- كنا نصلي التراويح 20 ركعة وليس 11 ركعة كما نقيمها حالياً
- مستلزمات الأسرة الكويتية في رمضان كانت بعيدة كل البعد عن البذخ
- «القرقيعان» قديماً في 3 ليالٍ محددة وهي التي كان يكتمل فيها القمر ليضيء الشوارع لعدم وجود الكهرباء
- تبادل التهاني بين أهل القبلة وأهل شرق مشهد يرسم أروع الصور لترابط أهل الكويت قديماً
«محدثكم د.صالح العجيري الباحث الفلكي، جئتكم من الماضي وبالتحديد من مستهل القرن العشرين، فقد بلغت من الكبر عتيا وتجاوزت من العمر الـ 98 .. والحمد لله على آلائه، لقد عاصرت رمضان سنين طويلة أود أن أشارككم هذه الذكريات المتعلقة بالشهر الفضيل».
هذه هي الكلمات التي بدأ بها رحالة الزمان والخبير الفلكي العم د.صالح العجيري لقاءه مع «الأنباء» للحديث عن شهر رمضان الفضيل، وكيف كان أهل الكويت قديما يعيشون تلك الأيام المباركة، ليأخذنا معه في رحلة عبر الزمان إلى أبرز العادات التي مارسها أجدادنا وحرصوا على إقامتها في هذا الشهر الفضيل، إذ أشار العم صالح العجيري إلى اختفاء العديد من العادات والتقاليد ومظاهر الألفة التي طغت على أهل الكويت في شهر رمضان الفضيل وعيد الفطر، منها الاجتماعات والمشاركة الاجتماعية وإخراج زكاة الفطر وغيرها من القيم والعادات التي شكلت رابطا قويا بين أبناء الديرة في ذلك الوقت، فإلى التفاصيل:
في البداية، أكد الباحث الفلكي د.صالح العجيري ان شهر رمضان الفضيل في هذا العام يأتينا في أواخر الربيع، وهو ما يجعل الطقس في أول أيام الشهر معتدلا، إلى أن يأتي منخفض الهند الموسمي الحار الذي ترتفع معه درجات الحرارة بشكل كبير ويبدأ فصل الصيف.
مقدمات ومستلزمات رمضان
كما حدثنا العم صالح العجيري عن الكثير من الاختلافات والفروقات التي عاشها أجدادنا خلال هذا الشهر الفضيل، لافتا إلى أن رمضان في السابق كان له جملة من العادات والمقدمات التي كنا نحرص عليها، ولكنها أصبحت في طي النسيان الآن، مشيرا إلى من ضمن تلك المقدمات تحري غرة شهر شعبان والذي سيترتب عليه لاحقا تحديد غرة شهر رمضان الكريم، فإما أن نصوم برؤية الهلال أم نكمل عدة شعبان 30 يوما.
لينتقل بنا بعد ذلك إلى آواخر شهر شعبان، إذ تبدأ الاستعدادات لاستقبال الشهر الفضيل، لافتا إلى أن احتياجات ومستلزمات الأسرة الكويتية في ذلك الوقت كانت في غاية البساطة، فقد كان أهل الكويت قديما بعيدين كل البعد عن البذخ، حيث كان جل اهتمامهم يتلخص في توفير وشراء المستلزمات الأساسية من الغذاء وفي مقدمتها الأرز والقمح واللقيمات والتشريبة، أما عن الأطباق الرمضانية فكانت مقصورة على «العيش» بجانبه المرق، بينما كانت الأكلات الرمضانية محدودة مثل اللقيمات، والحلبية التي هي عبارة عن حلاوة محلية تصنع من الحليب وبعض المواد الأخرى، بالإضافة إلى التشريبة التي يستعمل معها اللومية.
رؤية هلال رمضان
كما تحدث العم صالح عن رؤية هلال رمضان وكيفية تحديده، مشيرا إلى أنه في الماضي لم تكن هناك اختلافات تتعلق بالرؤية مثلما يحدث الآن في كثير من الأحيان، فكل مدينة كانت تصوم وفقا لرؤيتها للهلال أو بعد إتمام عدة شعبان.
وتابع قائلا: «من الأمور التي أذكرها في ذلك الوقت أننا كنا نتابع أخبار البلدان الأخرى ونتداولها فيما يتعلق بموعد صيامهم، لتصلنا أخبار عن أهل البحرين على سبيل المثال صاموا قبلنا بيوم، ليصلنا خبر آخر أن أهل العراق أتموا عدة شعبان.
قصة مدفع الإفطار
ويروي لنا العم صالح قصة أخرى فريدة، ألا وهي قصة مدفع الإفطار الذي اشترته الحكومة الكويتية في ذلك الوقت، بجانب صافرة الإنذار للدفاع عن أهل الكويت من أي هجوم قد يحدث خلال الحرب العالمية الثانية، إلا أنه وبفضل المولى عز وجل لم يتم استخدامهما نهائيا، لتأتي بعد ذلك فكرة استخدامهما للدلالة على مواقيت الإمساك والإفطار.
وأضاف أنه نظرا لصغر الرقعة السكنية فقد كانت الحكومة تطلق طلقة واحدة من المدفع المتواجد على البحر يسمعها جميع سكان الكويت، سواء في الإفطار أو السحور.
عادات جميلة
وتطرق العجيري إلى واحدة من أبرز العادات التي حرص عليها أهل الكويت في هذا الشهر الفضيل والتي كانت خير دليل على مدى ترابطهم واتحادهم، مشيرا إلى أن تلك العادة تمثلت في حرص «أهل شرق» على زيارة أهل الحي القبلي في أول أيام رمضان مقدمين لهم أطيب التبريكات، ليرد أهل القبلة بعد ذلك وفي ثاني يوم بالتحديد الزيارة ويباركوا لأهل شرق، وبذلك تعم التبريكات أرجاء الكويت في مشهد يرسم مدى الوحدة والترابط الذي تربى عليه أجدادنا.
وتابع قائلا: «من أجمل العادات الرمضانية التي شهدناها قديما أيضا تهافت وتسابق أصحاب الحال الميسور وأصحاب البيوت الكبيرة لدعوة جيرانهم من الفقراء على الإفطار، إذ كانت تتقاسم البيوت إفطارها ويتسابق الجميع لدعوة جيرانهم طوال شهر رمضان.
صلاة التراويح
أما عن صلاة التراويح فيأخذنا العجيري إلى فترة ما قبل دخول الكهرباء إلى الكويت، حيث يتهافت المصلون إلى المساجد لإحياء صلاة التراويح التي كانوا يؤدونها على أضواء القناديل.
وأضاف ان صلاة التراويح كانت تؤدى في المساجد، وكان عدد ركعاتها 20 ركعة وليس 11 ركعة كما يقيمها أهل الكويت حاليا، مشيرا إلى تسابق حفظة كتاب الله للصلاة في الصفوف الأولى ليصححوا للإمام إن نسي أو أخطأ.
القرقيعان
كما تطرق د. العجيري إلى عادة لايزال أهل الكويت حريصين على إقامتها وإحيائها منذ عصور، ألا وهي «القرقيعان»، مشيرا إلى أنها في السابق كانت محددة في 3 ليال فقط وهي 13 و14 و15 رمضان، لافتا إلى أنه لم يكن يقام القرقيعان إلا في تلك الليالي الثلاث من الشهر، وذلك لأنها الليالي التي كان يكتمل فيها القمر ليضيء الشوارع لعدم وجود الكهرباء، بينما تكون الشوارع مظلمة في معظم الليالي الأخرى.
وتابع قائلا: كلمة قرقيعان مستمدة من «القرقعة»، حيث كان الأطفال يأخذون الأواني ويقرقعون بها أمام البيوت ليحصلوا على الحلوى والمكسرات وغيرها.
أما عن العادات المنسية في ذلك شهر الفضيل فقال العجيري إنه في أواخر رمضان افتقدنا عادة في غاية الأهمية، ألا وهي زكاة الفطر، فعلى الرغم من استمرار أهل الكويت على توزيعها، إلا أنها لم تعد ظاهرة وواضحة ولا تحمل أيضا بريق الماضي بل اندثرت، مشيرا إلى أنه للأسف يقوم راعي البيت في وقتنا الحاضر بعد أفراد أسرته من ثم يخرج الزكاة ويوزعها على الجمعيات الخيرية دون علم الأهل والأطفال أو مشاركتهم هذه الفرحة بإخراج الزكاة.
وتابع قائلا: «أما في زماننا فكانت تحمل كل معاني البهجة، فكان ميزان الدكان يجوب جميع البيوت ليتهافت الأطفال على إحضاره لمنزلهم أولا، ليقوم راعي البيت وسط حضور جميع أفراد الأسرة التي تبدأ بالتكبير والتهليل ومن ثم وزن التمر أو القمح أو الأرز، لتقوم ربة المنزل بعد ذلك بإرشاد الأطفال لتوزيع الزكاة على البيوت المحتاجة، وسط فرحة وبهجة تعم جميع أرجاء «الفريج».
«العارية» ترابط وتعاون
وأضاف أنه من العادات التي يخجل الكويتيون حاليا من إقامتها عادة «العارية» التي انقرضت في وقتنا الحالي بينما كانت دليلا واضحا على ترابط وتعاون النسيج الكويتي في الماضي.
وأوضح العجيري أن «العارية» هي عادة اجتماعية لاستعارة المقتنيات والأشياء قبل قدوم العيد للانتفاع به من ثم ردها مرة أخرى، حيث تتجمع البيوت فيما بينها ليحضروا مقتنياتهم وأغراضهم الثمينة التي لا تتواجد في بيوت ومنازل الآخرين، ليتبادلوها فيما بينهم، لافتا إلى ان الرحايا المخصصة للطحين والقمح ومقتنيات المنزل وأمورا أخرى كثيرها تبادلتها نساء الكويت لحاجتهن لها.
وفيما يتعلق بالرجال ومشاركتهم لهذه العادة أيضا، قال: «الرجال أيضا حرصوا على إقامة هذه العادة، فكان الرجل الذي لا يملك بشتا لصلاة العيد يستعير من جاره البشت ليؤدي صلاة العيد به، ليصل الأمر إلى المعاونة والمساعدة في حالة قيام أحدهم بتجديد سقف بيته أو بنائه، وهو ما جعل أهل الكويت متواصلين متحابين فيما بينهم لا يفرق بينهم أحد، فأنا نفسي استعرت ذهبا من أحد الجيران في عرس أختي».
الفرحة الأكبر
وانتقل بعد ذلك للحديث عن الفرحة الأكبر، ألا وهي الفرحة بحلول عيد الفطر المبارك الذي كان للأطفال النصيب الأكبر من تلك الفرحة، إذ يتسابقون لشراء الملابس الجديدة والتي كانت عبارة عن «الدشداشة» فقط، والفساتين للبنات، لافتا إلى ان تلك الملابس لا تفارقهم منذ شرائها، حيث كانوا يضعونها تحت «المخدة» ليتأكدوا من وجودها قبل النوم استعدادا لارتدائها صباح العيد.
أما عن وقت صلاة العيد فكان يعرف موعدها من خلال المدفع أيضا الذي يسمع صوته في جميع أنحاء الكويت، ليبدأ أهل شرق بمباركة أهل القبلة ومن ثم يقوم أهل القبلة برد التبريكات أيضا، وتنهال التهاني والبهجة في جميع أرجاء الكويت.
وأضاف: كانت النساء أيضا تستعد وتحتفل بالعيد إذ يتجمعن فيما بينهن لرسم الحنة الحمراء ابتهاجا بقدوم العيد، بينما كان يزيد البعض منهن بوضع مادة أخرى غالية الثمن على الحنة لتصبح الحنة أكثر سوادا ويتباهين فيما بينهن بالنقوش المرسومة وجمالها.
العيدية وبلاع البيزة
وبسؤاله عن العيدية ووسائل الترفيه لدى الأطفال في ذلك الوقت أشار إلى أن عملة الكويت كانت الروبية، وكان الأطفال يحرصون على جمع «البيزات»، بينما كان هناك الكثير من الرجال الأكثر حرصا على الحصول على أموال الأطفال، فكانوا يأجرون لهم الحمير المستخدمة في نقل البضائع والماء ليمشي بها الطفل إلى مسافات قصيرة ويعود مرة أخرى، ليحصل الرجل بذلك على مقابل مادي من الطفل وعلى الرغم من قصر المسافة إلا أن الحمار كان وسيلة ترفيه ومصدر سعادة للأطفال في العيد قبل انتشار السيارات.
وقال العجيري إن من وسائل الترفيه في ذلك الوقت أيضا «بلاع البيزة» والتي كانت مجرد لعبة على شكل إنسان يقوم الأطفال في العيد بوضع الأموال في فمها ليقوم بلاع البيزة بإطلاق الشرار والألوان من عينه ليضحك الأطفال من الحركات التي تقوم بها اللعبة، وعندما يعود إلى المنزل يسأله والداه: «وين بيزاتك؟» فيجيبهم قائلا: أكلها بلاع البيزة.
وتابع قائلا: «وأتذكر أيضا من وسائل الترفيه في ذلك الوقت أن هناك أحد الرجال كان يمتلك سيارة لوري يقف بها أمام الصفاة، في وقت لم تكن تنتشر فيه السيارات بعد، ليجمع من الأطفال البيزات ويدور بهم لمسافة قصيرة، وكان الأطفال «يستانسون» أيضا بهذه الرحلة في ظل عدم انتشار السيارات».
بناء سور الكويت الثالث في رمضان
قال الباحث الفلكي د.صالح العجيري: إن الكويت شهدت الكثير من المواقف والأحداث التاريخية الفاصلة في هذا الشهر الفضيل، مشيرا إلى أن الكويت شهدت الكثير من الحروب في رمضان ولكن جميعها مرت بسلام، لافتا إلى أن من أبرز الأحداث التاريخية والإنجازات العظيمة لأهل الكويت قديما في رمضان هو بناء السور الثالث.
وأوضح انه تم بناء السور الثالث لحماية الكويت من أي اعتداءات خارجية، مشيرا إلى أنه تم بناؤه في رمضان من عام 1920، حيث كان خير دليل على تكاتف الكويتيين الذين شاركوا جميعا في البناء، لافتا إلى أن أهل الكويت خلال فترة بناء السور كانوا يصومون بالنهار ويخرجون بعد المغرب للعمل في بنائه.