ليس على سبيل النظرة الإقليمية الضيقة، ولكن من باب القضية الوطنية الأوسع، يفترض بنا ألا نجعل قضية توطين الوظائف من القضايا الموسمية التي تظهر مرة ثم تختفي مرات.
لاشك أنه لا توجد دولة في العالم بإمكانها تسيير عملية التنمية بفكر محلي فقط، فكل التجارب البشرية الناجحة عبر التاريخ، كانت مزيجا من «تلاقح الأفكار» بين أبناء الوطن من جهة وخبرات خارجية من جهة أخرى، ولدينا في الكويت تجارب مهمة عن اشتراك العقول الوافدة في عملية البناء، لذلك لن نغمس ريشة قلم هذه السطور بأي شكل من أشكال الجحود، ولكننا سنتحدث من زاوية علمية صرفة عن عملية «تكويت الوظائف»، في ظل ظروف دولية متأزمة، أصبح فيها كل بلد يقول عن نفسه «أنا أولا».
في نظرة متفحصة، لا تحتاج إلى كثير من التأمل، ندرك أن اقتصاد العالم، وعلى الرغم من عولمته، إلا أنه يحتمل التأويل نحو الأنانية، وهو ما يعرف بـ«مصالح» الدول سواء البراغماتية منها المشروعة أو غير المشروعة، وبالتالي فالنوايا الحسنة لن تقنع قطار الخبز بأن ينتظر أحدا على رصيف الحياة. وهو ما يجعلنا نسعى كغيرنا إلى تأمين مقدرات المواطنين وأقواتهم بتعليمهم الصيد بدلا من إعطائهم كل يوم سمكة. وهذا يأتي من خلال توظيفهم سواء بالإحلال، أو بإيجاد فرص جديدة لهم، ونحن نؤمن بنظرية التدرج في هذا المجال، فهو أفضل من الحل الراديكالي أو التحول السريع، وهناك من بدأ في هذا الإطار وحقق نجاحا ملحوظا، فقد عملت بعض دول الخليج على وضع السياسات والتطبيقات العملية لزيادة شريحة المواطنين في قوة العمل، وتخفيف الاعتماد على المهارات الخارجية، وقد نجحت في هذا المسعى، مثل مملكة البحرين وسلطنة عمان.
وثمة خطان لابد من المرور بهما لتحقيق نجاح التوطين أولهما وضع خطط عملية من قبل الدولة والمباشرة فيها بعيدا عن مطبات البيروقراطية، الأمر الآخر تأهيل المواطن نفسه لتقبل فكرة الأعمال الصغيرة، وإضفاء صبغة الأهمية على دور هذه الوظائف في التنمية، وبأنها ليست هامشية، وذلك من خلال خلق الحوافز والنظر باحترام إعلاميا وإداريا واجتماعيا لهذه الوظائف، وهو المنهج الذي اتبعته بجدية سلطنة عمان قبل سنوات قليلة مضت، ووصلت فيه إلى مراحل متقدمة لأن الأمم والشعوب لا تتطور إلا بأبنائها، لا ثرواتها فقط.
وقد نحتاج إلى تفعيل أكبر لدور برنامج إعادة الهيكلة، حيث تتضارب الإحصائيات فيشير بعضها إلى إن نسبة التكويت في بعض الشركات وصلت إلى نسبة 55 %، وبعضها يضاعف هذا الرقم، في ظل عدم وجود شفافية من الشركات في هذا الخصوص. ولكن في كل الأحوال، كيف لنا أن نرتقي بهذه النسبة في ظل ما يتردد عن عزم بعض شركات القطاع الخاص والبنوك إنهاء عمل عدد كبير من الموظفين الكويتيين. الأمر الآخر لابد من تفعيل دور ديوان الخدمة المدنية المتعلق بتكويت الوظائف الحكومية الذي كانت بدايته عام 1997 والذي أسفر حتى الآن عن توفير آلاف الوظائف.
من هذا المنطلق تبرز أهمية مشروع ملتقى «كويتي وأفتخر» الذي بلغ الثالثة من عمره هذا العام، وهو مشروع يمسك بشمعة وسط رياح متلاطمة ليصل بها إلى شريحة متميزة من الشباب فيسلط الضوء على مواهبهم. ومن تابع منتجات هؤلاء في معارضهم يدرك أن نواة الابتكار موجودة لدى هؤلاء الشباب ولكنها تحتاج إلى من يبذرها في باطن هذه الأرض الطيبة، وإلى من يسقيها. ولكن السؤال: متى نبدأ؟
[email protected]