Note: English translation is not 100% accurate
في العدد الجديد من صفحة "رابطة الشريعة": الشيخ د.عجيل النشمي يكتب عن الوطن والمواطن حقوق وواجبات
28 مارس 2012
المصدر : الأنباء
كلمة العددالوطن والمواطن حقوق وواجبات
الشيخ د.عجيل جاسم النشميرئيس رابطة علماء الشريعة بدول مجلس التعاون الخليجي
حدثنا الله تعالى كثيرا عن الذين كفروا فقال (ومكروا مكرا كبارا) وقال (وإذ يمكر بك الذين كفروا) وقال سبحانه (ويمكرون ويمكر الله) وقال عز وجل(إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا) وقال عز من قائل (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) وهذه النصوص تقتضي عزيمة الكفار على التربص بالمؤمنين واسقاطهم والتلبيس عليهم من كل باب، ومن أبواب التربص التي يحيكونها في الليل والنهار ما يجري في بلاد المسلمين من ثورات قامت تنادي بدفع الظلم واقامة العدل فحصل من وراء ذلك من البر والمعروف ما هو ظاهر لكل أحد، فغاظ ذلك الذين كفروا فعكفوا يخططون لإفشال كل ثورة وكانوا يدورون حول ثلاثة أهداف:
تحريف هدف الثورة وحصره في المال فقط.
افساد ذات البين وزرع الخلاف وبث الفرقة بينهم.
التحالف مع المنافقين الذين يقيمون الظلم ويطمسون العدل.
فإن عجزوا عن بلوغ مكرهم انتقلوا إلى المكر بالمرحلة الانتقالية فموهوا للأغبياء وأظهروا لهم رضاهم عن الديموقراطية فجعلوهم يتسابقون لنيل المناصب السياسية مع جهلهم بقواعد صناعة الحضارات فأشغلوهم سنين عددا بالقضية الاقتصادية حتى اذا امتصوا غضب الشعوب وسكنوا ثوراتهم انتقلوا للمرحلة الأخيرة وهي مرحلة الاستقرار فوضعوا قوانينهم وجعلوا هذه الدول تابعة ظاهرا وباطنا لهم. هذا مكرهم ولكنهم لا يفعلون ما يريدون ويريدون ما لا يفعلون والله خير الماكرين.
قضايا معاصرة
بقلم د. حاكم المطيري
سالة إلى الثوار الأحرار في العالم العربي (1 - 2):
الثورة الأخلاقية شرط النهضة الحضارية
أيها العرب الأحرار، والثوار الأبرار، في العالم العربي من الخليج إلى المحيط..
إنكم اليوم وأنتم تصنعون المجد، وتحيون الأمل، وتبعثون الحرية في نفوس شعوبكم من جديد، وتخطون طريق المستقبل بعزيمتكم الصابرة، وبمداد دمائكم الطاهرة، من أجل واقع سياسي عربي أفضل، بثورتكم العربية التي ضربت أروع المثل في سلميتها وإنسانيتها وتحضرها، في مقابل طغيان الطغاة وفجورهم وشدة بطشهم وإجرامهم وتخلفهم..
أيها الثوار الأحرار..
إنكم وأنتم تصنعون ذلك وتستقبلون عهدا جديدا لفي أشد الحاجة إلى مراجعة النفس والصدق معها ومحاسبتها، لمعرفة كيف بلغ الطغيان في أمتنا هذا الحد حتى سالت دماء الأبرياء أنهارا، وانتهك الطغاة أعراض الحرائر مرارا وتكرارا، وتحول العالم العربي إلى إقطاع لعصابات إجرامية، ما كان لها أن تحكم أو تسود لولا أن الأمة قد أصيبت في أخلاقها بمقتل.
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم.... فأقم عليهم مأتما وعويلا!
أيها العرب الأحرار..
إذا كانت الثورة العربية اليوم ضرورة فرضها الواقع السياسي بعد انحطاط دام ثلاثين سنة، فإن الثورة الأخلاقية التي يجب أن تواكب الثورة السياسية ضرورة يفرضها الواقع الاجتماعي، وشرط للنهضة الحضارية المنشودة، فالعرب اليوم أحوج إلى ثورة أخلاقية منهم إلى ثورة سياسية ـ قد تعود بعدها أوضاعهم إلى سابق عهدها ما لم يواكبها ثورة إحيائية روحية وأخلاقية ـ يرتقي بها الإنسان العربي إلى مقام الشهود الحضاري الذي عبر عنه قوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)!
إن للقيم الروحية والأخلاقية مكانتها في كل الأديان السماوية والفلسفات الوضعية، وكما جاء في الحديث «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ولهذا كانت القيم الإنسانية النبيلة في كل الأمم هي من آثار النبوة كما جاء في الحديث الصحيح «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت».
إن خطورة القيم الأخلاقية تكمن في كونها هي الحد الفارق بين الطبيعة الإنسانية والطبيعة الحيوانية، فالإنسان بلا خلق ولا دين إما وحش كاسر أو ذئب غادر أو ثعلب ماكر أو قرد عاهر، وهو ما تجلى في أوضح صوره في سلوكيات أكثر الرؤساء العرب مع شعوبهم قبل الثورة وبعدها.
أيها العرب الأحرار..
لقد كان للانحطاط السياسي الذي عاشه العرب في عصورهم الأخيرة، أسباب اجتماعية خطيرة، تحللت فيها القيم الأخلاقية حتى ساد المجتمع العربي في عامة دوله أراذله، وساسه سفهاؤه، كنتيجة طبيعية لشيوع سلوكيات تتنافى مع كل معاني الصدق والشجاعة والحرية والمجد والمروءة والشرف، التي لا يمكن للمجتمعات الإنسانية أن تنهض من كبوتها دون أن يتحقق لها قدر من تلك القيم الكريمة.
لقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة من إمارة السفهاء وأبرز صفاتهم كذبهم على الله وعلى الناس، وظلمهم للعباد، كما في مسند أحمد بإسناد صحيح «أعاذك الله يا كعب من إمارة السفهاء، قال وما إمارة السفهاء؟ قال أمراء يكونون بعدي لا يقتدون بهديي ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون عليّ حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم».
لقد كان لكل الأمم والشعوب التي نهضت في سلم الحضارة من القيم الأخلاقية ما حفزها على بلوغ ما تصبو إليه، بل إن أساس الحضارة الإنسانية الأول هو القيم الأخلاقية، فالإنساني مدني بطبعه ولا يتحقق له العيش في الجماعة إلا على أساس سلوك يحقق الألفة والتعاون والاجتماع الإنساني، كالمحبة والإخلاص والصدق، لتستقيم به حياتهم، وكل الحضارات الإنسانية القديمة والمعاصرة لم تحقق نهضتها إلا بشيء من ذلك، وقد أدرك عمرو بن العاص داهية العرب وأمير مصر سر قوة الروم وظهورهم فقال عنهم كما في صحيح مسلم «إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك».
فالحلم والصبر والرحمة والإحسان إلى الضعيف واليتيم والامتناع من ظلم الملوك كلها صفات إنسانية نبيلة، وهذه حضارة أوروبا واليابان اليوم يحل فيها الصدق في سلم القيم الحضارية لدى شعوبها، فالصدق في المعاملة فيما بينهم من أبرز صفات تلك الأمم، وقد بلغ بهم الحال أن تسقط الحكومات ويستقيل الوزراء حين يقع منهم ما يخل بتلك القيم، وكم من حكومة أو رئيس سقط لعثرة سقطها، أو كذبة كذبها، أو فضيحة أخلاقية اقترفها كتحرش جنسي ونحوه، في الوقت الذي تظهر الجرائم الأخلاقية التي يندى لها الجبين لرؤساء ولملوك عرب وبالصوت والصورة دون أن يحدث ذلك أدنى هزة سياسية لدى شعوبنا!
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت... فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا!
لماذا تهتز أوروبا وأميركا لوقوع المسؤول السياسي في فعل يخل بالشرف كأخذ رشوة أو تحرش جنسي أو استغلال للمنصب..الخ، بينما يقع من المسؤولين العرب أبشع الجرائم الإنسانية الأخلاقية، كهتك الأعراض، وسفك الدماء، ونهب الأموال، دون أن يعرق لها جبين أو يخشوا من حساب أو عقاب أو يتصدى لهم عالم أو مفكر؟! لقد جاء في الحديث ـ والواقع أصدق شاهد ـ ما يؤكد التلازم بين شيوع الفاحشة والظلم وانهيار المجتمعات، قال النبي صلى الله عليه وسلم «وما جار قوم في الحكم إلا كان البأس والقتل بينهم»، وقال «وما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع»، وجاء في الحديث الصحيح «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم».
أيها الأحرار الأبرار..
إن العالم العربي ظل يعيش منذ عقود أزمة أخلاقية تشكلت في ظل أنظمة حكم فاسدة، مارست ورعت الفساد بكل صوره، حتى ساد الأمة أشرارها وسفهاؤها كما في الحديث «يأتي على الناس سنون خداعات: يصدّق الكاذب، ويكذّب الصادق، ويؤتمن الخائن، ويخوّن الأمين، وينطق الرويبضة: الرجل الفاسق أو التافه يتكلم في أمر العامة».
لقد كشفت الثورتان المصرية والتونسية وما جرى من محاكمات ابتدائية مدى الفساد والانحطاط الذي استشرى في العالم العربي، فرئيس يتاجر بالمخدرات، وآخر يرتشي من الصفقات، ورئيس مجلس شورى يتهم باختلاسات، ووزراء متورطون في الفساد المالي والأخلاقي..الخ، فكيف وصل هؤلاء للحكم؟ وكيف بقوا كل هذه المدة؟ وكيف طبل لهم الإعلام والكتاب والمثقفون والشعراء والخطباء؟
إن من يقرأ ما ينشر، ويطالع ما يذكر عن الفساد في قصور الحكم ومؤسسات الدول في العالم العربي كله، يدرك أن الانحطاط والتخلف والضعف كان نتيجة طبيعية في ظل حكم هذه العصابات الإجرامية!
إن وجود مثل هؤلاء في الحكم مؤذن بفساد المجتمع وانحطاطه «فالناس على دين ملوكهم»، وكما في الأثر عن أبي بكر في صحيح البخاري حين سألته المرأة: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء به الإسلام بعد الجاهلية؟ فقال «بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم، قالت وما الأئمة؟ قال أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت بلى، قال فهم أولئك على الناس».
إن صلاح السلطة سبب في صلاح المجتمع، وفسادها سبب في إفساده، كما قال علي رضي الله عنه لعمر حين وضعوا بين يديه ـ وهو في المسجد يفترش الحصباء والتراب ـ كنوز كسرى بعد فتح فارس، فبكى وحمد الله وقال «إن قوما أدوا هذا المال لأمناء» فقال علي «عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت لرتعت رعيتك».
أيها الأحرار الثوار..
لقد سادت في العالم العربي، خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة طبقة سياسية حاكمة ـ تحت سمع وبصر ورعاية الاستعمار ـ هي الأسوأ أخلاقيا وسلوكيا في تاريخ العرب الحديث، فمقارنة بين الرؤساء والأمراء العرب قبل وبعد حقبة (كامب ديفيد) نجد البون شاسعا بين الفريقين، فلم يشتهر أحد من الرؤساء قبلها بالسرقة أو الإثراء غير المشروع، بل كانت نظافة اليد ونزاهتها أبرز ما في تلك الحقبة، حيث كان للرؤساء آنذاك هموم وطنية فكانوا يكابدون لتحقيقها لشعوبهم، ومع استبدادهم في السلطة، لم يعرف عنهم ولا عن أسرهم أنهم أثروا، بينما لا يكاد يوجد أحد ممن حكم منذ كامب ديفيد إلى اليوم إلا وقد اشتهر بالفساد الأخلاقي والثراء غير المشروع، وبتعزيز نفوذ أسرته وحاشيته وبطانته وزوجاته وأبنائه، كحال قطاع الطرق وعصابات المافيا، حتى صار هم كل رئيس وملك وأمير توريث ابنه الحكم والثروة.
وإذا كان «الناس على دين ملوكهم»، فقد أدت سيطرة هذه الطبقة الفاسدة على المجتمعات العربية إلى شيوع مساوئ الأخلاق في كل فئات المجتمع من كذب ونفاق وجبن وطمع ودناءة نفس وخسة طبع كما هي أخلاق هذه الطبقة وحاشيتها.
وقد جاء في الصحيح «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيمة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ملك كذاب»، وتكاد هذه الصفة تكون الأبرز في عامة الملوك والأمراء والرؤساء العرب خاصة في ظل حقبة عصر (كامب ديفيد) فأصبح كذب الرؤساء على شعوبهم، وكذبهم فيما بينهم، وكذبهم على العالم ظاهرة تحدث عنها المسؤولون الأجانب أنفسهم وأن الرؤساء العرب يقولون لهم شيئا ولشعوبهم شيئا آخر.
إن خطورة شيوع مثل هذا الخلق تكمن في كونه رأس كل خلق ذميم فمن كذب واستمرأ ذلك لا يمتنع عن النفاق الذي هو نقيض الإيمان الذي أساسه الصدق، ولا يمتنع عن الخيانة التي تنافي الأمانة التي تقوم على الصدق، ولا يمتنع عن الغدر الذي ينافي الوفاء الذي يقوم على الصدق، ولا يمتنع عن إخلاف الوعد الذي يقوم على الصدق، ولا يمتنع عن الحنث باليمين الذي ينافي الصدق وهذا معنى حديث «أربع من كن فيه كان منافقا إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أئتمن خان، وإذا عاهد غدر»، ولخطورة هذا الخلق الذميم جاء في الحديث (الكذب يهدي إلى النار ولايزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا)، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم أيكون المؤمن كذابا؟ قال «لا يكون المؤمن كذابا» أيها العرب الأحرار..
إنه لا يمكن للثورة العربية أن تؤتي أكلها وتحقق غايتها ما لم تنجح في خلق ثقافة جديدة تعاد فيها للقيم الأخلاقية مكانها في سلم أولويات الثورة، فقد كانت هذه المنطقة ولا تزال مهد الحضارة الروحية والأخلاقية، فمنها خرجت للعالم كله الأديان السماوية الثلاثة، وقيمها الأخلاقية، وستظل كذلك مهما وقع من ضعف طارئ، وهو ما يؤكد ضرورة استعادة المنطقة لهويتها ودورها الأخلاقي والإنساني من جديد، في عالم يعيش اليوم أزمة روحية وأخلاقية كبرى!
إن على كل عربي حر يؤمن بالثورة العربية ومشروعها، ويطمح لتغيير واقع العالم العربي نحو مستقبل أفضل، أن يشارك في الثورة الأخلاقية الروحية وأن يبدأ بنفسه (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، فيجب أن تتغير الشخصية العربية في ظل الثورة، فقد ولى عصر الجبن والخوف، فالسعادة محرمة على الجبناء، والحياة كرامة لا يستحقها إلا الأحرار، وقد ولى زمن الأنانية والأثرة وحب الذات والفردية التي طغت حتى استفرد الطغاة بالأحرار واحدا واحدا، فكم ذهب الى السجون من أبرياء، وكم قتل من شهداء، وكم هجر من أتقياء، في ظل سلبية المجتمع العربي تجاههم، وهو ما جاءت الثورة العربية لتغييره، فالثورة أحيت قيم العمل المجتمعي الجماعي الذي افتقدته الأمة طوال العقود الثلاثين الأخيرة.
(ومن يتوكل على الله فهو حسبه) (2)
د. وليد خالد الربيع
القرآن الكريم كلام الله عز وجل مليء بالحكم والأحكام، والفوائد والمواعظ، والقصص والأخبار، فهو منبع كل خير ومصدر كل فضيلة، وقد تنوعت أساليبه العربية البليغة في بيان تلك النفائس وصياغة أعظم المفاهيم بأسلوب رائع وجيز الألفاظ غزير المعاني. ومن الحكم القرآنية قوله عز وجل: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) الذي يدل على قوة الإيمان بالله تعالى وشدة الثقة به عز وجل.
قال الشيخ ابن السعدي: «(ومن يتوكل على الله) أي: في أمر دينه ودنياه، بأن يعتمد على الله في جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ويثق به في تسهيل ذلك (فهو حسبه) أي: كافيه الأمر الذي توكل عليه به، وإذا كان الأمر في كفالة الغني القوي العزيز الرحيم، فهو أقرب إلى العبد من كل شيء، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخيره إلى الوقت المناسب له، فلهذا قال تعالى: (إن الله بالغ أمره) أي: لابد من نفوذ قضائه وقدره، ولكنه )قد جعل الله لكل شيء قدرا( أي: وقتا ومقدارا، لا يتعداه ولا يقصر عنه.
قال الجرجاني: «التوكل هو الثقة بما عند الله، واليأس عما في أيدي الناس»، وقال ابن رجب: «التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار في أمور الدنيا والآخرة، وكلة الأمور كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه».
والتوكل على الله من أعظم واجبات التوحيد والإيمان قال الله تعالى: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين)، وبحسب قوة توكل العبد على الله يقوى إيمانه، ويتم توحيده، فعن ابن عباس أنه ركب خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف».
وعن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نزلت به فاقة أي حاجة شديدة فأنزلها بالناس أي عرضها عليهم وطلب منهم إزالتها لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أي اعتمد على ربه فيوشك الله أي يسرع له برزق عاجل أو بموت آجل» أخرجه أبو داود والترمذي.
وصدق التوكل وحسن الثقة بالله عز وجل لا يمنع من طلب الرزق والحرص على الغنى الحلال الذي يعين الإنسان على طاعة ربه وحفظ كرامته والاستغناء عن الناس، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيستغني بها خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» وقال أيضا: «ما أكل احد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يديه قال وكان داود لا يأكل إلا من عمل يديه».
وأخرج البيهقي بإسناده عن أبي بكر الصديق قال: «دينك لمعادك، ودرهمك لمعاشك، ولا خير في امرئ بلا درهم».
وقال الفضيل بن عياض لابن المبارك: «أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان الى البلد الحرام كيف ذا وأنت بخلاف ذا؟ فقال ابن المبارك: يا أبا علي أنا أفعل ذا لأصون بها وجهي، وأكرم بها عرضي، وأستعين بها على طاعة ربي، لا أرى لله حقا إلا سارعت إليه حتى أقوم به، فقال له الفضيل: يا ابن المبارك ما أحسن ذا إن تم ذا».
ولهذا قال الإمام أحمد: «ينبغي للناس كلهم يتوكلون على الله عز وجل، ولكن يعودون أنفسهم بالكسب، فمن قال بخلاف هذا القول، فهو قول إنسان أحمق» ، وقال أيضا: «الاستغناء عن الناس بطلب العمل أعجب إلينا من الجلوس وانتظار ما في أيدي الناس».
فما أعظمها من حكمة قرآنية تحمل المسلم على الثقة بالله بقلبه مع كمال السعي ببدنه وفكره ليحقق أعلى مراتب الإيمان والتوحيد، وبالله التوفيق.
أخبار العالم الأسلامي
ساركوزي يمنع الشيخ القرضاوي من دخول فرنسا
أعلن مساعد مقرب للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أن الحكومة الفرنسية ستمنع الداعية المصري الشيخ يوسف القرضاوي من دخول البلاد إذا قبل دعوة منظمة إسلامية لزيارة فرنسا الشهر المقبل.
وأوضح هنري جويانو مساعد ساركوزي أن الحكومة ستتخذ إجراءات لمنع الشيخ يوسف القرضاوي من دخول فرنسا إذا قرر قبول دعوة اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا.
كما أضاف جويانو المستشار الخاص لساركوزي لمحطة إذاعة فرنسية «لا تريد الحكومة الفرنسية أن يدخل أراضيها أي رجال دين متطرفين.. هذا الشخص لا يحتاج إلى تأشيرة دخول، لأنه يحمل جواز سفر ديبلوماسيا، ولكن قد تتخذ إجراءات لمنعه من دخول فرنسا».
من جهته، صرح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لإذاعة «فرانس انفو» بانه أبلغ قطر بان الداعية المثير للجدل يوسف القرضاوي «ليس مرحبا به» في فرنسا.