Note: English translation is not 100% accurate
في العدد الجديد من صفحة «رابطة الشريعة»: النشمي يكتب «مرحلة الربيع الإسلامي».. والشريف يواصل الحديث عن «التدرج في تطبيق الشريعة الإسلامية»
5 سبتمبر 2012
المصدر : الأنباء



كلمة العددالشيخ د.عجيل جاسم النشميرئيس رابطة علماء الشريعة بدول مجلس التعاون الخليجي
مرحلة الربيع الإسلامييمر العالم الإسلامي بمرحلة تاريخية، ومعنى تاريخية أنها مرحلة ستؤثر على واقع العالم الإسلامي إلى مدة طويلة وهكذا شأن المراحل التاريخية التي تمر بها الأمم.
والحلقة التاريخية اليوم مرتبطة ونتيجة لحلقات تاريخية عاشها العالم الإسلامي الحديث، نقصد من بعد سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية، فبعد هذا السقوط المدوي دخل العالم العربي والإسلامي مرحلة تاريخية هي مرحلة الاستعمار بعد توزيع تركة الرجل المريض كما أسموه يعنون تركة الخلافة الإسلامية التي كانت تجمع الدول العربية والإسلامية تحت مظلة واحدة، فدخل العالم الإسلامي مرحلة التجزئة ثم الاستعمار، استعمار الأرض وخيراتها، وان من على الأرض عبيد لخدمة الدول الاستعمارية وبناء حضارتها العمرانية والصناعية، ثم جاءت مرحلة التحرر بالطريقة التي يريدها الاستعمار، وهو تحرر يخدم ويحافظ على مصالح الدول الاستعمارية، فكانت المرحلة التاريخية التالية هي حكم العسكر للعواصم الإسلامية المؤثرة وهي مصر وسورية والعراق ودول شمال افريقيا.
وحيثما حكم العسكر فإن التخلف والفساد وتبديد أموال الدولة قرين حكمه، وها نحن اليوم نعايش مرحلة جديدة إيجابية فيما يسمى بالربيع العربي وهو ربيع صبغته إسلامية وهذه الصبغة هي موضع الصعوبة والعراقيل بل والحروب، فلن يرضى الغرب وأميركا بأن يعود المسلمون إلى دينهم لأنه يعني حضارتهم وعزهم وقوتهم.
والله غالب على أمره.
قضايا معاصرة
التدرج في تطبيق الشريعة الإسلامية (7)
د.محمد عبدالغفار الشريف
وجوب تحكيم الشريعة الربانية الحكيمة في حياتنا ومعاشنا لننال السعادة في الدنيا والفلاح في الآخرة
ما دمنا نريد بناء إسلامياً فلا يصح أن نأخذ أحكاماً من هنا وأخرى من هناك ونقوم بعملية ترقيع لا تناسب أو تناسق بينهما وبين الأجزاء والواقع والدور المطلوب به والأثر المنتظر
وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية في شؤون الحياة:
لأجل ما ذكرناه في سلسلة مقالاتنا السابقة وغيره من الخصائص والمزايا التي اتصف بها ديننا الحنيف كانت الشريعة الإسلامية هي الوحيدة المرشحة للتحكيم في شؤون حياة البشرية جمعاء، لذا جاءت الأوامر الربانية صارمة وقاطعة في هذه القضية.
قال تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون. إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين) الجاثية 18 ـ 19، وقال سبحانه: (وقد آتيناك من لدنا ذكرا، من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا. خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا) طه 99 ـ 101، ويقول سبحانه: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) المائدة 44، ويقول عز وجل: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) المائدة 45، ويقول تبارك وتعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) المائدة 47. روى مسلم في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بيهودي محمما ـ أي مسود الوجه ـ مجلودا، فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم، قالوا: نعم فدعا رجلا من علمائهم، فقال: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا ـ ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك ـ نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد.
قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «اللهم، إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه فأمر به فرجم»، فأنزل الله تعالى: (يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ومن الذين هادوا سمّاعون للكذب، سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك، يحرفون الكلم من بعد مواضعه، يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه) المائدة 41، يقول: ائتوا محمدا، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله عز وجل: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)، في الكفار كلها.
قال ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما: «ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن، وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر». وقال ابن مسعود والحسن رضي الله عنهما: «هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي معتقدا ذلك ومستحلا له. وأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرماً فهو من فساق المسلمين.
وقال سبحانه وتعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون. وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون. أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) المائدة 48 ـ 50. يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله ينكر ـ تعالى ـ على من خرج عن حكم الله الحكم المشتمل على كل الخير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم «الياسق»، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وكثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير.
ويقول جل جلاله: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا)النساء 60.
والطاغوت: كل متجاوز الحد في العصيان، ولذا سمي الساحر والكاهن والشيطان وكل رأس ضلالة، والأصنام، والصارف عن الخير، وكل ما عبد من دون الله، ومردة أهل الكتاب، سمي كل هؤلاء طاغوتا، يستوي فيه الواحد والجمع ويجمع أيضا على طواغيت وطواغ.
قال ابن القيم رحمه الله والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو ما يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله على الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة وهم الصحابة ومن تبعهم ولا قصدوا قصدهم، بل خالفوهم في الطريق والقصد معا.
قال الأسعردي رحمه الله لو لم يكن القرآن المجيد من الزجر عن اتباع القوانين البشرية غير هذه الآية الكريمة لكفت العاقل اللبيب، الذي أوتي رشده وأهمه صلاح قلبه عن تطلب غيرها.
فكيف والقرآن كله يدعو إلى ما أنزل الله وعدكم تحكيم ما عداه إما تصريحا وإما تلميحا وله جاهد من جاهد، ويجاهد من يجاهد من عباد الله المتقين من لدن بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم تقوم الساعة.
فهذه هي بعض الآيات الكريمات، وبعض النصوص القيمة عن سلف هذه الأمة، تبين بجلاء وجوب تحكيم هذه الشريعة الربانية الحكيمة في حياتنا ومعاشنا لننال السعادة في الدنيا والفلاح في الآخرة (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو القي السمع وهو شهيد) ق 37.
مما سبق ننتهي إلى وجوب تطبيق حكم الله سبحانه وتعالى في الأرض، لينتشر العدل وليهنأ الناس بالسعادة، ولكن هل يجب تطبيق هذا الحكم دفعة واحدة، أو أنه قبل الإجابة عن هذا السؤال يجب أن نقرر الحقائق التالية:
ترابط الأحكام الشرعية وتكاملها:
من خصائص أحكام الشريعة الإسلامية أنها كل متحد مترابط متناسق، يؤخذ جملة وتفصيلا دون انتقاء وتشه، أو اعتبار لما يصادم الهوى أو يوافقه. فالشريعة بأحكامها العامة الشاملة ليست أجزاء متفرقة لا رابطة بينها، بل نرى بين أحكامها من التكامل والترابط، ما يأخذ بعضها بحجز بعض، وقد وضعت هذه الأحكام منسجمة مع بعضها الآخر، مكملة له، فالفصل بين أحكامها بتر لها وإخراج لها عن مسارها الصحيح.
فلا يفصل بين التشريع الجنائي والمدني والتجاري وغيرها، لأن هذه القوانين شرعها الخالق العليم لتكفل للمجتمع الطمأنينة والحماية، وتعطي كل ذي حق حقه فقانون الأحوال الشخصية هو القانون المنظم لشؤون الأسرة، وما ينبثق عنها من علاقات فردية أو اجتماعية، وما يترتب عليها من حقوق وواجبات، ولكن إذا حدثت خيانة زوجية تترتب عليها عقوبة، فإن القانون الجزائي هو الذي يحكم هذه الجريمة.
فلذا لا يمكن الفصل مطلقا بين القانون الذي ينظم العلاقات، والقانون الذي يقرر العقوبة، مادام مصدر التشريع واحدا، وهو الله عز وجل ولذلك كان من الخطأ الجسيم فصل قانون الأحوال الشخصية عن القانون الجنائي أو العقابي وجعل الأول إسلاميا، والثاني فرنسيا في بعض البلدان.
وقس على هذا الخطأ خطأ الفصل بين كل القوانين، واختلاف هويتها فبعضها إسلامي والآخر شرقي أو غربي.
ولما كانت قضية التشريع أمرا مهما أكد عليه القرآن الكريم تأكيدا أدخله في صفات الإيمان وجعل مخالفته ردا لحكم الله عز وجل وكفرا به وشدد العقوبة فيه فقال تعالى: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعلمون) البقرة 85، فما دمنا نريد بناء إسلاميا فلا يصح أن نأخذ أحكاما من هنا، وأخرى من هناك ونقوم بعملية ترقيع لا تناسب ولا تناسق بينهما وبين الأجزاء، والواقع، والدور المطلوب به، والأثر المنتظر.
وجوب التطبيق الفوري عند الإمكان: ويدل ذلك قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) آل عمران 133، وقوله عز وجل: (فاستبقوا الخيرات) المائدة 48، وقوله سبحانه وتعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) الأحزاب 36.
قال ابن كثير: هذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك إذا حكم الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بشيء فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد هنا، ولا رأي ولا قول، كما قال تبارك وتعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بنيهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) النساء 65.
وفي الحديث «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» ولهذا شدد في خلاف ذلك فقال تعالى: (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)، كقوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) النور 63.
وقال السمين الحلبي في تفسير قوله تعالى: (حتى يحكموك): حتى غاية متعلقة بقوله: (لا يؤمنون) أي ينتفي عنهم الإيمان إلى هذه الغاية، وهي تحكيمك، وعدم وجدانهم الحرج وتسليمهم لأمرك.
وقال رسول الله صلى اله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» متفق عليه.
قال ابن رجب: والتحقيق في هذا أن الله لا يكلف العباد من الأعمال مالا طاقة لهم به، وقد أسقط عنهم كثيرا من الأعمال بمجرد المشقة رخصة ، ورحمة بهم، وأما المناهي، فلم يعذر أحد بارتكابها بقوة الداعي والشهوات، بل كلفهم تركها على كل حال، وأن ما أباح أن يتناول من المطاعم المحرمة عند الضرورة ما تبقى معه الحياة لا لأجل التلذذ والشهوة، ومن هنا يعلم صحة ما قاله الإمام أحمد: إن النهي أشد من الأمر، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه سلم من حديث ثوبان وغيره أنه قال: «استقيموا ولن تحصوا» يعني: لن تقدروا على الاستقامة كلها.
الشريعة لا تطبق إلا في مجتمع مسلم.
إن أي قانون لا يمكن أن يحقق نجاحا إلا في مجتمع يؤمن به، ويحس بأهميته، وإلا صار مجرد نظريات لا قيمة لها، ولذلك لم تنزل التشريعات الإسلامية في المجتمع المكي، لأن الغلبة فيه للكفار، بل بدأ نزول التشريعات في السنة الثانية من الهجرة، بعد تمكن الإسلام في المدينة المنورة.
وبحسب قرب المجتمع أو بعده عن تعاليم الإسلام، وبحسب إيمان أفراده بهذا الدين يمكننا أن نطبق تشريعاته تطبيقا صحيحا.
أما إذا طبق هذا الدين في مجتمع يرفع شعار الإسلام، ولكنه لا يلتزم بكثير من أحكامه فإنه سيلد مسخا مشوها، كما حصل في بعض الدول الإسلامية التي بدأت بتطبيق الحدود قبل تهيئة الناس لذلك. إذا لابد أن يسبق التطبيق تعديل الأوضاع الأسرية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية والإعلامية المخالفة لتعاليم الإسلام، ولابد من تهيئة المناخ الملائم لهذا التطبيق.
أدب السؤال
د.عادل المطيرات
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فإن طلب العلم هو رأسمال الطالب، وهو من أعظم العبادات التي تقرب إلى الله سبحانه، ويكفي في فضل العلم وأهله قوله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ـ المجادلة: 11)، وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين».
وينبغي لطالب العلم أن يحرص على الأدب قبل العلم، قال عبدالله بن المبارك: لا ينبل الرجل بنوع من العلم ما لم يزين علمه بالأدب.
ولذلك ألف أهل العلم كتبا كثيرة في أدب العلم، كابن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله»، وابن جماعة في كتابه «تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم»، والكتب في هذا الموضوع كثيرة.
وموضوعنا الذي نود الحديث حوله هو: أدب السؤال الذي هو سؤال أهل العلم، والحاجة ماسة إلى معرفة آداب سؤال أهل العلم، ما طريقة سؤالهم؟ وعما يسألون، وكيف يكون السؤال؟ وكيف تتلقى الإجابة؟
ينبغي للسائل وهو يسأل أهل العلم أن يراعي آداب السؤال، والتي منها:
أولا: أن يتبين المسألة قبل أن يسأل، فلا بد للسائل أن يستحضر تفاصيل المسألة قبل أن يسأل، لأن السؤال عن الحكم الشرعي لابد أن يكون واضحا، والعالم الذي يسأل لا بد أن تكون المسألة عنده واضحة وإلا فكيف يجيب على شيء ليس بواضح، فإذا كانت المسألة واضحة كان الجواب واضحا.
ثانيا: ألا تسأل عن أمر تعلمه، بل اسأل عن أمر لا تعلمه تريد الجواب الشافي من العالم، ولذلك قال سبحانه: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ـ النحل:43)، وليس من أدب السؤال أن تسأل العالم عن شيء تعلمه ثم تجادله فيه وتقول مثلا: قال العالم الفلاني كذا، وهناك دليل كذا.. لأن هذا المقام مقام سؤال وجواب وليس مقام مناظرة ومجادلة.
أما إذا أراد طالب العلم البحث مع العالم فإنه يبين له ذلك أولا، فإن أذن له بالبحث وإلا لا يبدأ به.
ثالثا: أن يختار السائل أطايب الكلام عند حديثه مع العالم، فيقول مثلا: أحسن الله إليك شيخنا، أو عندي سؤال بارك الله فيك، أو نحو ذلك من الكلام.
رابعا: ألا يذكر عند السؤال قول عالم آخر، فهذا ليس من الأدب مع العالم، بل اسأل السؤال وخذ الجواب دون أن تذكر للعالم مخالفة العالم الآخر.
فبعض طلاب العلم إذا سأل العالم فأجابه قال له: ولكن العالم الفلاني يقول كذا وكذا، فهذا ليس من الأدب مع العالم.
خامسا: أن يسأل السائل لنفسه، ولا يسأل لغيره، فبعض السائلين يسأل لغيره قائلا: فلان أوصاني أن أسأل السؤال الفلاني. وهذا خطأ لأن العالم قد يريد الاستفصال في السؤال، وهذا الناقل للسؤال لا يعرف التفاصيل، وقد يأخذ الجواب ناقصا، إلا أن العلماء استثنوا بعض الأمور مثل ما إذا كان السائل يستحي من السؤال لوجود القرابة مثلا بينه وبين العالم، كما سأل المقداد رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم نيابة عن علي رضي الله عنه، قال علي: فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني.
سادسا: ان السائل إذا سأل سؤالا للعالم عن طريق الهاتف فلا يجوز تسجيله إلا بإذن العالم.
وهذا يفعله للأسف بعض الطلبة، وقد يريد بهذا السؤال الرد على عالم آخر، فيقول للشيخ: ما رأيك بمن يقول كذا وكذا، ويقصد الشيخ الفلاني، فيسجل جواب العالم دون علمه، ثم ينشر هذا الشريط مسببا الفتن والمشاكل بين طلاب العلم.
فعلى طالب العلم السائل أن يتقي الله في سؤاله للعالم، ولا يغش العالم ويضحك عليه بهذه الطريقة، فتحصل من ورائها الفتن والمشاكل.
سابعا: ان السائل إذا سمع الشيخ يذكر حكما في مسألة، أو فائدة مستغربة، أو يحكي حكاية، أو ينشد شعرا، وهو يحفظ ذلك أصغى إليه إصغاء مستفيد في الحال، متعطش إليه فرح به كأنه لم يسمعه قط.
قال عطاء: إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئا.
وعنه قال: إن الشاب ليتحدث بحديث فأسمع له كأني لم أسمعه، ولقد سمعته قبل أن يولد. تذكرة السامع والمتكلم (48).
ثامنا: ان السائلة إذا سألت العالم فينبغي أن تسأله في حدود العلاقة الجائزة بين الرجل والمرأة، فلا تخضع في القول، ولا تلين في الكلام، ولا تكثر من الكلام والتفاصيل التي لا داعي لها.
وإننا نرى بعض النساء ـ هداهن الله ـ تلاطف العالم بالكلام وتلين له في القول مما قد يسبب الفتنة، فالعالم رجل وهو بشر، وقد قال سبحانه: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا ـ الأحزاب: 32).
تاسعا: أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه أو سوء خلق، ولا يصده ذلك عن ملازمته وسؤاله، ويتأول أفعاله التي يظهر أن الصواب خلافها على أحسن تأويل، فإن ذلك أبقى لمودة شيخه، وأحفظ لقلبه، وأنفع للطالب في دنياه وآخرته.
جاء عن بعض السلف: من لم يصبر على ذل التعليم بقي عمره في عماية الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة.
اصبر لدائك إن جفوت طبيبه
واصبر لجهلك إن جفوت معلما