Note: English translation is not 100% accurate
المربع
15 أغسطس 2014
المصدر : الأنباء
بقلم : محمد الزعبي
ثمة أسس كثيرة وقواعد شتى لعمارة الأوطان وبناء الإنسان، ومنذ بدء التجربة الإنسانية الشاملة في تشييد الحضارات الممتدة والمقصورة لم تتبدل هذه القواعد، وإنما ظلت كما هي وإن دخل عليها التطور مثل غيرها، لكنها تشبثت بأصلها لكونها تحمل في طياتها الفاعلية كقاعدة مجردة ثبت نجاحها مرارا عبر عشرات العقود، وعاينت الطبقات الحاكمة عبر التاريخ مدى إسهامها الكبير في تثبيت أركان الحكم واستمرارية الدولة، وتوافر هذه القواعد لا يعني بحال خلود الدولة وديمومتها، فقد قضت سنة الله تعالى في كونه أن لا بقاء لأحد، لكنها سبب لنجاح الأمم حتى يأتي عليها أمر الله الذي لا مرد له، ومن دونها يصبح الفشل واقعا والزوال محتما والأمر لله تعالى من قبل ومن بعد.
إحدى هذه القواعد التي عليها مدار النجاح وربما التفوق على بقية الحضارات هو عامل الثراء ومدى توافر المال وقوة الاقتصاد الذي يجلب معه رغد العيش ومن ثم ركون الناس إلى الدعة والهدوء والرضا عن الحكم، وهو الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى استقرار الدولة وانصرافها إلى استكمال بنائها الداخلي والتفرغ لمواجهة الأخطار الخارجية إن وجدت يدعمها في ذلك سلامها البيني ومتانة جبهتها الداخلية، ففقر الدول يمنع من نجاحها وربما يكون عدوا لاستقرارها لأن العامة من الناس تريد دوما ضحية ولو بريئة لاستفراغ سخطها على أوضاعها الداخلية الرديئة وتنشد التغيير لمجرد التغيير لا لأجل أوضاع أفضل.
أحد أهم إخفاقات الدول- حتى مع توافر الثراء الفاحش- الإدارة غير الفاعلة والتي تضع الأمور في غير نصابها، فالإدارة المترنحة تضيع المال ولا تحسن حمايته عبر استخدامه الاستخدام الأمثل، كما أنها تستخدم الأشخاص الذين هم على شاكلتها فيهدمون جهود البناة السابقين ويتسارع تدهور الدولة، وعلى ذلك فالإدارة الناجحة هي التي تعرف تمام المعرفة ما الناس بحاجة إليه في معاشهم ومن ثم العمل على جعله واقعا حتى قبل أن يطالبوا بذلك، والأهم من هذا كله أن تحافظ على الأموال العامة التي هي عصب الدولة وحياة أفرادها من امتداد الأيدي إليها واستثمارها في مواضعها الصحيحة، واستعمال المؤهلين من الأشخاص من ذوي الخبرة والكفاءة ونظافة اليد.
القوانين الواضحة الصريحة والتي توافق متطلبات العصر وتلامس روح المدنية وتكون نافذة على الصغير والكبير وتجعل مصالح الدولة تسير تلقائيا بتناغم وسلاسة وتحفظ النظام هي من القواعد المتينة لبناء الدول وحضاراتها، لذا نجد عند استعراضنا لتاريخ الحضارات السابقة المزدهرة كالإغريقية والرومانية والإسلامية وحتى الهمجية منها كالمغولية أنها وضعت قوانين تسير عليها ودساتير ترجع إليها لأنها الفيصل عند الاختلاف وتعارض المصالح، كما أنها تمنع من السلطة المطلقة والتي هي بالضرورة مفسدة مطلقة، فضلا عن أنها تحارب الاستبداد والاستئثار بالأموال إذا ما صيغت الصياغة الجامعة والمانعة، وأعني هنا القوانين التي تقوم على المصلحة العامة لا أهواء الأفراد المتبعة والتي هي على النقيض من مسمى الدولة.
سياسة الثواب والعقاب سياسة أثبتت نجاحها على مدى التاريخ الإنساني الطويل، فالمثاب يدعوه الثواب إلى المزيد من العمل والإخلاص والتفاني، والعقاب يمنع من تسول له نفسه الخروج عن الطريق السوي وخيانة الأمانة، والتساهل في الأخذ بهذه السياسة يعني جعل المخلص والخائن سواء وبالتالي تخاذل المخلص وربما إفساده وتعني أيضا ترك الحبل على الغارب ليفعل الخائن ما يشاء، والتداعيات الخطيرة للتساهل مع المذنب وعدم تقدير جهود العامل المخلص أوضح من أن تذكر أو حتى يشار إليها لكنها بلا ريب تذهب بالدولة وريحها وتغدو قبلة للخائنين وملعبا للفاسدين من العالمين.
هذه القواعد يكمل بعضها بعضا وترتبط ارتباطا وثيقا فيما بينها، فالإدارة الناجحة على سبيل المثال تجلب معها الرخاء، وتحسن وضع القوانين وتجعل من سياسة الثواب والعقاب شعارا لها، ولك أن تشمل الإدارة المترنحة بنقيض الأشياء المذكورة آنفا، كما يحسن القول من أن أسس النجاح في إدارة الحضارات والدول كثيرة، والحديث هنا مقتصر على بعض من أهمها.mahd_alzubi@