الحياة كفاح وعمل، فالإنسان خلق لتعمير الكون، ولا يكون ذلك إلا بالعمل والجد قال تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى.. النجم ٣٩ - 41)، وجيل الآباء لم يتمتع بمستوى الرفاهية التي توافرت للأبناء، فمباهج الحياة الآن كثيرة ومتنوعة من ملابس جميلة وسيارات فارهة ومطاعم منوعة إلى جانب التطور التكنولوجي السريع، وأبناؤنا ولله الحمد حصلوا على مستوى تعليمي عال ليدخلوا سوق العمل ويبدأ دورهم في عجلة الحياة والتنمية وبعضهم حصل على درجات علمية مميزة وتوافرت لهم فرص عمل جيدة.
والملاحظ للأسف كثرة تذمر الشباب والشابات من أعمالهم ورغبتهم في التغيير من مركز عمل لآخر مرة ومرتين وأكثر، وهذا حق طبيعي لا ننكره عليهم، ولكن الأسباب الغالبة التي أسمعها عند مناقشتي لهم أنهم لم يجدوا أنفسهم في مجال عملهم ويرغبون في التغيير لعل وعسى يجدوا ذواتهم ولهم حجج قوية وفصاحة في الدفاع ما شاء الله عليهم.
إن نغمة البحث عن الذات وأداء ما يحب الإنسان عمله نغمة جميلة جدا ولكن هل يمكن تطبيقها دائما؟ للأسف ان بعض المناهج المنتشرة حاليا تعطي صورة غير حقيقية لسهولة النجاح في الحياة وتحقيق الاحلام الشخصية وكأن الانسان يحمل عصا سحرية تمكنه من النجاح والثراء عند تحقيقه لوهم البحث عن الذات، وعلى أبنائنا الغاليين على قلوبنا إدراك حقيقة أن بحثك عن ذاتك لا يهم أحدا غيرك ولا تتوقع أبدا أنك ستجد من يستمع لشكواك دائما أو يتحمل تذمرك المستمر من فشلك وعجزك عن العثور على ذاتك الضائعة، وعليك مراعاة أن دور والديك ينتهي ببلوغك لمرحلة العمل فهم بحاجة للراحة والاستمتاع بما تبقى من حياتهم بسكينة وراحة، واستمرار دعمهم المعنوي لأبنائهم لا يعني أبدا أن تكون مصدر ألم جديد لهم، فالجميع الآن يتوقع منك ان تنجز شيئا في حياتك وتجتهد لتصل الى النجاح في دراستك او عملك. فأنت وحدك من يتحمل نجاحك وفشلك.
نحتاج في حياتنا إلى مرآة كبيرة نرى فيها أنفسنا بوضوح وصدق وبدون أي رتوش مصطنعة، فإن كان الإنسان مدركا لقدراته وواعيا لأهدافه ويسعى بصدق للوصول إلى هدفه مهما كانت العوائق ويبذل قصارى جهده لتحقيق النجاح فهو إنسان واع ونتمنى له النجاح والتوفيق، ولكن اذا كان الإنسان غير واع لقدراته أو كانت أهدافه كبيرة وأعلى من إمكانياته أو كان متكاسلا في تحقيق طموحاته فماذا سيكون وضعه؟ سيكون شخصا متأففا بشكل دائم ينتقل من عمل لآخر ولا يرضى بأي واقع يكون عليه ولن يحقق النجاح المرجو وسيظل يدور في دائرة البحث عن الذات.
تذكر أحدث تقارير البطالة في الكويت (بيان ديوان الخدمة المدنية 20 أبريل 2015م) أن عدد العاطلين عن العمل قد بلغ 17269 نسمة منهم 3236 من الذكور بنسبة 18.7% و14033 من الإناث بنسبة 81.3% وهو عدد كبير بالنسبة للكويت، نصيحتي لأبنائنا هي أن الحياة لم تعط أحدا من البشر كل شيء والمثل الكويتي القديم «الزائد أخو الناقص» وعلينا أن نتعلم كيف نتقبل العيش تحت أي ظرف، ليس من الضروري أن تعجبنا حياتنا أو عملنا، إنما الأهم كيف نستطيع أن نتعايش مع الواقع أيا كانت ظروفه، فأجدادنا لم يحبوا أن يعيشوا حياة التعب والكد في الغوص على اللؤلؤ والتجارة ولكنهم تعايشوا مع واقعهم فأبدعوا وبرزوا في أعمالهم وسجل لهم التاريخ نجاحهم وتركوا بصمة رائعة نتذكرها دائما وبفخر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه».
السعادة حلم يتمنى الجميع تحقيقه وتحقيقك لذاتك لا يعني أبدا أنك قد وصلت للسعادة المرجوة، فقد يكون طريقك طويلا وقد تتعرض لمعوقات تحول بينك وبين ما تنشده، فالخطأ أمر وارد جدا في حياتنا وبدلا من أن نندب حظنا علينا ان نعترف بأخطائنا ونتعلم منها، وجدير بالاشارة أن الحياة التي نراها في وسائل السوشيال ميديا وفي الأفلام والمسلسلات ماهي إلا صورة وهمية لا تمثل أبدا الحياة الحقيقية، فالحياة تكون بالسعي والاجتهاد والعمل. وعندما نتقبل واقعنا الذي نعيشه ونسعى بتدبر وحرص وصبر فسنطور ذواتنا وسننجح في التغلب على المصاعب التي تواجهنا وفي نهاية المطاف سنصل ونتفوق ونصل للنجاح الذي يرضينا.
[email protected]