Note: English translation is not 100% accurate
رمضان في عيونهم
النجدي: رمضان شهر كنوز الحسنات من قراءة القرآن والجود على الناس والاعتكاف والعمرة وليلة القدر حال السلف الأوائل في رمضان
8 أغسطس 2011
المصدر : الأنباء

من اعداد ضاري المطيري
لم يكن رمضان بالنسبة لسلفنا الأوائل مجرد شهر عادي، بل كان له في قلوبهم مكانة خاصة، وأعمال كثيرة، ظهرت واضحة من خلال استعدادهم له واحتفائهم به، ودعائهم وتضرعهم إلى الله تعالى أن يبلغهم إياه، لما يعلمون من فضيلته وعظم منزلته عند الله عز وجل.
أما عن حالهم مع القرآن فقد حرص السلف رحمهم الله على الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان، فمن ذلك أن الأسود بن يزيد كان يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال.
وكان مالك بن أنس إذا دخل رمضان يترك مجالس التحديث ومجالسة أهل العلم ويقبل على تلاوة القرآن من المصحف، وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادات، وأقبل على قراءة القرآن، وكان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث، وكان الامام احمد يغلق الكتب ويقول هذا شهر القرآن.
وقال الربيع بن سليمان «كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة وفي كل شهر ثلاثين ختمة»، وقال ابن رجب الحنبلي «وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان، وهذا قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأمة وعليه يدل عمل غيرهم».
وأما البكاء عند تلاوة القرآن فلم يكن من هدي السلف هذّ القرآن هذّ الشعر، دون تدبر ولا فهم، ولا تحزن وبكاء، وإنما كانوا يتأثرون بكلام الله عز وجل، ففي البخاري: عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي»، فقلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» قال فقرأت سورة النساء حتى إذا بلغت: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)، قال «حسبك»، فالتفت فإذا عيناه تذرفان.
وعن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت فضيلا يقول ذات ليلة وهو يقرأ سورة محمد، وهو يبكي ويردد هذه الآية: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) وجعل يقول: ونبلو أخباركم، ويردد وتبلوا أخبارنا، إن بلوت أخبارنا فضحتنا وهتكت أستارنا، إنك إن بلوت أخبارنا أهلكتنا وعذبتنا، ويبكي.
رمضان شهر كنوز الحسنات
«في رمضان كنوز كثيرة، فمن ذلك الصدقة، فقد كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، كان أجود بالخير من الريح المرسلة..» متفق عليه، فللصدقة في رمضان مزية وخصوصية، فبادر إليها واحرص على أدائها بحسب حالك، فقد كان السلف رحمهم أحرص شيء على اكتساب الحسنات بشهر رمضان بكل الوسائل المشروعة، فكانوا يحرصون على إطعام الطعام، ويقدمونه على كثير من العبادات عاملين بقول الله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا، إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا، فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا)، سواء كان ذلك بإشباع جائع، أو إطعام أخ صالح بإفطاره، فلا يشترط في المطعم الفقر، يقول يونس بن يزيد «كان ابن شهاب إذا دخل رمضان فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام»، وقد قال رسول الله: «يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني، فقد كان الصحابي الجليل عبدالله بن عمر رضي الله عنه: لا يفطر في رمضان إلا مع اليتامى والمساكين، وربما لا يفطر إذا علم أن أهله قد ردوهم عنه في تلك الليلة، وقد قال بعض السلف: لأن أدعو عشرة من أصحابي فأطعمهم طعاما يشتهونه، أحب إلى من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل، وكان كثير من السلف يؤثر بفطوره غيره وهو صائم، منهم عبدالله ابن عمر رضي الله عنهما، وداود الطائي ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل، وكان من السلف من يطعم إخوانه الطعام وهو صائم ويجلس يخدمهم ويروحهم… منهم الحسن وابن المبارك.
قال أبو السوار العدوي: كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس وأكل الناس معه، قال ابن رجب: «قال الشافعي رضي الله عنه: أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم، وكان حماد بن أبي سليمان يفطر في شهر رمضان خمسمائة إنسان، وإنه كان يعطيهم بعد العيد لكل واحد مائة درهم». ومن تلك الكنوز أيضا حفظ اللسان وقلة الكلام وتوقي الكذب والغيبة والسباب وغيره، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» أخرجه البخاري، قال المهلب: «وفيه دليل أن حكم الصيام الإمساك عن الرفث وقول الزور، كما يمسك عن الطعام والشراب وإن لم يمسك عن ذلك فقد تنقص صيامه وتعرض لسخط ربه، وترك قبوله منه».
وقال الرسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أصبح أحدكم يوما صائما فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم إني صائم» أخرجه مسلم. قال المازري في قوله: «إني صائم» يحتمل أن يكون المراد بذلك أن يخاطب نفسه على جهة الزجر لها عن السباب والمشاتمة. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ليس الصيام من الطعام والشراب وحده، ولكنه من الكذب والباطل واللغو والحلف». أخرجه ابن أبي شيبة. ونحوه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الخادم وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء» أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الصيام «باب ما يؤمر به الصائم من قلة الكلام وتوقي الكذب».
ومن تلك الكنوز أيضا الجلوس في المسجد حتى تطلع الشمس، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة ـ أي الفجر ـ جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس. أخرجه مسلم، وأخرج الترمذي: عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة، تامة تامة تامة» وصححه الألباني، وهذا في كل الأيام، وهو في أيام رمضان أعظم وأفضل وأجل.
ومن الكنوز الاعتكاف في رمضان، وهو الخلوة الشرعية لهذه الأمة، فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع نفسه عن كل شاغل يشغله عن الله، وحبس قلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه، فما بقي له هم سوى الله وما يرضيه عنه، وكان النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما. أخرجه البخاري فالاعتكاف من العبادات التي تجمع كثيرا من الطاعات، كالتلاوة والصلاة والذكر والدعاء وغيرها.، ولا يظن الظان صعوبته، بل هو يسير على من يسره الله عليه، وأكد وأفضله الاعتكاف في العشر الأواخر، تحريا لليلة القدر.
ومنها العمرة في رمضان، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة» أخرجه البخاري ومسلم، وفي رواية «حجة معي» فهنيئا لمن وفقه الله لحجة مع النبي صلى الله عليه وسلم.