هي ليست قضية قامات وهامات، فالكتابة حق مشروع والرأي حرية، والحرية ضرورة.
ومن علا قدره في عالم الصحافة والكتابة، قد لا يعلو شأنه كإنسان، بل ربما العكس يكون هو الصحيح.
لا عصمة لكاتب ولا أسوار تطوقه وتمنع حذفه بحرف او كلمة ناعمة أو جارحة.
وقبل يومين توفي محمد حسنين هيكل النجم الساطع في عالم الصحافة العربية وربما العالمية على مدى ما يقرب من سبعة عقود من الزمن.
قيل عنه الكثير والكثير، وألفت فيه القصص والروايات، ولعل أشهرها «الرجل الذي فقد ظله» لمؤلفها «فتحي غانم» والتي تدور تفاصيلها حول شخصية «هيكل» أو «محفوظ عجب» الشاب الانتهازي الوصولي المكيافيلي، الذي ينبطح وينسطح من أجل بلوغ هدفه أيا ما كان الثمن.
هو هيكل ولا شك أكبر الصحفيين العرب وأهمهم وأكثرهم تأثيرا ولعبا في عقول الشعوب العربية. فقد كان مؤسسة ولم يكن فردا، وربما كان دولة ولم يكن مؤسسة.
سخر له جمال عبدالناصر كل الدولة المصرية وجعلها طوع بنانه، فرسم هو «عبدالناصر» من ألفه إلى «يائه».
كان الوحيد من خارج تنظيم «الضباط الأحرار» الانقلابي الذي كان يحضر اجتماعاتهم قبل الانقلاب، وهو ما أثار حفيظة «محمد نجيب» قائد التنظيم.
كتب وقيل الكثير حول الشبهات التي تحيط بحياته وبسلوكه الإنساني والصحفي.
كان يتسول ويتوسل، فلما يبلغ مراده يتنكر ويلقي الشباك على من أحسن إليه فيصيده كفريسة يتلذذ بعذاباتها وهو الذي بالأمس كان يقبل أياديها وأقدامها.
هكذا فعل بولي نعمته «مصطفى أمين» فوشى به عند عبدالناصر الذي دبر له تهمة الجاسوسية للأميركان فألقى به في غياهب السجن.
إن الموت لا يمحو خطايا الميت، فكل ميت يحمل معه إلى قبره خطاياه كلها وتاريخه كله.
الموت ليس تنزيها لمن يموت ولا يحول أسوده أبيض، ولا يغطي تاريخه بالزهور والورود ولا يرشه بماء الورد.
كان هيكل معاديا لنا هنا في دول الخليج وهو الذي رسم لعبدالناصر طريق كراهيتنا.
نكرهه لذلك، ونكرهه أكثر لطبيعة شخصيته ورذائله الإنسانية.
وها أنا قد ذكرت محاسنه قبل سيئاته، أقول ذلك لمن سيقرأ ويقول: اذكروا محاسن موتاكم، وأيضا اطلب له الرحمة
[email protected]