Note: English translation is not 100% accurate
في العدد الجديد من صفحة «رابطة الشريعة»: «القره داغي يدعو لدعم مصر وتونس».. ود.حاكم المطيري يكتب «السنن الاجتماعية الإلهية في تغيير المجتمعات الإنسانية (2 - 2)»
30 مايو 2012
المصدر : الأنباء



قضايا معاصرة
القره داغي يدعو لدعم مصر وتونس
الشيخ د.علي محيي الدين القره داغي
المصريون جربوا الاشتراكيين والشيوعيين والقوميين وفشلوا فليعطوا المجال للإسلاميين ولمن هو أفضلهمنعى فضيلة د.علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ما يتعرض له أولاد المسلمين الذين يعانون من القتل والتعذيب والجوع والتشريد في معظم بلادنا الإسلامية، لاسيما في فلسطين، وقال فضيلته: مرت علينا خلال هذه الأيام الذكرى 64 من هذه النكبة، التي أصابتنا جميعا، ولكنها أصابت إخواننا الفلسطينيين خاصة، هذه النكبة التي بدأت بغرس هذه الدولة الصهيونية أو الجرثومة في قلب العالم العربي وفي قلب العالم الإسلامي، في أبرك مكان بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة، تلك الأرض المباركة التي فيها الأقصى، التي بين الله سبحانه وتعالى بركة الله في الأقصى وما حول الأقصى، وهؤلاء إخواننا الأسرى يعانون أشد المعاناة من إيذاء وتصرفات إجرامية نحوهم، وأكثرهم معتصمون وممتنعون عن الأكل لأنهم يرون أن الموت أعز مما يعانون كما يقول الشاعر:
إذا أظمأتك أكف اللئام
كفتك القناعة شبعا وريا
فكن رجلا رجله في الثرى
وهامة همته في الثريا
أبيا لنائل ذي ثروة
تراه بما في يديه أبيا
فإن إراقة ماء الحياة
دون إراقة ماء المحيا
هؤلاء لا يرعون أبدا، لا حقوق الله ولا حقوق العباد، ولا القوانين، فعلينا على أقل التقدير أن ندعو لهم بالتضرع إلى الله سبحانه وتعالى لأن ينصرهم نصرا عزيزا.
الأمم لا تتحرك
ودعا فضيلته في خطبة الجمعة الماضي بجامع السيدة عائشة رضي الله عنها بفريق كليب إلى أن نتذكر أطفالنا في سورية يقتلون ويشردون ويعدمون مع آبائهم وأمهاتهم في هذا الظلم البائن، وهذا الجور الواضح، دون أن تتحرك الأمم المتحدة أو الدول الإسلامية تحركا مؤثرا، ولو كانت القضية تخص اليهود أو تخص النصارى لكانت النتيجة شيئا آخر، وأقاموا الدنيا وما أقعدوها. فعلينا بدعم إخواننا في سورية بكل ما نستطيع إعلاميا وماليا وأن نضغط من خلال وسائل الإعلام على حكوماتنا حتى تقوم بواجبها، وإن كانت، وللحق نقول، إن دولة قطر لا تألو جهدا في هذا المجال ونحن ندعو لها أن تستمر في دعم هؤلاء المظلومين والمضطهدين.
في مصر: تولية الأصلح
ولا يسعنا إلا أن ندعو الله سبحانه وتعالى أن يوفق مصر، التي هي حقيقة عزتها عزة الجميع، وقوتها قوة للعرب والمسلمين، ونسأل الله العظيم أن يوفقهم في اختيار رئيس يقوم بتحقيق العدل، ويقوم على أساس العدل والقيم، وإعادة الدور العظيم لهذه الدولة العظيمة، التي كان لها تاريخ وما زال لها تاريخ، وعلينا أن نقف وأن ندعو إخواننا المصريين الى أن يختاروا الأصلح دون النظر إلى أي ادعاءات مغرضة توجه ضد الإسلاميين بشكل خاص، وهم أي المصريين جربوا الاشتراكيين وجربوا الشيوعيين والقوميين وقد فشلوا جميعا، فليعطوا المجال للإسلاميين ولمن هو أفضلهم دون أن نخصصهم، هم أعلم بذلك، وشعب مصر أقدر على ترشيح من هو مناسب، ولكن ندعو الله سبحانه وتعالى أن يسدد خطاهم، وأن يسدد اختيارهم نحو الأصوب والأحسن.
بين الوالدين والأولاد
وكان فضيلته قد بدأ خطبته الثانية قائلا:لقد تحدثنا في الخطبة السابقة عن أن الإسلام يقيم العلاقات الإنسانية وحتى العلاقات بين الإنسان والله سبحانه وتعالى على أساس الحقوق المتبادلة، وليس على أساس الحقوق المحضة فقط من طرف دون طرف، ولا على أساس المسؤوليات وحدها دون أن يكون في مقابلها حقوق، فلابد أن تكون هناك حقوق وواجبات وهذا ما سمي في المصطلح الإسلامي بالحقوق المتقابلة. ونحن في هذه الخطبة نتحدث عن هذه الحقوق المتقابلة بين الوالدين والأولاد بعدما تحدثنا في الخطبة السابقة عن الحقوق المتقابلة بين المسلمين بعضهم مع بعض، بين كل فرد وآخر من هذه الأمة الإسلامية. وبين الله سبحانه وتعالى في كثير من الآيات حقوق الوالدين على الأولاد، ولخصها قوله سبحانه وتعالى (وقضىٰ ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسان إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)، ونحن لا نفصل في هذه الحقوق، ولكن نتحدث عن الحقوق المفصلة بشيء من الإيجاز، الحقوق فقد أوجب الله سبحانه وتعالى على الوالدين بالنسبة للأولاد، هذه الحقوق تدل عليها كذلك آيات كثيرة وأحاديث صحيحة.
الوقاية
وتابع قائلا: ومن هذه الآيات الكريمة قوله سبحانه وتعالى (يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، هذه الآية الكريمة هي الجامعة لكل الحقوق التي أوجبها الله سبحانه وتعالى على الوالدين نحو الأولاد، ولخصها القرآن الكريم كعادته في الإيجاز الجميل بالوقاية، بأن هذا الحق يقتصر وينحصر في أن الوالدين هما المسؤولان عن الأولاد، بأن يحافظوا على هذا الولد، ذكرا أو أنثى، حفاظا شاملا لدينه ولعقله ولروحه ولقلبه ولبدنه ولصحته، وقاية شاملة عن المحرمات، وقاية شاملة ودافعة نحو الاندفاع للواجبات، والآداب الطيبة، ولكل ما يجب أن يحمي الإنسان به نفسه، فيجب على الوالدين والمسؤولين أن يقوموا بهذه الحماية، فقد جمع الله سبحانه وتعالى هذا الأمر بالوقاية، بواو العطف، «قوا أنفسكم وأهليكم نارا» فالواجب واحد جامع بين هذه الوقاية، فمن لم يحم ولم يق أولاده وأهله من كل ما ذكر من المحرمات والمؤذيات للدنيا والآخرة فإنه قصر في حق الله سبحانه وتعالى، وقصر في حق أهله، وهو يحاسب عند الله سبحانه وتعالى، ويسأل عن هذه الأولاد كما يسأل عن نفسه وعما فعله وعما قام به خلال حياته، فالسؤال وإن كان مترتبا على أمرين أساسيين ولكن غير قابل للفصل بينهما، فكما تجب عليك وقاية نفسك يجب عليك وقاية أهلك: الزوجة والأولاد والأحفاد وكل من يقع تحت مسؤوليتك أمام الله سبحانه وتعالى.
حرص الرسول على تربية الأمة
وأكد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان حريصا على هذه التربية لأمته، وكذلك كان لأولاده وأحفاده فقد حدث يوما أن الحسن بن علي رضي الله عنهما وعليهما السلام أكل تمرة من الصدقة فرأه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (كخ كخ. أما علمت أنا لا نأكل الصدقة) فهذا أيضا دليل بأن على الوالدين أن يربوا الأولاد على حب الطيبات، والابتعاد عن المحرمات منذ الصغر، وألا يستهين بهذه المسألة سواء كان لنفسه أو لغيره، وأن أي لحم نبت من الحرام فالنار أولى به، وحتى الآداب المطلوبة التي يجب على الطفل أو على الصغير ان يتعلمها علمها الرسول صلى الله عليه وسلم وهو قدوة لنا فقد روى البخاري ومسلم بسننهما عن أبي حفص عمر بن أبي سلمة وهو ربيب النبي صلى الله عليه وسلم أي ابن زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم أم سلمة فقال: كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا غلام سم الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك) فقال أبو حفص، كان ذلك طعمتي أي صفة أكلي منذ أن سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكلام. فلا يجوز للوالدين أن يتركا أولادهما حينما يريا منه شيئا يخالف الأدب في الكلام أو الأكل أو المشي أو التعامل، بل يجب على الوالدين أن يربيا الأطفال منذ الصغر على هذه الآداب العظيمة.
قصة لقمان
ورأى فضيلته ان سورة لقمان وقصة لقمان تدل على ذلك، حيث إن هذه القصة خلدها القرآن، وتدل على ما يجب على الوالدين ان يقوما به أول ما يقومان به، وهو غرس العقيدة الصحيحة في نفوس الأولاد، وربط الأولاد بالله سبحانه وتعالى، وزرع الخشية والمراقبة في نفوسهم، وهذا ما قاله سيدنا لقمان (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير)، هذا دليل على غرس الإيمان بأن الله مطلع عليك وأن الله يراك في كل ما تفعل به، فليكن عندك الخشية والخوف من الله سبحانه وتعالى، وإذا زرعت هذه الخشية وهذه العقيدة الصحيحة فإن ذلك حماية عظيمة لهؤلاء الأولاد، كما فعل ذلك سيدنا يعقوب مع سيدنا يوسف رباه على هذه العقيدة، وعلى هذا الخوف، وحينما عرضت هذه المرأة الجميلة، صاحبة المال والجاه، وهي سيدته، وغلقت الأبواب، وقالت هيت لك، حينئذ قال يوسف وهو لايزال غلاما (قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون).
هذه البداية الصحيحة لتربية الأولاد، ثم بعد ذلك التعليم على الأحكام الشرعية والواجبات من الصلاة والصيام، وهذا ما ورد في الأحاديث الصحيحة حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع»، فحينما يبلغ الأولاد عشر سنوات حينئذ يجب على الوالدين أن يقوما بتعليمهما، وحثهما على الصلاة، بل الصلاة في المسجد والجمعة والجماعة، واذا امتنع الابن فلا بد من التربية بكل الوسائل بما فيها الضرب التأديبي وليس الضرب للإيذاء كما يحدث من بعض الناس.
حقوق الله
وقال: إن هذه الحقوق هي من أعظم الحقوق، وهي ليست حقوقا خاصة بالأولاد، وإنما هي حقوق الله سبحانه وتعالى على الوالدين، بأن يقوما بهذا الواجب، وحقوق المجتمع، على الوالدين، لأنه هذا يترتب عليه تربية الأجيال، فإذا لم نرب الأجيال الصالحة فإن ذلك يؤدي الى الفساد، فواجب كل جيل أن يقوم بتربية الناس المصطفين، الناس المختارين، كما يقول الله سبحانه وتعالى (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)، فإذا قصر الوالدان في هذا الحق فإنهما يكونان ايضا محاسبين أمام الله أولا ثم أمام المجتمع وأمام التاريخ، وأن كل ما يفعله الأولاد سيكون للوالدين أثر سلبي أو أثر إيجابي، فمن الصدقات الجارية: الولد الصالح الذي يدعو لك أو يعمل عملا صالحا فإن الله سبحانه وتعالى يكتب لك بذلك الخلود.
السنن الاجتماعية الإلهية في تغيير المجتمعات الإنسانية (2 - 2)
بقلم د.حاكم المطيري
من الاسباب التي تعيق الدعوة عن تحقيق هدفها فهم الدين ذاته ومعرفة ابعاده في الحياة السياسية والاجتماعية فمازال اكثر علماء الدعوة ودعاتها يخلطون بين مفهوم الدين ومفهوم التدين فهم يدعون في الواقع الى التدين لا الى الدين بشموليته ولهذا صاروا يولون كل اهتمامهم بتربية الاجيال وتعليمهم امور دينهم دون وجود هدف ابعد من ذلك يسعون الى تحقيقه في الوقت الذي تقوم الدول التي تحكمهم بهدم كل ما بنوه من تربية في نفوس اولئك الشباب من خلال مناهج التربية والتعليم والاعلام كما صار اكثرهم يدعو الى العودة الى الدين وتنفيذ احكامه واقامة شرائعه دون اهتمام بحقوق الانسان والمجتمع فلا يجد لدعوته صدى اجتماعيا كبيرا بعد ان اسقطوا الانسان وحقوقه وحريته من خطابهم او همشوا دوره اذ لم يعد الانسان في خطابهم هو الهدف والغاية بل الهدف عندهم هو الدين ذاته بينما الهدايات القرآنية والتجارب الانسانية تؤكد ان نجاح اي حركة اجتماعية اصلاحية مرتبط اشد الارتباط بمدى عنايتها بالانسان نفسه واهتمامها به وهذا السبب ذاته الذي ادى الى دخول الناس في دين الله افواجا فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين جميعا مسلمهم وكافرهم كما قال تعالى (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين) فقد دعاهم وهو في مكة بعد توحيد الله الى المساواة بين الاغنياء والفقراء والشرفاء والضعفاء والسادة والعبيد وأنهم جميعا في الانسانية سواء كأسنان المشط لا فضل لعربي على اعجمي ولا لابيض على اسود الا بالتقوى وهذا ما كان الانسان في حاجته في مجتمع جاهلي قائم على الطبقية والعصبية وهذا ما انف منه كبراء مكة حتى طلبوا منه صلى الله عليه وسلم ان يخصص لهم مجلسا خاصا بهم يحدثهم فيه، كما دعاهم الى العدل والقسط وهو الغاية من ارسال الرسل وانزال الكتب كما قال تعالى (لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) كما دعاهم الى تحرير العبيد ومؤاخاتهم ..الخ وكل احكام الشريعة انما جاءت من اجل هذا الانسان وبما فيه صلاح دنياه وأخراه غير ان هذه المعاني التي ادت الى سرعة ظهور الاسلام وسرعة قبول الامم له لم تعد من اولويات الدعوة المعاصرة ولهذا غلب على خطابها الوعظ والارشاد والتعليم والتثقيف مما لا يستثير اهتمام العامة ولا يخاطب نفوسهم البشرية التي تتوق الى العيش الكريم في هذه الحياة الدنيا قبل الآخرة ولهذا كان النبي يعد اصحابه ويبشرهم بالنصر والظهور والحياة العزيزة وهو في مكة ولم تنجح الحركات الاجتماعية الانسانية في الوصول الى اهدافها الا بعد ان جعلت الانسان وتطلعاته محور اهتمامها فقد كانت حقوق الانسان وحكم الشعب الاساس الذي قامت من اجله الثورة الفرنسية الديموقراطية وكان الاستقلال والحرية الهدف الذي من اجله قامت الثورة الاميركية الليبرالية وكانت الاشتراكية والعدالة الاجتماعية شعار الثورة الروسية الشيوعية وكان رفع الظلم ونصرة المستضعفين وانهاء عهد الاستبداد شعار الثورة الايرانية ولهذا نجحت كل هذه الثورات الانسانية في تحريك الشعوب والوصول الى اقامة دولها وفق تصوراتها وأهدافها وتطلعاتها بل تجاوزت في اثرها حدودها الاقليمية الى الدائرة العالمية حيث صارت نماذج تتطلع شعوب كثيرة الى تحقيقها كما في الثورات الاشتراكية التي اكتسحت العالم بعد الثورة الروسية وحركات التحرر والاستقلال بعد الثورة الاميركية والثورات الديموقراطية بعد الثورة الفرنسية ..الخ بينما لم يحدث شيء من ذلك في العالم الاسلامي خصوصا السني الذين يمثلون اكثر الامة مع كثرة جماعاتهم وحركاتهم ودعاتهم.
ان الاسباب التي تعيق الدعوة الاسلامية المعاصرة عن الوصول الى مرحلة التمكين كثيرة غير انه يمكن حصرها في: العقائد والمفاهيم التي تحول دون العمل من اجل تغيير الواقع كالخشية من المستقبل استدلالا بأحاديث «لا يأتي على الناس زمان الا والذي بعده شر منه» دون فهمها على الوجه الصحيح مما يدفع الى المحافظة على الواقع بل وترسيخه والدفاع عنه خشية من المستقبل حتى صار الشعار هو ما يعبر عنه العامة وكثير من اهل العلم بقولهم «الله لا يغير علينا».
ومن تلك المفاهيم ربط تحقيق الاصلاح بظهور المهدي وانتظار خلافة على منهاج النبوة استدلالا بأحاديث المهدي والفتن التي حددت سلفا ما الذي سيحصل مستقبلا وما علينا الا الانتظار بينما استطاع الشيعة الجعفرية الذين يقوم مذهبهم اصلا على هذه النظرية ان يتجاوزوا هذه الاشكالية بعد ان انتظروا المهدي الف سنة وطال عليهم الامد، وأن يقيموا دولتهم ومشروعهم الاصلاحي ليصبح يوم الشعب الايراني خيرا من امسه ومازال يتطلع الى مستقبل خير من يومه بينما ابتلي اهل السنة بآثار هذه المفاهيم والعقائد التي تحمل في طياتها بذور فناء اي حضارة انسانية تؤمن بها وتحول دون تقدم اي امة ومجتمع يتقبلها.
ومن تلك العقائد التي تحول دون حدوث الاصلاح الموقف من السلطة وما لها وما عليها هذا الموقف الذي لم يعرفه الصحابة في صدر الاسلام كما تؤكده مواقف طلحة والزبير وعائشة وابن الزبير والحسين ..الخ وقد ادى استقرار مثل هذه العقائد عند اهل السنة جميعا اهل الحديث ومتكلميهم من الاشعرية على حد سواء الى شيوع ورسوخ ظاهرة الاستبداد السياسي في العالم الاسلامي قرونا طويلة من تاريخ الاسلام! بل لقد تم استصحاب هذه العقيدة حتى في ظل سيطرة الاستعمار الاجنبي وفي عصر دويلات الطوائف التي صنعها العدو الصليبي على عينه لتصبح هذه العقيدة حجر عثرة وعقبة كؤود تحول دون تغيير الواقع واصلاحه حيث تم توظيف الدين ذاته في خدمة الاستعمار من جهة والاستبداد من جهة اخرى.
العقلية السطحية الاختزالية التي ابتلي بها اكثر العلماء والدعاة كتصورهم امكانية تحقق الاصلاح دون السعي الى تغيير هذا الواقع وفق سنن المدافعة والمغالبة التي لا يحصل التمكين الا بها ومن خلالها كما هي السنن الالهية الاجتماعية في حصول التغيير ولهذا لم يمكن الله عز وجل لنبي ولا لغيره الا وفق هذه السنن وهو معنى حديث القوم الذين استهموا على السفينة فأراد من بأسفلها خرقها ليشربوا فان تركوهم هلكوا جميعا وان اخذوا على ايديهم نجوا جميعا ولهذا امر النبي بالاخذ على يد الظالم وأطره على الحق اطرا لما قد يجره ظلمه من هلاك الجميع.
وكتصور ان الصبر على الظلم خير من مقاومته استشهادا بحوادث تاريخية جزئية دون ادراك خطورة الظلم ذاته وأن ما يترتب عليه مننتائج اشد على المدى البعيد من الآثار السلبية التي تنتج عن مقاومته ومن ينظر في تاريخ الامم يجد ذلك جليا واضحا وكل الامم اليوم التي تنعم بالحرية والعدالة الاجتماعية وحماية حقوق الانسان لم يتحقق لها ذلك الا بعد الثورة على الظلم ومقاومته ورفضها له وعلى العكس من ذلك حال الشعوب التي لم تتصد له اذ ما تزال ترسف في اغلال العبودية للانظمة الاستبدادية ولا يمكن للشعوب المستعبدة ان تحقق نهضة او تحمل رسالة ولهذا انزل الله هذا الدين على بني اسماعيل خاصة لكونهم لم يعرفوا الخضوع للملوك من قبل بل ظلت مكة ام القرى مدة الف عام قبل الاسلام تدار شؤونها دون وجود سلطة ولهذا اقام اهلها دار الندوة للشورى وادارة شؤونها بصورة جماعية وكذا كان حال الطائف وحال المدينة والحجاز عامة فكانوا اقدر الامم على حمل رسالة الاسلام للناس جميعا وهو ما عبر عنه ربعي بن عامر بقوله «ان الله اخرجنا لنخرج العباد من عبادة العباد الى عبادة رب العباد ومن جور الاديان الى عدل الاسلام ومن ضيق الدنيا الى سعة الدنيا والآخرة» وهذا ما يستفاد من قصة موسى مع فرعون واصراره على تحرير بني اسرائيل من العبودية كما في قوله(«وتلك نعمة تمنها علي ان عبدت بني اسرائيل) فلا يمكن تحقيق نهضة اصلاحية قبل تحرير الشعوب من الظلم والاستبداد.
الخشية من تغيير الواقع بالمدافعة والمغالبة بدعوى الخشية من وقوع الفتن والاستدلال بفشل بعض الحركات الثورية على عدم صحة هذا الاسلوب في تغيير الواقع دون ادراك السنة الاجتماعية التي تؤكد انه لم تنجح حركة تغييرية اصلاحية بغير هذا الطريق وليس كل حركة تغييرية نجحت به بل الثورة الفرنسية سبقها عدة ثورات كلها فشلت غير انها اخيرا نجحت وكذا الثورة الاميركية والثورة الروسية ..الخ وقد نجح العباسيون بعد ان فشل العلويون في ثوراتهم ضد بني امية.
ومن الخطأ الاقتصار على التجارب الفاشلة والوقوف عندها والاستدلال بها ولو فعلت شعوب العالم ذلك ما استطاعت ان تصل الى ما وصلت اليه من حرية سياسية وعدالة اجتماعية تفقدها شعوب العالم العربي والاسلامي اليوم بسبب هذه التصورات التي تفتقر للعلمية والموضوعية، لقد استطاعت شعوب كثيرة تحقيق الاصلاح عن طريق الضغط السياسي السلمي والمطالبة بحقها في المشاركة في الحكم لتدير شؤونها بنفسها وهذا ما حصل في انجلترا كما استطاع بعض الملوك المبادرة الى الاصلاح السياسي واشراك الشعب في الحكم كما حصل في اليابان غير ان ذلك كله انما تحقق بعد المدافعة والمغالبة والمطالبة السلمية من تلك الشعوب فتحقق لها ما ارادت قبل ان تضطر الى الثورة الشعبية.
الفوضوية والفردية في العمل وهي ظاهرة تتميز بها الشعوب العربية على وجه الخصوص التي مازالت تعاني من العقلية والثقافة القبلية ومن ينظر في تاريخ الحركات التغييرية يجد انها وبلا استثناء لم تقم بها الا مجموعات وأحزاب منظمة تسعى الى تحقيق اهداف واضحة وشيوع الروح الجماعية هو السبب في تطور المجتمعات الغربية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمهنية عن طريق الاحزاب السياسية والشركات الصناعية والتجارية.
قضايا معاصرة
المقصقصون
بقلم: د.طارق الطواري
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الآمين، وبعد.. فلم تكن اللحية في وجه الرجل وعارضيه وصدغيه مجرد موروث عربي أو عادة قديمة أقرها الإسلام أو مجرد مخالفة لأمر اليهود أو صبغة جديدة صبغ الله بها أهل الإسلام، بل كانت سنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما قال هارون لأخيه موسى «يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي» وقال الله عن كل الأنبياء (أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب)، وقال (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) ولم تكن اللحية مجرد شكل يدل على الالتزام، وإنما أضحت ميزانا يقاس به مدى تشدد المرء من تساهله في الدين إن جميع النصوص الشرعية تدل دلالة واضحة على تركها كقوله صلى الله عليه وسلم «اعفوا اللحية» «أرخوا اللحى» «وفروا اللحى»، وقد رخص ابن عمر وأبي هريرة في أخذ ما زاد على القبضة إن كانت طويلة طولا فاحشا بعد أداء الحج، كما قال مالك من أنه لا بأس بأخذ ما تطاير من اللحية وشذ أما حلقها فحرام كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة فحلقها مثل حلق رأس المرأة وأشد لأنه من المثلة المنهي عنها وهي محرمة، والمصيبة هو ما انتشر اليوم بين شباب الصحوة من المقصقصين الذين اهتموا بمظهر تهذيب لحاهم أكثر من اهتمام المرأة بتسريح شعرها، وقد قال ابن عابدين الحنفي في رد المحتار ويحرم أخذ غالبها أوكلها كما هو فعل المجوس الأعاجم في حلق لحاهم، قال ابن عبد البر يحرم حلق اللحية ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كث اللحية، وكذا كان أصحابه وخلفاؤه وسلف الأمة وعلماؤه على هذا الحال، ولا أعلم دليلا صحيحا يدل على ما يفعله بعض الشباب اليوم من تخفيف اللحية إلى حد بيان العوارض حتى أصبحت مسحة الجمال في اللحية باهتة بسبب ذهاب بهاؤها وتحولها إلى لطخة في عارض الرجل، وبالتتبع والاستقراء والنظر وجدت أن من خفف لحيته ألجأه ذلك في نهاية المطاف إلى حلقها فأولا تهذيبها وقص ما زاد على القبضة ثم نزل الأمر إلى قصقصتها ثم تنعيمها ثم تمليسها ثم مسحها، ولما سألت أحد الملتزمين ممن سار به السلم التدريجي حتى حلقها قال قتلني الشيب الذي أثار من حولي فحلقتها، وقال الآخر اضطررت لذلك لسفري إلى أميركا لعلاج ابني، وقال الآخر الدخول في البورصة ومخالطة التجارة هو الذي أبقى على ما ترى من لحيتي، وقال آخر عملي في السوق واحتكاكي بالنساء أجبرني على ذلك فقد كانت اللحية عائقا بيني وبين الزبائن، والحق أنها حاجز بينه وبين الشيطان، وقال آخر لقد رشحت للعمل في منصب مرموق في أحد سفارات دولة فمن برتوكولات العمل الديبلوماسي أن أسحق لحيتي وأتخلص منها، لكن جميع هؤلاء يركزون ويرددون أن الإيمان بالقلب واللحية مظهر لا يدل على المخبر، لكن الواقع أن اللحية أثبتت أنها من أكبر الحواجز والموانع الشرعية أمام إغراء النساء وأمام دوافع النفس وأمام نزوات الشيطان فكم صدت اللحية صاحبها عن الرذيلة ومنعه حياؤه عن الفاحشة، بل أضفت عليه سمة الصالحين ولباس العابدين، فهي ليست وظيفة ولا ستارا، وإنما هي ميزان ظاهر يدل على مدى التزام صاحبها بشريعة الله وسننه ولا التفات لمن اتخذها أداة للغش والتحايل والتمثيل على الخلق فالأصل أنها ميزان ناطق عن قوة التزامك وضعفه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.