لا تكاد تخلو ذاكرة إنسان من تجارب مريرة يود لو أنه استطاع محوها من ذاكرته، فكم من الذكريات التي تحمل في طياتها خيبات أمل إثر ثقة مفرطة بحسن الظن، أو تنكر لجميل وغياب وقطيعة بعد نيل مصلحة، وربما خيبة بسبب التواضع والمبالغة بالتقدير والاحترام ليتحول فجأة ما تقوم به من التواضع حق له وواجب عليك محتم، فإذا أنت بإزاء كبر وغرور لا مبرر له إلا ما سبق من تواضع منك لمن لا يستحق، وقد تضطرك الظروف ونكبات الدهر بأن تقصد شخصا ما لم تجد سواه في قائمة الشهامة والنبل والمروءة ثم ترجع عنه وهو عندك في ذيل قائمة الخيبات، وهكذا تتعدد الأسباب والألم واحد، ولكنك مع جرعة ألم تكتشف الحياة وتعرفها حق المعرفة وتتأكد عند اليقين بأنها لا تخلو من الغدر والمكر والدجل والنفاق ومن لا ضمير له ولا ذمة، وهو الأمر الذي يجعلك أقوى وأذكى وأشد حذرا، كما أنه يجعلك أنبل وأكرم وأفضل لأنك ترى تلك الذكريات في غاية البشاعة ولا يمكن بحال الرضا بأن تصيبك ذرة من تلك القذارات والأوساخ، بل إن تلك الخيبات قد تجعل أحوال بعض الذين تجرعوا مرارتها تتحول إلى ما لم يخطر ببالهم من النجاح والسعادة، وقديما قيل: رب ضارة نافعة.
عليك أن تتعلم من تجارب الحياة والتي ستعثر فيها حتما ما دمت تسير فيها وتلتقي الناس، وعوضا عن تكرار التجارب السلبية استثمر تلك المواقف المخيبة لتحيي بها قلبك ولتضيء بها بصيرتك ولتسمو بها روحك، ومهما حدث لا تسمح للظروف أو الفضول أو لأي سبب كان أن يجرك إلى تكرار تجربة مؤلمة أو سخيفة.
وأما أولئك القلة الذين كانوا فوق حسن ظنك وأجمل مما كنت تظن، فكن معهم أجمل وأفضل وأكمل، وتعلم منهم أن تكون مختلفا ورائعا مهما كان الواقع بشعا، وأن الدنيا لا تخلو من الإنسانية النقية مهما امتلأت بالممسوخين من البشر.
[email protected]