Note: English translation is not 100% accurate
في العدد الجديد من صفحة "رابطة علماء الشريعة د.بدر الرخيص : رحلة الهجرة 3.. ود. وليد خالد الربيع : من يذهب مع الذئاب يتعلم العواء
28 نوفمبر 2012
المصدر : الأنباء
آل أبي بكر والهجرة
قال ابن سعد: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من بيته أتى بيت أبي بكر بمكة فكان فيه إلى الليل، ثم خرج هو وأبو بكر فمضيا إلى غار ثور فدخلاه».
قال ابن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية. قالت: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها.
فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له فدخل، فتأخر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال أبو بكر: يا رسول الله ما جاء بك إلا أمر حدث.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: أخرج من عندك.
فقال أبو بكر: لا عين عليك إنما هي ابنتاي، وفي لفظ: أهلك.
فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة.
فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله. قال: نعم.
قالت عائشة: فو الله ما رأيت أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ.
قال أبو بكر: يا رسول الله خذ إحدى راحلتي هاتين.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن، لا أركب بعيرا ليس هو لي. قال: فهو لك. قال: لا ولكن بالثمن الذي ابتعتها به. قال أخذتها بكذا وكذا. قال أخذتها بذلك. قال: هي لك.
واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل وهو على دين كفار قريش - وأسلم بعد ذلك - فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث.
قالت عائشة: فجهزناهما أحدث جهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب.
قالت عائشة: فشقت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها - وفي لفظ: قطعت نطاقها قطعتين فأوكت بقطعة منه الجراب وشدت فم القربة بالباقي.
وعند البلاذري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن لها نطاقين في الجنة» فسميت ذات النطاقين.
أمانات قريش
قال ابن إسحاق: وأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا بخروجه وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده صلى الله عليه وسلم لما يعلم من صدقه وأمانته.
أموال رحلة الهجرة
قالت أسماء: وخرج أبو بكر بماله خمسة آلاف درهم.
قال البلاذري: وكان مال أبي بكر يوم أسلم أربعين ألف درهم، فخرج إلى المدينة للهجرة وماله خمسة آلاف أو أربعة، فبعث ابنه عبدالله فحملها إلى الغار.
قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت: فقلت: كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا.
قالت: فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت، كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده.
فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه. فقال: لا بأس إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. ولا والله ما ترك لنا شيئا ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك.
وداع مكة
عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على الحزورة فقال: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض إلي ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت منك».
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأمر بالهجرة من مكة وأنزل عليه (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) أدخلني المدينة، وأخرجني بالهجرة من مؤامرتهم على قتلي في مكة، والسلطان النصير هم الأنصار، وقيل كتاب الله عز وجل، وفرائضه وحدوده.
عن عائشة بنت قدامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقد خرجت من الخوخة متنكرا فكان أول من لقيني أبو جهل فأعمى الله عز وجل بصره عني وعن أبي بكر حتى مضينا.
قالت عائشة: ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بغار في جبل ثور.
إلى غار جبل ثور
وفي حديث البيهقي: أن أبا بكر رضي الله عنه لما خرج هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار، جعل أبوبكر يمشي مرة أمام النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن شماله، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: يا رسول الله أذكر الرصد فأكون أمامك وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك، ومرة عن يسارك لآمن عليك، فلما انتهينا إلى فم الغار قال أبو بكر: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك. فدخله فجعل يلتمس بيده، فجعل كلما دخل جحرا قام إلى ثوبه فشقه ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع: فبقي جحر فوضع عقبيه عليه، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت الحيّات يلسعن أبا بكر رضي الله عنه وجعلت دموعه تنحدر.
وروى ابن مردويه عن جندب بن سفيان قال: لما انطلق أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار قال أبو بكر: يا رسول الله لا تدخل الغار حتى استبرئه.
فدخل أبو بكر الغار فأصاب يده شيء فجعل يمسح الدم عن إصبعه ويقول:
هل أنت ألا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت
وفي رواية عند قاسم بن ثابت: أنبت الله شجرة الراءة، فنبتت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسترته، وبعث الله العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا في فم الغار.
المطاردة والبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم
وذكر البلاذري في تاريخه: أن المشركين استأجروا رجلا يقال له علقمة بن كرز بن هلال الخزاعي - وأسلم عام الفتح - فقفا لهم الأثر حتى انتهى إلى غار ثور وهو بأسفل مكة فقال: ههنا انقطع أثره ولا أدري أخذ يمينا أم شمالا أم صعد الجبل.
فلما انتهوا إلى فم الغار قال أمية بن خلف: ما أربكم في الغار إن عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد.
وأقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم وهراويهم وسيوفهم، حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم على أربعين ذراعا، جعل بعضهم ينظر في الغار فلم ير إلا حمامتين وحشيتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه، فقالوا له: ما لك؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين فعرفت أنه ليس فيه أحد، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، فعرف أن الله قد درأ عنه بهما».
وروى الامام أحمد والشيخان عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لأبصرنا تحت قدميه فقال: ما ظنك باثنين الله ثالثهما».
وفي ذلك الموقف قول الله تعالى (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم) (40) التوبة.
وروى البيهقي عن عروة أن المشركين لما فقدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبوا في كل وجه يطلبونه وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم به ويجعلون لهم الجعل العظيم وأتوا على ثور الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلعوا فوقه، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أصواتهم، فأشفق أبو بكر وبكى وأقبل عليه الهم والحزن والخوف، فعند ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تحزن إن الله معنا) ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت السكينة من الله تعالى.
وروى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر عن ابن عباس في قوله تعالى: (فأنزل الله سكينته عليه). قال: على أبي بكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة معه.
عدد أيام مكثه في غار ثور
قالت عائشة رضي الله عنها: فمكثا في الغار ثلاث ليال وكان عبدالله بن أبي بكر يبيت عندهما، وهو غلام ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع بأمر يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام.
وعند ابن إسحاق أن أسماء بنت أبي بكر كانت تأتيهما إذا أمست بما يصلحهما من الطعام. وكان عامر بن فهيرة يرعى غنما لأبي بكر في رعيان أهل مكة فإذا أمسى يريحهما عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما، حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
الحكمة ضالة المؤمن (12)
د. وليد خالد الربيع
من يذهب مع الذئاب يتعلم العواء
هذه الحكمة الموجزة تنبئ عن سمة بشرية، وطبيعة إنسانية، دل عليها الشرع والواقع، وأكدتها الدراسات النفسية والسلوكية المتعددة، وهي أن الطبع يعدي، والأخلاق تكتسب من البيئة التي يعيش فيها الإنسان، لذا جاءت النصوص الشرعية والأقوال التربوية تقرر ضرورة مصاحبة الأخيار، ولزوم اجتناب الأشرار.
فمن الآيات قوله :عز وجل: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا( قال ابن كثير: «أي من شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا، وأعماله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعا له ولا محبا طريقته ولا تغبطه بما هو فيه» اهـ.
وقال تعالى: (فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا)، قال ابن كثير: «أي أعرض عن الذي أعرض عن الحق وهجره، وإنما أكثر همه ومبلغ علمه الدنيا فذاك هو غاية ما لا خير فيه» اهـ.
يعلل الراغب الأصفهاني هذه الحكمة الشرعية والضرورة الاجتماعية بقوله: «حق الإنسان أن يتحرى بغاية جهده مصاحبة الأخيار، فهي قد تجعل الشرير خيرا، كما أن مصاحبة الأشرار قد تجعل الخير شريرا، قال بعض الحكماء: من جالس خيرا أصابته بركته، فجليس أولياء الله لا يشقى وإن كان كلبا ككلب أصحاب الكهف، حيث قال تعالى: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) ولهذا أوصى الحكماء بمنع الأحداث من مجالسة السفهاء، وقال أمير المؤمنين رضي الله عنه: «لا تصحب الفاجر فيزين لك فعله»، وقيل: جالسوا من تذكركم الله رؤيته، ويزيد في خيركم نطقه، وقالوا: إياك ومجالسة الشرير، فإن طبعك يسرق من طبعه وأنت لا تدري» اهـ.
في الحديث: عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مثل الجليس الصالح والجليس السوء:
المسك الذي تنتفع بما معه من المسك: إما بهبة أو بعوض، وأقل ذلك مدة جلوسك معه وأنت قرير النفس برائحة المسك.
فالخير الذي يصيبه العبد من جليسه الصالح أبلغ وأفضل من المسك الأذفر، فإنه إما أن يعلمك ما ينفعك في دينك ودنياك، أو يهدي لك نصيحة أو يحذرك من الإقامة على ما يضرك، فيحثك على طاعة الله وبر الوالدين وصلة الأرحام، ويبصرك بعيوب نفسك، ويدعوك إلى مكارم الأخلاق ومحاسنها بقوله وفعله وحاله، فإن الإنسان مجبول على الاقتداء بصاحبه وجليسه، والطباع والأرواح جنود مجندة، يقود بعضها بعضا إلى الخير أو إلى ضده.
وأما مصاحبة الأشرار، فإنها بضد جميع ما ذكرنا، وهم مضرة من جميع الوجوه على من صاحبهم، وشر على من خالطهم، فكم هلك بسببهم أقوام، وكم قادوا أصحابهم إلى المهالك من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون، ولهذا كان من أعظم نعم الله على العبد المؤمن أن يوفقه لصحبة الأخيار، ومن عقوبته لعبده أن يبتليه بصحبة الأشرار» اهـ.
ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي» أخرجه أبو داود والترمذي، قال شراح الحديث: «المراد النهي عن مصاحبة الكفار والمنافقين لأن مصاحبتهم مضرة في الدين، فالمراد بالمؤمن جنس المؤمنين».
وقال صلى الله عليه وسلم: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» أخرجه أبو داود والترمذي، قال شراح الحديث: «أي يتأمل ويتدبر من يخالل، فمن رضي دينه وخلقه خالّه، ومن لا، تجنبه، فإن الطباع سراقة».
وقد ذهب الراغب الأصفهاني إلى غاية أبعد في بيان خطورة مصاحبة الأشرار موضحا أن التأثر بهم قد يحصل من مجرد النظر، فقال: «وليس إعداء الجليس جليسه خلقه بمقاله وفعاله فقط، بل وبالنظر إليه، فالنظر في الصور يؤثر في النفوس أخلاقا مناسبة إلى خلق المنظور إليه، فإن من دام نظره إلى مسرور سر، ومن دام نظره إلى محزون حزن، وذلك ليس في الإنسان فقط، بل في الحيوان وسائر النبات، فإن الجمل الصعب قد يصير ذلولا بمقارنة الذلول، والذلول يصير صعبا بمقارنة الصعب، والريحانة الغضة تذبل بمقارنة الذابلة، ولهذا يلقط أصحاب الفلاحة الرمم عن الزروع لئلا تفسدها، ومعلوم أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة إذا قربت منهما، وذلك مما لا ينكره ذو تجربة، وإذا كانت هذه الأشياء قد بلغت في قبول التأثير هذا المبلغ، فما الظن بالنفوس البشرية التي موضوعها لقبول صور الأشياء خيرها وشرها، فقد قيل: سمي الإنس إنسا لأنه يأنس بما يراه إن خيرا وإن شرا». اهـ
ومن أضرار صحبة الأشرار ما قد يلحق المرء من سوء السمعة كما يقول أبو حاتم البستي: «العاقل يلزم صحبة الأخيار، ويفارق صحبة الأشرار، لأن مودة الأخيار سريع اتصالها، بطيء انقطاعها، ومودة الأشرار سريع انقطاعها، بطيء اتصالها، وصحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار، ومن خادن الأشرار لم يسلم من الدخول في جملتهم.
فالواجب على العاقل أن يجتنب أهل الريب، لئلا يكون مريبا، فكما أن صحبة الأخيار تورث الخير، كذلك صحبة الأشرار تورث الشر.قال مالك بن دينار: «إنك أن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل الخبيص ـ نوع من الحلوى ـ مع الفجار».
وقال أبو حاتم: «العاقل لا يدنس عرضه، ولا يعود نفسه أسباب الشر بلزوم صحبة الأشرار، ولا يغضي عن صيانة عرضه ورياضة نفسه بصحبة الأخيار».
وينقل عن أبي الدرداء أنه قال: «لصاحب صالح خير من الوحدة، والوحدة خير من صاحب السوء، ومملي الخير خير من الساكت، والساكت خير من مملي الشر».
قال أبو سليمان الداراني: «لا تصحب إلا أحد رجلين: رجلا ترتفق به في أمر دنياك أو رجلا تزيد معه وتنتفع به في أمر آخرتك، والاشتغال بغير هذين حمق كبير».
فحري بالمسلم أن ينتقي أصدقاءه فيفر من كل ذميم الأخلاق، منغمس في الآثام، مولع بالسوء، متهافت على المنكر، سريع إلى الشر بطيء عن الخير.
ويحرص على رفقة كل بر، محمود الجوار، جميل السيرة، حسن المذهب، محمود الطريقة، طيب السريرة، من أهل الخير، وعليه شارة أهل الصلاح، والله الموفق.
فتاوى النشمي
قراءة رياض الصالحين بعد الصلاة
د.عجيل قاسم النشمي
نحن المصلين في المسجد اعتدنا بعد صلاة الفجر على قراءة الأحاديث النبوية من كتاب رياض الصالحين، وقد اعترض أحد المصلين وقال انه ليس من السنة بل هو بدعة، فنرجو بيان ما إذا كان عملنا مخالفا للسنة؟
لا يشك فقيه أن عملكم هذا مشروع، وأن فيه الأجر العظيم لما صح عنه صلى الله عليه وسلم قوله: «لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده» (أخرجه مسلم 4/2074) وهذا ترغيب عظيم في مجالس العلم وخاصة إذا كان في المسجد، وقد كتب الله للمجتمعين على هذا الذكر أربع خصال لا يحرمها إلا محروم، كيف لا وهو مجلس تحفه الملائكة، وتغشاهم الرحمة، وتنزل عليهم السكينة، ويذكرهم الله فيمن عنده، وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم فرأى حلقة من أصحابه، فقال: «ما أجلسكم؟» قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام... إلى أن قال: «أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة» (أخرجه مسلم 4/2075) وإنما نأخذ العلم والهدى من نبينا صلى الله عليه وسلم، فكيف يقر النبي صلى الله عليه وسلم مجلسكم ويخبركم أن الله يباهي بكم ملائكته، وينكر عليكم بشر بعده لا نصيب له من العلم، وهاكم بعض أقوال أهل العلم، قال الإمام أحمد بن حنبل: لو اجتمع القوم لقراءة ودعاء وذكر فعنه أنه قال: «وأي شيء أحسن منه، وعنه. لا باس بذل، وعنه: أنه محدث وإنما يقصد من أنه محدث إذا كان فيه بعض البدع أو التزمه المصلون كأنه واجب»، ولذا قال الإمام ابن تيمية: الاجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن إذا لم يتخذ سنة راتبة، ولا اقترن به منكر من بدعة.
فأنتم لا تخصون الفجر إلا أن فيها فضل الذكر، وأنها الوقت المناسب لكم بل هي أفضل الأوقات لقوله تعالى: (وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار) (غافر: 55)، وقوله: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) (طه: 130) وقد نص الفقهاء على أن هذا هو أفضل الأوقات للآيات المذكورة والأحاديث الكثيرة في هذا الشأن. والله أعلم السؤال: ما رأيكم ورأي الشرع في بعض المنكرات التي تحدث في العزاء، من مثل شق الجيوب، واللطم، والمصاريف الكثيرة للضيوف؟
حكم قراءة القرآن للميت
وما حكم قراءة القرآن وتثويبها للميت؟
أحكام الشرع مبنية على اليسر والاتباع، ولا يجوز الابتداع في أمور الدين، وهي الأمور التي يقصد بها التقرب إلى الله تعالى، فلا يتقرب إلى الله ولا يعبد إلا بما شرع، والناس يدخلون على أنفسهم العنت والمشقة، ومن ذلك ما يحدثه الناس من بدع وتكاليف ومجاملات في حال الوفاة، ويتكلف أهل الميت مصاريف كثيرة قد تعجز عنها تركة الميت، أو قد لا يكون قد ترك شيئا، وقد تأكل هذه التكاليف التركة كلها، ومرجع ذلك إلى الأعراف غير السوية، فقد يتوفى الشخص في بلد، فيصر أهله على نقله إلى بلدته وموضع مولده، ويكلف ذلك النقل مبالغ كبيرة، والسنة أن يدفن الميت حيث توفي ويعجل في دفنه، فأرض الله واحدة، والدعاء يصل إليه حيثما كان.
كما أن ما يحدثه الناس من النياحة وشق الجيوب والمبالغة في تكبير وتعظيم المصيبة قد ورد النهي الصريح عن ذلك، لما روى عبدالله بن مسعود رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (البخاري 3/166، ومسلم 1/99).
لكن شرع الإسلام البكاء بغير صوت أو بصوت خفيف، فقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم لما «رفع إليه ابن لابنته ونفسه تتقعقع، ففاضت عيناه، وقال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده» (البخاري 3/151، ومسلم 2/636) ولذلك استحب الفقهاء البكاء رحمة للميت، وحين توفي عثمان بن مظعون بكى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وكانت عائشة تسمع بكاءهم وهي في غرفتها.
ومن العنت والمشقة ما يفعله بعض أقارب الميت من إقامتهم عند أهل الميت الأيام ذوات العدد، مما يدخل عليهم الضيق والكلفة المادية التي قد يعجزون عنها، وقد تحملهم على الدين، وهذا خلاف السنة الميسرة، وهو أن يصنع الطعام لأهل الميت جيرانهم لقوله صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد أتاهم ما يشغلهم» (أبو داود 3/497، والترمذي 3/314).
وأما قراءة القرآن وختمه، فإن ثواب القراءة يصل إلى الميت، نص على ذلك الحنفية والحنابلة ومتأخرو المالكية، لكن ما ينبغي التنبيه عليه هنا أن الاجتماع للقراءة بعد الوفاة في مكان محدد، ويقرأ كل واحد جزءاً أو أقل أو أكثر حتى يكمل ختم القرآن، ثم يثوب ويهدى الثواب إلى الميت، هذه الهيئة ليست مشروعة فلا يجوز فعلها، ويسع أهل المتوفى وغيرهم أن يقرأ كل واحد في منزله ما يتيسر له، ويهدي ثوابه إلى الميت، فهذا هو المشروع.