Note: English translation is not 100% accurate
كلمة العددالشيخ
في العدد الجديد من صفحة "رابطة علماء الشريعة د.عجيل جاسم النشمي: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).. ود.محمد عبدالغفار الشريف: ( قيمة العمل في الإسلام )
7 نوفمبر 2012
المصدر : الأنباء
رئيس رابطة علماء الشريعة بدول مجلس التعاون الخليجي
هذه الآية أصل في الدعوة إلى الاحتكام ثم الاعتصام بهدي الله كتابا وسنة، وليست هذه مجرد دعوة بل هي أمر من الله تعالى، والأمر يقتضي وجوب الالتزام به، والدعوة عامة تشمل الحاكم والمحكوم، وهي للحاكم أولا، لأنه يملك ويحكم ولديه قوة السلطان، وعلى المحكومين ثانيا، فإما أن يحملهم الحاكم على الاعتصام، وإن تقاعس، دعاه المحكومون إلى الالتزام بهدي الله وطاعة أمره في كل ما من شأنه حفظ أمن الناس ودمائهم وأموالهم وأعراضهم.
وتحمل هذه الدعوة مع الاعتصام التحذير من الفرقة في الوقت ذاته، فإن عاقبتها وخيمة لا على المحكومين وحدهم، بل عليهم وعلى الحاكم أيضا، فالاعتصام منجاة للجميع، والافتراق ضياع لهم جميعا.
وإن الأحداث التي تمر بها البلاد هذه الأيام تستلزم الالتفات إلى أمرين: الأول: حبل الله، فننظر مدى القرب أو البعد عن الالتزام بهديه وهدي نبيه صلوات الله وسلامه عليه، فنقرب ما بعد عنه، ونعزز ما قرب منه، حتى نجعل الالتزام بالاعتصام مطابقا لمراد المولى عز وجل ومراد النبي صلى الله عليه وسلم لنضمن الهدي وننبذ الضلال، أخذا بقوله تعالى السابق، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله» صلى الله عليه وسلم.
وينبغي أن توضع الأحداث وتوزن بموازين الشرع، وهذا هو التشخيص الصحيح السليم، أما إغفال هذه الموازين، والاكتفاء بالتحليلات السياسية والإستراتيجية ونحوها، فهذا تشخيص اجتهادي في الظاهر دون الحقائق والبواطن، فلا يكتفي بها عن موازين الشرع، وفي معترك الأحداث تختلف الرؤى والاجتهادات ويشرق الناس ويغربون، ويقتربون ويبتعدون، ويتوسطون ويتطرفون، فلزم لهم مرجع يتفقون عليه حتى لا يختلفوا ويتقاربون حتى لا يبتعدوا، والمرجع لن يصح إلا أن يكون الاعتصام بحبل الله جميعا، وهاهنا مهمة العلماء الفقهاء وأهل الرأي والحكمة والمشورة من رجالات البلد المشهود لهم بسوابق الخير والعطاء والحرص على أمن البلاد والحفاظ على مصالحها ومكاسبها، خاصة حال غياب مجلس الأمة، حفظ الله الجميع بحفظه ورعايته وتسديده، قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) صدق الله العظيم.
قضايا معاصرة قيمة العمل في الإسلام د.محمد عبدالغفار الشريف
العمل في الإسلام تتسع دائرته ويمتد إطاره فيشمل كل بناء مثمر وكل سعي لخير البشرية ولحفظ كيان الجماعة الإنسانية وسيادتها
أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أن ننصح كل مسلم ولو لم يطلب هو منا ذلك فكيف إذا استنصحنا؟
الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على سيد خلق الله، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.
اختلفت نظرة الإسلام إلى العمل عن نظرة غيره من الأمم إلى هذا العنصر الهام في الحفاظ على حياة الشعوب، فقد كانت الشعوب المتقدمة على الإسلام تحتقر العمل وخاصة المهني منه، وكانت طبقات المجتمع تقسم حسب الأعمال التي يقومون بها.
أما الإسلام فقد اختلفت نظرته للعمل تماما فقد اعتبر العمل شرفا وعبادة، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» رواه البخاري. وحسب العمل شرفا أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد تفتحت عيناه أول ما تفتحتا على السعي والعمل، فرعى الغنم وهو صغير بل كان يفاخر بذلك، فعن أنس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال «ما بعث نبي إلا رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله، قال: وأنا رعيتها لأهل مكة على قراريط» رواه البخاري.
ولم يكتف الإسلام بهذا التشريف للعمل بالحث عليه فقط، بل جعله فرضا على المسلمين. قال ابن تيمية رحمه الله: قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما كأبي حامد الغزالي وأبي فرج ابن الجوزي وغيرهما، إن هذه الصناعات كالفلاحة والنساجة والبناية.. الخ فرض على الكفاية فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها. وقال أيضا: إن بذل منافع الأبدان يجب عند الحاجة كما يجب عند الحاجة تعليم العلم وافتاء الناس... والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
مجالات العمل في الإسلام
والعمل في الإسلام تتسع دائرته ويمتد إطاره، فيشمل كل بناء مثمر وكل سعي لخير البشرية، ولحفظ كيان الجماعة الإنسانية وسيادتها.
والعامل المسلم حر طليق يرتاد ميادين العمل جميعها غير مقيد بزمان أو مكان مادام رائده النفع العام، بشرط ألا يتعدى حدود الله تعالى. وكل أنواع الكسب حلال ما عدا قسمين:
1 كل ما جاء من حرفة ممنوعة شرعا كالبغاء والكهانة... الخ. لما فيها من أخذ العوض على أمر باطل، وكذا كل عمل لم يحرم لذاته وإنما حرم لأنه إعانة على المعصية كحمل الخمر لمن يشربها.
2 كل ما جاء من نيابة عن الغير في أداء عمل تتعين فيه المباشرة، كالصلاة والصيام وما أشبههما من الأعمال المشتملة على مصلحة منظور فيها لذات الفاعل. لهذا لا يجوز لحي أن ينوب فيها عن حي إلا ما جاء في حالة العجز عن الحج لورود النص بهذا.
أخلاقيات العمل في الإسلام
ونذكر - هنا - شيئا من الأخلاق التي يجب أن يلتزمها المسلم في عمله، ننقلها عن العهود المحمدية، للعلامة الفقيه الشعراني رحمه الله، مع شيء من التصرف، والتقديم والتأخير:
1 أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألا نتوكل التوكل العام، ونقعد عن الكسب، ثم نسأل الناس، مدعين أننا متفرغون لطلب العلم، فهذا يسمى تواكلا لا توكلا. واعلم أن المروءة من الإيمان، ولا مروءة لمن يسأل الناس وهو قادر على الكسب، وإياك إذا احتجت، وسألت الناس، أن تسألهم تكثرا، واسأله تعالى الشيء وقت الحاجة لذلك الشيء.
روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال «لاتزال المسألة بأحدكم، حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم».
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول «لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره، فيتصدق به، ويستغني به من الناس، خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه ذلك، فإن اليد العليا أفضل من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول».
وروى مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه».
2 وأخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ألا نأخذ من أحد مالا، ولا نأكل له طعاما إلا إذا علمنا طيب نفسه بلا علة، ولا نية فاسدة تتبعه على ذلك، من حب محمدة، أو شهرة تكره، ونحو ذلك، ونعرف طيب نفسه وعدم طيبها، فإذا كان في المال علة، أو في الطعام علة، رددناه عليه، لأنه لا بركة فيه.
روى مسلم عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى».
3 وأخذ العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أن يكون عندنا سماحة في البيع والشراء، وسهولة في أخذ حقنا، ولن نستطيع التخلق بهذا الخلق إلا إذا أخرجنا من قلوبنا محبة الدنيا، والحرص على جمعها، وحتى نرى حقا أنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة.
روى الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «غفر الله لرجل كان قبلكم، كان سهلا إذا باع، سهلا إذا اشترى، سهلا إذا اقتضى».
وروى البخاري ومسلم والترمذي، واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلا تقاضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأغلظ له، فهم به أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «دعوه، فإن لصاحب الحق مقالا»، وقال «اشتروا له بعيرا، فأعطوه إياه» فطلبوه، فلم يجدوا إلا سنا أفضل من سنه، فقال «اشتروه، فأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء».
4 وأخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أن ننصح كل مسلم، ولو لم يطلب هو منا ذلك فكيف إذا استنصحنا؟
وهذا العهد قل من يفعل به الآن من التجار والصناع، فإن الواحد منهم يخاف إن بيّن عيب مبيعه ألا يشتريه منه أحد.
روى مسلم عن تميم بن أوس الداري: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال «الدين نصيحة «قلنا: لمن؟ قال «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».
5 وأخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أن نرغب إخواننا التجار وغيرهم في الصدق في أخبارهم، خوفا عليهم وعلى أموالهم من النقص، فإن الله جعل البركة مقرونة بالصدق في العمل، والعلم، والعمر، والرزق، وغير ذلك. فمن لم يصدق نزع الله البركة من علمه، وعمله، وعمره، ورزقه. فاصدق أخي في إخبارك المشتري، ولا تغش، فيحول الله عنك النعم.
روى الترمذي وقال: حديث حسن، عن أبي سعيد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين، والصديقين، والشهداء».
6 وأخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أن ننوي الوفاء لكل شيء استدناه من الناس، ولو صداقا لامرأة، خوفا ألا يعيننا الله على الوفاء إذا نوينا عدم الوفاء، ويصير علينا التبعة في الآخرة.
وقد كثرت الخيانة لهذا العهد من غالب الناس في هذا الزمان، فصار كل واحد ينصب على الآخر، ويستدين من هذا ليعطي لذلك، فركبتهم الديون، ودخلوا السجون، ولو أنهم نووا الوفاء بصدق لأعانهم الله تعالى عليه.
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله».
7 وأخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ألا نخون شريكنا، ولا من استأمننا على شيء، لا بالفعل، ولا بالنية، فإن ذلك خسارة في الدنيا والآخرة. وعزم الشريك على تمييز نفسه على شريكه بشيء، ولو لم يفعل خيانة له، والبركة ترفع بمجرد هذه النية، ولو لم يتخصص بشيء، وإن وقع منه ذلك فعليه أن يستغفر الله تعالى حتى تعود البركة.
وكل من لا يعلم من نفسه القدرة على عدم وقوعها في المخاطرة والخواطر المذكورة، فليتاجر لنفسه، ولا يشارك أحدا، فإن في ذلك ضررا عليه وعلى شريكه بارتفاع البركة، شاء أم أبى.
وكذلك لو توكلنا عن إنسان بشراء حاجة له، فلا يحق لنا أن نضم إليها ربحا خاصا لنا لقبولنا الوكالة عنه، فإن أضفنا ربحا كنا خائنين للأمانة.
روى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه قال: إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما.
نسأل الله تعالى أن يبصرنا بديننا، وأن يشرح صدورنا للإيمان، وأن يرزقنا الحلال، ويجنبنا الحرام، والحمد لله رب العالمين.
(ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله)
د.وليد خالد الربيع
تقرر هذه الآية الكريمة حكمة قرآنية، وسنة ماضية، وحكما عادلا من الله عزّ وجلّ وهو «الجزاء من جنس العمل»، فمن عمل صالحا مخلصا لله لقي جزاء ذلك في الدنيا والآخرة بإذن الله تعالى، ومن عمل سيئة استحق العقوبة في الدنيا والآخرة إلا أن يعفو الله عزّ وجلّ عنه.
والمكر بالناس وخديعتهم من جملة الأعمال السيئة التي نهى الله عزّ وجلّ عنها وبين سوء مآلها وخطورة آثارها، وأكد أن عقوبتها من جنسها.
فـ «المكر» في لغة العرب يدور حول الاحتيال والخداع كما قال ابن فارس، وقال الطبري: «وأما المكر فإنه الخديعة والاحتيال للممكور به بالغدر ليورطه الماكر به مكروها من الأمر».
وأما في الاصطلاح فقد فرق كثير من العلماء بين المكر المضاف إلى الله عزّ وجلّ والمكر الواقع من الخلق، كما قال الجرجاني في التعريفات: «المكر من جانب الحق تعالى: هو إرداف النعم مع المخالفة، وإبقاء الحال مع سوء الأدب، ومن جانب العبد: إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر».
وقال الراغب مبينا أقسام المكر: «وذلك ضربان: مكر محمود وذلك أن يتحرى بذلك فعل جميل وعلى ذلك: قال عزّ وجلّ (والله خير الماكرين) ، ومذموم وهو أن يتحرى به فعل قبيح قال تعالى: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله)، وقال جل وعلا (وإذ يمكر بك الذين كفروا)، وقال في الأمرين: (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا)» اهـ
وقال عزّ وجلّ مبينا أن الجزاء من جنس العمل )ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله).
يوضح الشيخ ابن سعدي المراد بالمكر في هذه الآية فيقول: «الذي مقصوده مقصود سيىء ومآله وما يرمي إليه سيىء فمكرهم إنما يعود عليهم»، ويؤكد ابن كثير هذا المعنى بقوله: «ومكروا بالناس في صدهم إياهم عن سبيل الله، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، أي وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم».
ويشير الشيخ الطاهر بن عاشور إلى ما اشتملت عليه هذه الآية من مواعظ وآداب فيقول: «فكم انهالت من خلال هذه الآية من آداب عمرانية ومعجزات قرآنية ومعجزات نبوية خفية»، ثم يفصل ذلك مبينا أن إضافة «مكر» إلى «السيئ» من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل: عشاء الآخرة. وأصله: أن يمكروا المكر السيئ بقرينة قوله عزّ وجلّ (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله).
ويوضح أن المكر هو إخفاء الأذى، وهو سيئ، لأنه من الغدر، وهو مناف للخلق الكريم، فوصفه بالسيئ وصف كاشف، ولعل التنبيه إلى أنه وصف كاشف هو مقتضى إضافة الموصوف إلى الوصف لإظهار ملازمة الوصف للموصوف فلم يقل: «ومكروا سيئا»، ويبين سبب كون المكر هنا سيئا، وذلك لأنه مكر بالنذير وأتباعه، وهو مكر ذميم لأنه مقابلة المتسبب في صلاحهم بإضمار ضره، وجملة (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) تذييل أو موعظة.
ومعنى كلمة يحيق: أي: ينزل بشيء مكروه، يقال: حاق به، أي: نزل وأحاط إحاطة سوء، أي لا يقع أثره إلا على أهله، وفيه حذف مضاف تقديره: ضر المكر السيئ أو سوء المكر السيئ كما دل عليه فعل (يحيق).
فإن كان التعريف في (المكر) للجنس كان المراد بأهله كل ماكر. وهذا هو الأنسب بموقع الجملة ومحملها على التذييل ليعم كل مكر وكل ماكر، فيدخل فيه الماكرون بالمسلمين من المشركين، فيكون القصر الذي في الجملة قصرا إدعائيا مبنيا على عدم الاعتداد بالضر القليل الذي يحيق بالممكور به بالنسبة لما أعده الله للماكر في قدره من ملاقاة جزائه على مكره، فيكون ذلك من النواميس التي قدرها القدر لنظام هذا العالم، لأن أمثال هذه المعاملات الضارة تؤول إلى ارتفاع ثقة الناس بعضهم ببعض، والله بنى نظام هذا العالم على تعاون الناس بعضهم مع بعض، لأن الإنسان مدني بالطبع، فإذا لم يأمن أفراد الإنسان بعضهم بعضا تنكر بعضهم لبعض، وتبادروا الإضرار والإهلاك ليفوز كل واحد بكيد الآخر قبل أن يقع فيه، فيفضي ذلك إلى فساد كبير في العالم والله لا يحب الفساد، ولا ضر عبيده إلا حيث تأذن شرائعه بشيء، ولهذا قيل في المثل: «وما ظالم إلا سيبلى بظالم». قال الشاعر:
لكل شيء آفة من جنسه
حتى الحديد سطا عليه المبرد
وكم في هذا العالم من نواميس مغفول عنها، وقد قال الله تعالى (والله لا يحب الفساد) وفي كتاب ابن المبارك في الزهد بسنده عن الزهري بلغنا أن رسول الله قال: لا تمكر ولا تعن ماكرا فإن الله يقول (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) ومن كلام العرب: «من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا»، ومن كلام عامة أهل تونس يا حافر حفرة السوء ما تحفر إلا قياسك» اهـ.
وأما نتيجة ذلك المكر الباطل فهو العقوبة الشديدة في الدنيا والآخرة كما قال: (والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور) قال الطبري: «والذين يكسبون السيئات لهم عذاب جهنم «، وقال ابن سعدي:»أي: يهلك ويضمحل ولا يفيدهم شيئا لأنه مكر بالباطل لأجل الباطل».
وقال محمد بن كعب القرظي: «ثلاث من فعلهن لم ينج حتى ينزل به مكر أو بغي أو نكث وتصديقها في كتاب الله تعالى )ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله)، (إنما بغيكم على أنفسكم)، (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه)».
وقد وردت بعض الأحاديث في التحذير من المكر السيئ، فعن قيس بن سعد بن عبادة قال: «لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المكر والخديعة في النار» «لكنت من أمكر الناس» قال الشراح: «أي تدخل أصحابها النار»، وقيل: لا يكون صاحبهما تقيا ولا خائفا لله، لأنه إذا مكر غدر، وإذا غدر خدع، وذا لا يكون في تقي، وكل خلة جانبت التقى فهي في النار».
عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة خب، ولا منان، ولا بخيل» أخرجه الترمذي، قال الشراح: «الخب بفتح الخاء وكسرها أي مخادع يفسد بين الناس بالخداع، أي: لا يدخل الجنة مع هذه الصفة حتى يجعل طاهرا منها إما بالتوبة في الدنيا، أو بالعقوبة بقدرها تمحيصا، أو بالعفو تفضلا وإحسانا» اهـ
وبعد، فينبغي للمسلم أن يكون برا، وفيا، وثيق الذمة، صادق الوعد، كريم العهد، ثابت العقد، لا يخون ولا يغدر ولا يخفر، ويتجافى عن كل رذيلة ودنيئة، ولاسيما المكر والخداع وإيذاء الناس وانتهاك حرماتهم وأكل حقوقهم بغير حق، والله الموفق.