بينما كان ينتصف جلسته بين عمدة مدينة لوس أنجيليس الأميركية، اريك جارسيتي، وعمدة العاصمة الفرنسية باريس، آن هيدالغو، وبعدما خرج الإعلان المنتظر إلى النور، فاجأ رئيس اللجنة الأولمبية الدولية، الألماني توماس باخ، الجميع في اجتماع الجمعية العمومية للمنظمة التي يترأسها وأخرج لافتة مكتوب عليها: باريس 2024 ولوس أنجيليس 2028.
ولم يكن هذا المشهد، الذي لم يكن له شبيه خلال السنوات الـ 96 الأخيرة للرياضة الأولمبية، يعكس فقط فوز العاصمة الفرنسية والمدينة الأميركية، ولكن كان يعكس انتصارا شخصيا للمسؤول الألماني.
وبعد رحيل المسؤولين السابقين الذين تعاقبوا على رئاسة الاتحادات واللجان الرياضية المختلفة وكانوا سببا مباشرا في تفجر فضيحة المنشطات في الرياضة الروسية، بالإضافة إلى تورطهم في قضايا فساد تتعلق بمنح شرف تنظيم دورة الألعاب الأولمبية الأخيرة، ظهر باخ في الاجتماع بملامح تعكس بشكل كبير المعاناة التي تكبدها خلال الأشهر الأخيرة.
وكان قرار منح شرف استضافة دورتين أولمبيتين في نفس اليوم، وهو حدث لم يتكرر منذ عام 1921، بمنزلة رهان شخصي لباخ لكي يتمكن من مواجهة الأزمة التي أثارها الانسحاب الجماعي للمرشحين.
بوسطن وهامبورغ وروما وبودابست، سحبت مدينة تلو الأخرى ملفات ترشحها لاستضافة الأولمبياد، على خلفية الرفض الشعبي نظرا للتكاليف الباهظة التي ستتكبدها كل مدينة لتنظيم هذا الحدث الرياضي الكبير.
ولم يتبق في نهاية المطاف من المرشحين سوى باريس ولوس أنجيليس، اللتان كانتا ترغبان في تنظيم أولمبياد 2024.
وحمل ملفا ترشح باريس ولوس أنجيليس، المدينتين اللتين لا تحتاجان لاستثمارات ضخمة من أجل استضافة الأولمبياد، من المغريات الكثير التي كان يصعب معها إقصاء أحدهما من سباق الترشح، ولذلك قامت اللجنة الأولمبية الدولية بتغيير نظام الانتخاب والتصويت من أجل منح المدينتين شرف استضافة الدورتين المقبلتين في جلسة واحدة.
وبعد ذلك، تبقى تحديد أي المدينتين ستسبق الأخرى في التنظيم وأيهما سينتظر حتى 2028.
وتولد هوس لدى باريس بتنظيم أولمبياد 2024 لإحياء الذكرى المائة لتنظيمها آخر دورة أولمبية في تاريخها عام 1924، واتسمت بعناد شديد في هذا الأمر ولم يكن هناك ما يدلل على إنها ستتنازل عن هذا الحلم.
فما كان من اللجنة الأولمبية الدولية إلا أن تسوق للوس أنجيليس مبررات مقنعة لكي تنتظر حتى 2028، وبالفعل نجحت في ذلك بعدما تعهدت للمدينة الأميركية بضخ استثمارات تبلغ قيمتها مليار و800 مليون دولار لتنمية الرياضة على مستوى الشباب خلال الأعوام المقبلة.
ويجد الاتفاق الثلاثي الذي جمع بين باريس ولوس أنجيليس واللجنة الأولمبية الدولية، برعاية حثيثة من باخ، مرادفا له في الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، الذي قام بإسناد تنظيم كأس العالم 2018 و2022 في جلسة واحدة لكل من روسيا وقطر على الترتيب.
ورغم ذلك، رفضت اللجنة الأولمبية الدولية، مقارنتها بـ «فيفا»، وتمكنت من إنجاح الاتفاق المذكور بدون مقاومة أو معارضة كبيرة من الرافضين له.
وأول من أمس في ليما بالبيرو التي شهدت تنفيذ الخطوة الأخيرة، اختفت الانتقادات والأصوات المعارضة، ورفع الأعضاء الـ 85 الذين حضروا اجتماع الجمعية العمومية للجنة الأولمبية الدولية أيديهم للإعلان بالإجماع عن تأييدهم لفوز باريس ولوس أنجيليس بشرف تنظيم الدورتين الأولمبيتين.
وقال باخ بصوت يكتسي بنبرات الفخر بجوار هيدالغو وجارسيتي: «إنه في الحقيقة موقف فزنا فيه جميعا».
واختتم باخ قائلا: «بعد الاضطرابات التي شهدها أولمبياد ريو 2016، يمكن للجنة الأولمبية الدولية أن تشعر بالهدوء بفضل المشروعات المضمونة للأولمبياد المقبلة: طوكيو 2020 وباريس 2024 ولوس أنجيليس 2028، والتصويت المقبل سيكون في 2025، ولكنه سيكون مهمة خليفتي».