Note: English translation is not 100% accurate
في العدد الجديد من صفحة "رابطة علماء الشريعة"د.عادل المطيرات : "إياك ومنهج الخوارج"
31 أكتوبر 2012
المصدر : الأنباء


لقد فصل الله سبحانه وتعالى لعباده الآيات وبين أمور الدين ووضح الأمور بما لا إشكال فيه، وبين سبيل المجرمين من الكفار المعاندين وممن ينتسب إلى الإسلام ممن ضل عن الطريق ولم يسلك الصراط المستقيم، قال تعالى: (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين).
وهذه طريقة القرآن في كشف مسالك المنحرفين عن جادة الصواب، وبيان مناهجهم وسماتهم وأصولهم، ثم التحذير من هذه السبل والمسالك، وقد سلك هذا المسلك سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين والقرون المفضلة حيث بينوا سبل أهل الضلال والانحراف وحذروا الأمة منها، وعدوا ذلك من الجهاد الشرعي، فإن الذود عن الدين والرد على المنحرفين بالقلم واللسان والحجة والبرهان نوع من الجهاد في سبيل الله.
أخي القارئ الكريم.. لم يحدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد أبي بكر وعمر وعثمان افتراق بين الأمة البتة، وما حدث بين الصحابة من اختلاف في المسائل الكبرى كموت النبي صلى الله عليه وسلم ودفنه وقصة السقيفة وحروب الردة وفي بعض مسائل الأحكام والفرائض كلها كانت خلافات تنتهي بلا افتراق.
وأول فتنة نتج عنها الافتراق في هذه الأمة الفتنة على عثمان حيث أعقبت الخروج عليه وقتله وتنازع المسلمين بعده في مسائل عديدة، وفي أثناء هذه الفتنة وبين ثناياها خرجت طلائع الأهواء الأولى وخرجت نابتة خطيرة فرقت الأمة وشتتت شملها وتركت أثرا سيئا في واقعها ألا وهي فتنة الخوارج التي هي امتداد طبيعي للثورة على عثمان رضي الله عنه والخروج عليه وقتله، مما أسس عقيدة منحرفة أضرت بالأمة قديما وحديثا وهي الخروج على أئمة المسلمين وحكامهم وتكفيرهم وتكفير المجتمعات الإسلامية ووصفها بالمجتمعات الجاهلية.
من هم الخوارج؟ وما صفاتهم؟ وما أثرهم في الأمة؟ وهل انقرضوا أم مازالوا موجودين في عصرنا الحاضر؟ تساؤلات مهمة يحسن الإجابة عنها وتنبيه الأمة إلى خطر داخلي يهدد كيان الأمة وأمنها واستقرارها.
٭ الخوارج: هم فرقة تنتسب إلى الإسلام يكفرون من ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب ويخرجون على أئمة المسلمين وجماعتهم. سموا خوارج لأنهم يخرجون على حين فرقة من المسلمين، ويخرجون على أئمة المسلمين بالسلاح، ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم يخرجون في كل زمان وفي آخر الزمان.
روى البخاري في صحيحه من حديث علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سيخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله يوم القيامة».
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهاتان الطائفتان– حدثوا بعد مقتل عثمان وكان المسلمون في خلافة أبي بكر وعمر وصدرا من خلافة عثمان في السنة الأولى متفقين لا تنازع بينهم، ثم حدثت في أواخر خلافة عثمان أمور أوجبت نوعا من التفرق، وقام قوم من أهل الفتنة والظلم فقتلوا عثمان فتفرق المسلمون بعد مقتل عثمان، ولما اقتتل المسلمون بصفين واتفقوا على تحكيم الحكمين خرجت الخوارج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفارقوه، وفارقوا جماعة المسلمين، فصار هؤلاء هم الخوارج المارقون، الذين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتالهم، قاتلهم علي واتفق أئمة الدين على قتالهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بل جعلهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقتلهم علي حتى سفكوا الدماء الحرام، وأغاروا على المسلمين، قاتلهم لبغيهم لا لكفرهم، لذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم».. ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع الخوارج المارقون، هذا هو أصل ظهور الخوارج، أما صفاتهم وأصول منهجهم وسماتهم العامة فقد بينها العلماء وهي باختصار.
1 - أنهم يكفرون بالمعاصي، فمن فعل كبيرة من كبائر الذنوب فهو عندهم كافر يلحق بالكفار في الأحكام والمعاملة والقتال، بل هو خالد مخلد في النار، ويترتب على هذا تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
2 - يرون الخروج على أئمة المسلمين وجماعتهم ومعاملتهم معاملة الكفار في الأحكام والدار، والبراءة منهم واستحلال دمائهم، ونتج عن ذلك قيام سنة سيئة في تاريخ الأمة وهي الانقلاب على الحكام وقتلهم وإشاعة الفوضى في البلد وغياب الأمن والاستقرار في المجتمع.
3 - فساد منهجهم بخروجهم عن السنة، وخطأ أحكامهم، حتى عدوا أنفسهم علماء، ثم تجرأوا على العلماء كما تجرأوا من قبل على الصحابة بل على النبي صلى الله عليه وسلم فهذا جدهم الأكبر ذو الخويصرة لما قسم النبي الغنائم قال: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل. فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «ويلك من يعدل إذا لم أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أعدل»، ثم ذكر صلى الله عليه وسلم أنه يخرج من ضئضئ هذا الرجل أقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية – الحديث متفق عليه.
4 - سوء فهمهم للقرآن مما أوقعهم في التكفير ولوازمه، فهم لم يقصدوا معارضة القرآن لكنهم فهموا منه ما لم يدل عليه فظنوا أن القرآن يوجب تكفير أصحاب الذنوب، إذ أن المؤمن هو البر التقي، قالوا: فمن لم يكن برا تقيا فهو كافر مخلد في النار، ولذلك وجد عندهم الخلل في منهج الاستدلال، حيث أخذوا بآيات الوعيد وتركوا آيات الوعد، واستدلوا بالآيات الواردة في الكفار وجعلوها في المخالفين لهم من المسلمين، كما قال ابن عمر فيهم: «انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين» أخرجه البخاري.
من صفات الخوارج
1- من أخص صفاتهم الجهل وضعف الفقه في الدين وقلة الحصيلة من العلم الشرعي كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم»، أي ليس لهم حظ من فهمه وتدبر معانيه، وهم مبتعدون عن العلماء الربانيين لأنهم يعتقدون في أنفسهم أنهم علماء، ولذلك يفتون ما يشتهون من الفتاوى فيضلون ويضلون، ولا غرابة أن نرى زعيم جماعة أو فرقة أو مفكرا إسلاميا لا حظ له من العلم والفقه، نراه يفتي في مسائل عظيمة وكبيرة تتعلق بمصير الأمة لا يجرؤ العلماء عليها، ويتجرأ الجهلة من أمثاله عليها، نسأل الله السلامة والعافية.
2 - سرعة التقلب واختلاف الرأي وتغييره (عواطف بلا علم ولا فقه) ولذلك يكثر تنازعهم وافتراقهم فيما بينهم، وإذا اختلفوا تفاضلوا وكفر بعضهم بعضا ثم تقاتلوا.
3 - التعجل في إطلاق الأحكام والمواقف من المخالفين بلا تثبت ولا دليل.
4 - القوة والخشونة والجلد والجفاء، والغلظة في الأحكام والتعامل، وفي القتال والجدال، وكذلك قصر النظر وقلة الصبر واستعجال النتائج.
هذه هي صفات الخوارج قديما وحديثا، فمن اتصف بها فهو منهم، ومن اتصف ببعضها كما هو الحاصل في هذا الزمان العجيب ففيه من صفة الخوارج.
أخي القارئ الكريم.. لقد كان موقف الصحابة التابعين ومن بعدهم من الخوارج موقفا واضحا وصريحا، قويا وحازما، تجلى في التحذير منهم ومن بدعهم ومقالاتهم المنحرفة، كما كانوا يناظرونهم ويعلمونهم كما فعل علي وابن عباس رضي الله عنهما، وكانوا يرونهم شرار الخلق، وكانوا يقاتلونهم إذا حدث منهم قتال أو بغي أو قطعوا السبل وتعرضوا لمصالح المسلمين.
ذكر لابن عباس رضي الله عنهما الخوارج واجتهادهم فقال: ليسوا بأشد اجتهاد من اليهود والنصارى وهم على ضلالة. وقال الحسن البصري - رحمه الله - عنهم: حيارى،
سكارى، ليسوا يهودا ولا نصارى، ولا مجوسا فيعذرون، وقال الآجري في باب ذم الخوارج «وسوء مذهبهم وإباحة قتالهم وثواب من قتلهم أو قتلوه،
قال محمد بن الحسين: لم يختلف العلماء قديما وحديثا على أن الخوارج قوم سوء عصاة لله عز وجل ولرسوله، وإن صلوا وإن صاموا واجتهدوا في العبادة فليس ذلك
بنافع لهم، وإن أظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس ذلك بنافع، لأنهم قوم يتأولون القرآن على ما يهوون، ويموهون على المسلمين، وقد حذرنا الله عز وجل وحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم وحذرنا الخلفاء الراشدون بعده، وحذرنا الصحابة – رضي الله عنهم – ومن تبعهم بإحسان رحمة الله تعالى عليهم» الشريعة (21).
أخي القارئ: إن نزعات الخوارج بدأت تظهر في عصرنا الحاضر في بعض الجماعات القائمة اليوم كجماعات التكفير والهجرة ومن وافقهم في معتقداتهم، وغالبا ما نراها في بعض الشباب الصغار الذين لم يكتمل علمهم ولم يتلقوا عن العلماء، وإنما تتلمذ بعضهم على بعض أو على بعض الكتب دون الرجوع لأهل العلم، كما نشاهدها في كثير من المثقفين وأصحاب الشعارات الذين لم يتفقهوا في الدين على نهج سليم، إنما رصيدهم الحماسة والعاطفة.
إنها دعوة تصحيحية لبيان خطر هذا الفكر المنحرف على هذه الأمة، والذي أنتج لنا أفكارا مدمرة مثل: تكفير الحكام والمجتمعات، والانقلابات والمظاهرات، وقتل الأبرياء المسالمين، وترويع الآمنين، وإشاعة الفوضى، وذهاب الأمن والاستقرار، كل ذلك تحت
غطاء الإسلام والجهاد، فانخدع بذلك كثير من الناس ممن تغلب عليهم العواطف الدينية والحماسة غير المتزنة، فلابد من كشف عوار هذه الفرقة وتوضيح الصورة، ثم بيان محاسن الإسلام وحقيقة هذا الدين العظيم دين العلم والحكمة، ودين السماحة واليسر، دين النصيحة بالحكمة والموعظة الحسنة، دين
إعداد العدة الحسية والمعنوية قبل الاندفاع للهاوية، فنسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته.
بقلم د.عادل المطيرات
الحكمة ضالة المؤمن (11)
أد الأمانة إلى من ائتمنك
بقلم د.وليد خالد الربيعة
أداء الأمانة، والوفاء بالوعد، وحفظ العهد، وصدق الحديث، وخفض الجانب، ونحوها من الشمائل المحمودة، والأخلاق الكريمة، التي جاء الإسلام لترسيخها في النفوس، وتأصيلها في القلوب، لتزكو بها أحوال المؤمنين، ويشيع الود والإخاء في مجتمع المسلمين، في حين أن خلو الإنسان من هذه المكارم يفسح المجال لنقيضها من الخيانة والغدر والكذب والكبر ونحوها من الرذائل والقبائح التي تدنس النفوس، وتفتح باب المعاصي والقطيعة واختلال الأمن في المجتمع.
فمن القيم الإسلامية الأصيلة، التي أمر بها الإسلام، وحث المسلمين على التحلي بها مع الناس جميعا، المسلم منهم وغير المسلم، ونهى عن ضدها، وحذر منها أشد التحذير «أداء الأمانة»، وهي من أول المبادئ التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم»، كما جاء في حديث أبي سفيان قبل إسلامه مع هرقل لما سأله: فماذا يأمركم؟ فقال أبوسفيان: «يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة، والصدقة، والعفاف، والوفاء بالعهد وأداء الأمانة» أخرجه البخاري 2941.
والأمانة معنى واسع، ومفهوم شامل لأنواع عديدة من التكاليف، كما ذكر ابن الجوزي وغيره أن الأمانة في القرآن على 3 أوجه: أحدها: الفرائض، ومنه قوله عز وجل: (يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم)، والثاني: الوديعة، ومنه قوله عز وجل: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)، والثالث: العفة والصيانة، ومنه قوله عز وجل: (إن خير من استأجرت القوي الأمين)، وقال القرطبي: «الأمانة تعم جميع وظائف الدين».
وقد ورد في شأن حفظ الأمانة وأدائها نصوص كثيرة منها: قوله عز وجل: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)، وقد اختلف فيمن المخاطب بها إلا أن القرطبي اختار أنها عامة في جميع الناس، فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلمات والعدل في الحكومات، وهذا اختيار الطبري، وتتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه، والصلاة والزكاة وسائر العبادات أمانة الله تعالى.
وممن قال إن الآية عامة في الجميع البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب، قالوا: الأمانة في كل شيء في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع، وقال ابن عباس: لم يرخص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة». وقال عز وجل: (فليؤد الذي اؤتمن أمانته).
وقال صلى الله عليه وسلم: «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا، صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وحسن الخلق، وعفة مطعم» أخرجه أحمد وصححه الألباني وقال صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» أخرجه أحمد وصححه الألباني، وقال عمر رضي الله عنه: «لا يغرنك صلاة امرئ ولا صيامه، من شاء صلى ومن شاء صام، ولكن لا دين لمن لا أمانة له».
وقال صلى الله عليه وسلم: «تقبلوا لي بست أتقبل لكم بالجنة، إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا ائتمن فلا يخن، غضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم» أخرجه الحاكم وصححه الألباني.
وجاء في حديث مسلم الطويل قال صلى الله عليه وسلم: «يجمع الله تبارك وتعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة».. إلى أن قال صلى الله عليه وسلم: «..وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا» الحديث، قال النووي: «لعظم أمرهما وكثير موقعهما».
والأمانة مكانها قلوب المؤمنين كما قال حذيفة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة، وهي أول ما يفقد من صفات المؤمنين كما قال صلى الله عليه وسلم: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة».
وللأمانة عدة أحكام في الفقه الإسلامي، منها:
1 - أخذ الأمانة مباح لمن قدر على الحفظ والأداء، وقيل يستحب لقوله عز وجل: (وتعاونوا على البر والتقوى)، وقد يجب الأخذ عند خوف هلاك الوديعة أو ضياعها لأن مال الغير واجب الحفظ لقوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» متفق عليه، وقد يحرم الأخذ لمن يعجز عن الحفظ أو لا يثق في أمانة نفسه إذ في ذلك تعريض للمال للهلاك.
2 - يجب المحافظة على الأمانة من الودائع وغيرها، قال ابن سعدي: «وقد ذكر الفقهاء على أن من اؤتمن أمانة وجب عليه حفظها في حرز مثلها، قالوا: لأنه لا يمكن أداؤها إلا بحفظها، فوجب ذلك».
3 - الأمين يضمن بالجحود أو التعدي أو التفريط، ولا يضمن إذا تلفت دون تعد أو تفريط، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضمان على مؤتمن» أخرجه البيهقي وحسنه الألباني.
4 - وجوب الرد عند الطلب، قال القرطبي: «وهذا إجماع، وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرار منهم والفجار، قاله ابن المنذر»، للآية الكريمة ولقوله صلى الله عليه وسلم: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك».
وهذا الحكم واجب في حق المسلم ولو ظلم، فليس له أن يعاقب غيره بالخيانة لأنها محرمة لحق الله تعالى، ولهذا الحديث الذي قال عنه الترمذي: «وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا وقالوا: إذا كان للرجل على آخر شيء فذهب به أي أخذه بغير حق فوقع له عنده شيء أي صار للمظلوم شيء للظالم فليس له أن يحبس عنه بقدر ما ذهب له عليه»، يؤيده ما ورد في المسند عن بشير بن الخصاصية أنه قال: يا رسول الله إن لنا جيرانا لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها فإذا قدرنا لهم على شيء أنأخذه؟ قال: «لا، أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
والخيانة من أقبح الصفات، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله منها فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة»، ولا يخفى أن الخيانة من خصال النفاق وصفات المنافقين كما قال صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» متفق عليه.
فحري بالمسلم الحق أن يكون صادق الوعد، كريم العهد، وثيق الذمة، يحفظ الأمانة، ويؤدي الحقوق، ويقوم بالمواثيق، ويرعى الحرمات، قال بعض العلماء: «خلق الله الدنيا كالبستان، وزينها بخمسة أشياء، بعلم العلماء، وعدل الأمراء، وعبادة الصالحين، ونصيحة المستشار، وأداء الأمانة، فقرن إبليس مع العلم الكتمان، ومع العدل الجور، ومع العبادة الرياء، ومع النصيحة الغش، ومع الأمانة الخيانة» فتأمل.