اي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، او اللون، او الجنس، و اللغة، او الدين، او الرأي سياسيا وغير سياسي، او الاصل الوطني او الاجتماعي، او الثروة، او المولد، او اي وضع آخر.
وجديرا بالذكر ان دولة الكويت قد صادقت على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومن ثم اصبحت ملتزمة دوليا بإنفاذ احكامه في السياق التشريعي الوطني، وقد جاءت المادة رقم 25 من هذا العهد لتؤكد التزام الدول الاطراف فيه بأن تتيح لمواطنيها فرصة التمتع بالحقوق التالية دون قيود او تمييز.
1- المشاركة في ادارة الشؤون العامة اما مباشرة واما بواسطة ممثلين يختارون في حرية.
2 ـ المشاركة في الانتخابات، في انتخابات نزيهة تجرى دوريا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري، تضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين.
وتأكيدا على ضرورة عدم التمييز بين الناس في إطار فسح وإتاحة الحقوق والحريات التي تشملها أحكام العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، فإن المادة رقم (26) من هذا العهد قد أشارت إلى أن الناس جميعهم سواء أمام القانون ويتمتعون دون أي تمييز بحق متساو في التمتع بحمايته.
وفي هذا الصدد يجب أن يحظر القانون أي تمييز وأن يكفل لجميع الأشخاص على السواء حماية فعالة من التمييز لأي سبب، كالعرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب.
وفي ذات الاطار، جاءت احكام الميثاق العربي لحقوق الإنسان، لترسخ ما جاءت به الاحكام الدولية من حقوق وحريات انسانية وسياسية في شأن الانتخابات العامة، فجاءت المادة رقم 24 لتنص على أن «لكل مواطن الحق في:
1 ـ حرية الممارسة السياسية، المشاركة في ادارة الشؤون العامة إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون بحرية. ترشيح نفسه أو اختيار من يمثله بطريقة حرة ونزيهة وعلى قدم المساواة بين جميع المواطنين، بحيث تضمن التعبير الحر عن إرادة المواطن.. وأنه لا يجوز تقييد الحريات وحقوق الإنسان لصيانة الأمن الوطني أو النظام العام أو السلامة العامة أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو لحماية حقوق الغير وحرياتهم».
وقد اشتمل إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام، وتحديدا في مادته رقم (22)، النص على أن «لكل إنسان الحق في التعبير بحرية عن رأيه بشكل لا يتعارض مع المبادئ الشرعية.
وفي مادته رقم (23) أكد اعلان القاهرة على أن لكل انسان حق الاشتراك في ادارة الشؤون العامة لبلاده بصورة مباشرة أو غير مباشرة».
وارتباطا بالحقوق والحريات الانتخابية والسياسية، حرص المشرع الدولي في العديد من الصكوك الدولية الأخرى، على حث الدول من أجل عدم تقييد الحقوق والحريات السياسية، ومن هذه الصكوك: الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع اشكال التمييز العنصري، واتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة، كما ان اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والتي تلزم الدول الاطراف فيها بأن تكفل للاشخاص ذوي الاعاقة امكانية المشاركة بصورة فعالة وكاملة في الحياة السياسية والعامة على قدم المساواة مع الآخرين بما في ذلك الحق في التصويت والانتخاب.
وجميع ما سبق تعداده من حقوق وحريات سياسية، قد أكدت عليها العديد من المواثيق والصكوك الإقليمية والقارية الأخرى، ومنها: الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وميثاق منظمة الدول الأميركية والميثاق الافريقي لحقوق الإنسان والشعوب.
رابعا: الرقابة على العملية الانتخابية لأعضاء مجلس الأمة:
1 ـ مفهوم وأبعاد الرقابة الدولية على الانتخابات:
لا شك في أن ضمان اجراء انتخابات حرة ونزيهة ومستقلة، يخضع القائمون على ادارتها والمشاركون فيها لمبدأ المحاسبة العادلة دون استثناء، إنما جميع ذلك يقتضي إدماج آليات الرقابة والمتابعة الأطر القانونية والتنظيمية والإجرائية ذات الصلة بالعمليات الانتخابية البرلمانية.
فالرقابة والمتابعة والنزاهة والشفافية والمساءلة في إطار العمليات الانتخابية البرلمانية، هي أمور تضمن وتكفل ترسيخ قواعد ونظم الحكم الديموقراطي داخل الدولة، وبالتالي يمكن معها القول إن العملية الانتخابية البرلمانية سيتم تأمينها بالصورة التي تتسق مع الحقوق والحريات الانسانية والسياسية التي يحميها ويعززها الدستور وتُكرسها المواثيق والصكوك الدولية والاقليمية لحقوق الانسان.
وفي هذا السياق، فإنه تجدر الاشارة الى إعلان مبادئ المراقبة الدولية للانتخابات، والتي أيدته مجموعة من المنظمات الحكومية وغير الحكومية، ومنها المفوضية الأوروبية، والاتحاد البرلماني الدولي، والأمم المتحدة.
وقد جاء في اعلان مبادئ المراقبة المشار إليه، التأكيد على ان الانتخابات الديموقراطية الفعلية تُشكل شرطا ضروريا لقيام أي حكم ديموقراطي كونها الاداة التي تخول للشعب التعبير بحرية عن إرادته فيما يتعلق بتحديد الجهة التي لها تمثيله وصون مصلحته.
كما أكدت مضامين إعلان المراقبة الدولية للانتخابات على أنه يتعذر تحقيق انتخابات ديموقراطية حقه ما لم يتشكل متسع لممارسة شتى حقوق الانسان والحريات الاساسية الاخرى بشكل مستديم، بعيدا عن اي شكل من اشكال التمييز.
ومن هذا المنطلق، فإن المراقبة الدولية للانتخابات إنما تعكس اهتمام المجتمع الدولي بتحقيق انتخابات ديموقراطية لأجل توطيد الديموقراطية واحترام حقوق الانسان وتعزيز الحقوق والحريات المدنية والسياسية بصفة خاصة.
وبذلك تتميز المراقبة الدولية للانتخابات بقدرتها على تعزيز وكفالة النزاهة الانتخابية، عبر التصدي لكل المخالفات واشكال الغش والكشف عنها واصدار ما يلزم من توصيات لأجل تحسين العملية الانتخابية وانه بوسع هذه المراقبة ان تعزز من ثقة الناس في العملية الانتخابية والمشاركة فيها.
2- مفهوم وآليات الرقابة الوطنية للانتخابات البرلمانية:
تجدر الاشارة في هذا الجانب الى دور منظمات المجتمع المدني او المنظمات غير الحكومية، في اداء دور المراقبين المحليين في الانتخابات البرلمانية، فمن شأن الرصد الانتخابي الذي تباشره هذه المنظمات ومراقبيها ان يمد مسؤولي الانتخابات وصانعي السياسات بما يكفي من المعلومات حول الاشكاليات الواقعية والاجرائية التي قد تعرض مسار العملية الانتخابية بما يسمح دون ادنى شك في لفت الانظار نحو اهمية تصحيح وتصويب الاجراءات خلال سير العملية الانتخابية نفسها لطالما انه لا يزال هناك متسع من الوقت لعمل ذلك.
واثرا لذلك فإن عملية الرصد والمراقبة الانتخابية تعتبر اكثر فاعلية في الحفاظ على نزاهة الانتخابات من المراقبة السلبية والتي يكتفى فيها فقط باعداد تقرير معلوماتي يسرد سير العملية الانتخابية بعد انتهائها.
وفي ضوء ما تقدم فانه يمكن القول إنه يكون في وسع منظمات المجتمع المدني الوطنية ومراقبيها تعزيز اجراء انتخابات حرة ونزيهة من خلال اتباع الآليات الوطنية التالية:
٭ استكشاف الاشكاليات الانتخابية من خلال رصدها ولفت الانتباه الى أي مخاوف او خطأ اجرائي بهذا الشأن.
٭ تعزيز الشفافية في سياق العمليات الانتخابية.
٭ ابداء الرأي في اطار تقييم مستوى نزاهة وشفافية الانتخابات.
٭ تعزيز احترام سيادة الدولة وقوانينها والاطار القانوني للانتخابات فيها.
ولا شك في ان ما سبق تعداده من أطر وآليات لمشاركة منظمات المجتمع المدني الوطنية في رقابة ورصد العمليات الانتخابية البرلمانية، انما يقتضي التزام هذه المنظمات ومراقبيها بمجموعة من القيود الاخلاقية والقانونية ومنها:
٭ الالتزام بقوانين الدولة والاجراءات المتبعة ومن ذلك الحصول على ما يلزم من تصاريح رسمية قبل المشاركة في مراقبة العملية الانتخابية وقبل دخول المواقع الانتخابية.
٭ الالتزام بالمهنية والحيادية والموضوعية بصورة لا تعوق العملية الانتخابية.
٭ الالتزام بعدم التدخل في العملية الانتخابية الا في حال الوقوف يقينا على وجود مخالفة انتخابية او تجاهل للقانون او الاجراءات الانتخابية.
٭ ضرورة الافصاح بشفافية وبصدق عن اهداف عملية الرقابة الانتخابية مع تقديم ما يلزم من التقارير حول انشطة الرقابة وعملية سيرها مع مختلف وسائل الاعلام والجمهور بشكل عام.
٭ الالتزام بالدقة وعدم المبالغة في اطار اعداد التقارير عن سير العمليات الانتخابية.
٭ الالتزام بعدم التأثر او التوجيه من قبل المرشحين او مناصريهم.
٭ الالتزام بعدم تلقي الهدايا او الاموال او التبرعات من اي من المرشحين او اعضاء حملاتهم الانتخابية.
٭ الالتزام بقواعد ومبادئ المساواة فيما بين المرشحين دون النظر لأي اعتبارات قد تخل بهذه المبادئ او تميز بين المرشحين.
وهنا يحق لنا القول انه من المفترض في المنظمات غير الحكومية ان تعمل نيابة عن الرأي العام ولصالحه بغية تطوير وتحسين آليات واجراءات العمليات الانتخابية البرلمانية، وبذلك فإن انشطة الرقابة واعداد التقارير التي تقوم وتعدها منظمات المجتمع المدني انما من شأنها ان تساعد في جعل العملية الانتخابية اكثر شفافية سواء كان ذلك من ناحية سير العملية الانتخابية ذاتها او من ناحية التزام المرشحين بقواعد واجراءات ادارة حملاتهم الانتخابية.
خامسا: ضمانات نزاهة واستقلالية العملية الانتخابية لأعضاء مجلس الأمة:
فيما سبق بينت هذه الدراسة ارتباط الديموقراطية بالحقوق والحريات الانسانية ارتباط لزوم لا يقبل الفصل او التجزئة، وفي معرض دراستنا هذه فانه يجدر بنا التأكيد على ضرورة واهمية حماية وتعزيز مجموعة من الحقوق والحريات ذات الصلة المباشرة بالحقوق والحريات السياسية سالفة البيان.
وهنا كان الأمين العام للأمم المتحدة قد اشار سلفا الى ان الانتخابات في حد ذاتها لا تشكل الديموقراطية فهي ليست غاية بل خطوة لا ريب في انها مهمة وكثيراً ما تكون اساسية على الطريق المؤدية الى اضفاء الطابع الديموقراطي على المجتمعات ونيل الحق في مشاركة المواطن في حكم البلاد على النحو المعلن في الصكوك والقوانين الدولية المتعلقة بحقوق الانسان وسيكون من المؤسف خلط الغاية بالوسيلة وتناسي الحقيقة القائلة بأن معنى كلمة الديموقراطية يتجاوز مجرد الإدلاء دوريا بالأصوات ليشمل كل جوانب عملية مشاركة المواطنين في الحياة السياسية لبلدهم.
كما أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 46/ 137، المؤرخ 17 ديسمبر 1991، على ان الانتخابات الدورية والنزيهة عنصر ضروري لا غنى عنه في الجهود المتواصلة المبذولة لحماية حقوق ومصالح المحكومين، وان التجربة العملية تثبت ان حق كل فرد في الاشتراك في حكم بلده مثل عاملا حاسما في تمتع الجميع فعليا بمجموعة واسعة من حقوق الإنسان والحريات الأساسية الأخرى وتشمل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها المشار اليه على الآتي:
1 ـ أهمية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللذين يقرران ان سلطة الحكم مصدرها إرادة الشعب على النحو المعبر عنه في انتخابات دورية ونزيهة.
2 ـ ان الانتخابات الدورية والنزيهة عنصر ضروري لا غنى عنه في الجهود المتواصلة المبذولة لحماية حقوق ومصالح المحكومين، وان التجربة العملية تثبت ان حق كل فرد في الاشتراك في حكم بلده عامل حاسم في تمتع الجميع فعليا بمجموعة واسعة التنوع من حقوق الإنسان والحريات الأساسية الأخرى، تشمل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
3 ـ ان تقرير إرادة الشعب يستلزم عملية انتخابية توفر لجميع المواطنين فرصة متكافئة لترشيح أنفسهم والإدلاء بآرائهم السياسية، فرادى وبالتعاون مع آخرين، على النحو المنصوص عليه في الدساتير والقوانين الوطنية.
4 ـ ضرورة إلغاء الفصل العنصري، وان الحرمان أو الانتقاص من الحق في التصويت على أساس العرق أو اللون هو انتهاك جسيم لحقوق الإنسان، وإهانة لضمير الإنسانية وكرامتها، وان الحق في المشاركة في نظام سياسي يقوم على المواطنة العامة المتساوية وعلى حق الانتخاب العام، وهو أمر ضروري لممارسة مبدأ الانتخابات الدورية والنزيهة.
5 ـ أهمية جهود المنظمات غير الحكومية التي قدمت مساعدة انتخابية بناء على طلب الدول الأعضاء.
واستنادا لما تقدم، فقد صنف مركز حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هذه الحقوق على النحو التالي:
أولا: تعزيز احترام إرادة الشعب.
ثانيا: تأمين الحرية الانتخابية.
ثالثا: تأمين الحقوق والحريات الأساسية ذات الصلة، ومنها:
1 ـ حرية الرأي والتعبير.
2 ـ حرية التجمع السلمي.
3 ـ حرية تكوين الجمعيات ذات الصلة.
4 ـ حرية الالتجاء الى القانون والقضاء.
رابعا: استقلالية ونزاهة السلطة القضائية.
خامسا: الالتزام بمبدأ عدم التمييز بين الناخبين أو المرشحين.
سادسا: الاقتراع السري.
سابعا: الالتزام بالمساواة في الاقتراع العام.
ثامنا: إجراء الاقتراع بصفة دورية.
الخاتمة
حاولت هذه الدراسة ان تستعرض- في إيجاز- محاور ما تمثله الانتخابات البرلمانية من أداة سياسية وديموقراطية تعد في النظم الديموقراطية الحديثة أحد أهم عناصر بناء الدولة، فهي عملية تبدأ من المواطن الذي يختار ممثليه تحت مظلة مجلس الأمة، ليكونوا بمثابة صوته وعقله وممثليه الذين ينقلون همومه وقضاياه الى السلطة التنفيذية، ليس هذا فحسب، بل يراقبون كذلك عمل الحكومة لأجل ضمان وكفالة احترام احكام ومبادئ الشريعة الإسلامية والدستور والقانون وحماية مصالح الدولة وجميع مواطنيها.
وفي ختام هذه الدراسة، تود الجمعية الكويتية للمقومات الأساسية لحقوق الإنسان، ان تؤكد على ما ورد في الإعلان العالمي بشأن الديموقراطية والذي اعتمده مجلس الاتحاد البرلماني في دورته الحادية والثمانين بعد المائة (2007) بما لا يتعارض مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، ونشير من مبادئ هذا الإعلان إلى أبرز مبادئه ذات العلاقة بالديموقراطية والحقوق والحريات السياسية، وذلك على الوجه الآتي:
1 ـ الديموقراطية هي مبدأ معترف به عالميا، وهي هدف يقوم على القيم المشتركة للشعوب في المجتمع العالمي بأسره، بغض النظر عن الفروق والاختلافات الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهي بذلك حق أساسي للمواطن ينبغي ان يمارس في ظل مناخ من الحرية والمساواة والشفافية والمسؤولية، مع احترام التعدد في الآراء ومراعاة المصلحة العامة.
2- تهدف الديموقراطية أساسا، الى صون وتعزيز كرامة الفرد وحقوقه الأساسية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
3- ان عملية الوصول الى السلطة وممارستها وتداولها تفسح المجال في ظل الديموقراطية لمنافسة سياسية مفتوحة، نابعة من مشاركة شعبية عريضة وحرة دون تمييز، وتمارس وفقا للقانون نصا وروحا.
4- ان الديموقراطية لا تنفصم عن الحقوق المنصوص عليها في المواثيق والصكوك الدولية لحقوق الإنسان، مما ينبغي معه تطبيق هذه الحقوق تطبيقا فعالا، على ان تقترن ممارستها بالمسؤولية الشخصية والجماعية.
5- تقوم الديموقراطية على سيادة القانون ومباشرة حقوق الإنسان.
6- تقوم الديموقراطية على حق كل فرد في المشاركة في إدارة الشؤون العامة، الأمر الذي يستلزم وجود مؤسسات نيابية على جميع المستويات، خاصة برلمان يمثل جميع عناصر المجتمع، وتتوافر لديه السلطات والصلاحيات التي تمكنه من التعبير عن إرادة الشعب وذلك عن طريق التشريع ومراقبة أعمال الحكومة.
7- ان العنصر الرئيسي في ممارسة الديموقراطية يتمثل في إجراء انتخابات حرة ونزيهة على فترات منتظمة يعبر فيها الشعب عن إرادته، ويجب إجراء انتخابات على أساس الاقتراع العام، والعادل والسري، حتى يتسنى لكل من يدلي بصوته ان يختار من يمثله في ظل المساواة والحرية والشفافية التي تحفز على المنافسة السياسية.
8- أهمية الحقوق المدنية والسياسية، لاسيما الحق في التصويت والانتخاب، والحق في حرية التعبير والتجمع والحصول على المعلومات.
9- يتعين تنظيم المشاركة الفردية في العملية الديموقراطية والحياة العامة على كل المستويات بصورة عادلة ونزيهة، والحصول على المعلومات.
10- المؤسسات القضائية وآليات الرقابة المستقلة المحايدة والفعالة هي الأجهزة التي تكفل سيادة القانون، وسيادة القانون هي ركيزة الديموقراطية، ولتمكين هذه المؤسسات والآليات من تأمين الاحترام الكامل للقانون وتحسين سلامة الإجراءات ورفع المظالم، يتعين فتح الطريق أمام الجميع على قدم المساواة التامة لاستخدام الوسائل الإدارية والقضائية التي تكفل لهم حقوقهم، وتضمن احترام أجهزة الدولة وممثلي السلطة العامة وأعضاء المجتمع للقرارات الإدارية والقضائية.
11- ان قيام مجتمع مدني نشط هو أحد العناصر اللازمة للديموقراطية، إلا انه لا يمكن اعتبار قدرة الأفراد واستعدادهم للمشاركة في العملية الديموقراطية واختيار نظام الحكم مسألة مفروغا منها، بل يتعين تهيئة المناخ الفعال لممارسة حقوق المشاركة بصورة فعالة، مع إزالة العقبات التي تحول دون هذه الممارسة أو تعرقلها.
12- ان الديموقراطية تفترض توافر حرية الرأي والتعبير بما ينطوي عليه ذلك من الحق في اعتناق الرأي دون تدخل أو عائق، وتلمس المعلومات والأفكار وتلقيها ونشرها من خلال أي وسيلة من وسائل الإعلام بغض النظر عن الحواجز أو الحدود.
وإجمالا، تأمل الجمعية الكويتية للمقومات الأساسية لحقوق الإنسان في ان تُمنح منظمات المجتمع المدني الكويتية، دورا بارزا غير منقوص في إطار مراقبة ورصد فعاليات انتخابات أعضاء مجلس الأمة الموقر، متمنية العمل على تحقيق آمال وطموحات الشعب الكويتي وحماية وتنمية وتعزيز حقوق الإنسان ورعاية الصالح العام للدولة الكويتية بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية.
إعداد: الجمعية الكويتية للمقومات الأساسية لحقوق الإنسان نوفمبر 2016