Note: English translation is not 100% accurate
بين مجيزين ومانعين لتحية العلم والقيام له
المسباح: تحية العلم يختلف حكمها من دولة إلى أخرى على اختلاف مناهج الدول ومقاصدها وأنظمتها
21 ديسمبر 2012
المصدر : الأنباء

يجوز تحية العلم بشروط لا تخالف الشريعة من رسومات أو رموز بها وألا تصاحبها أصوات المعازف
من يرفض تعليق الأعلام مطلقاً يكون قد شق على الأمة التي جاءت باليسر وجرّ عليها مفاسد عظيمة وأغفل مقاصد الشريعة التي جاءت لتحقيق مصالح الأمةفي بحث مهم قدمه لنا رئيس لجنة الفتوى بجمعية إحياء التراث الإسلامي الداعية د.ناظم المسباح بعنوان «الأحكام الشرعية للرايات والأعلام» يسرد فيه تاريخ اتخاذ الرايات والأعلام والقصد منها والدلالة عليها، ثم يعرض لنا أقوال العلماء المعاصرين في حكم تحية العلم والوقوف له على النحو الذي يؤدى اليوم في المراسم للدولة، ويفند أقوال المجيزين والمعارضين ثم ينتقل الى بيان أقوال العلماء المعاصرين الذين ذهبوا الى جواز اتخاذ الأعلام والوقوف لها احتراما وتحية وقدموا استدلالهم على قولهم بأدلة واضحة، وبعد ان عرض د.المسباح أقوال المانعين والمجيزين ومناقشة أدلة كل فريق أكد ان إطلاق القول بالحرمة قول لم يبن على تأصيل سليم لا من حيث النصوص الشرعية ولا القواعد الشرعية ولا النظر في مقاصد الشريعة، كما ان إطلاق القول بالجواز ايضا غير مسلم به وشرح ذلك بالتفصيل من خلال هذا الحوار:
ما تاريخ اتخاذ الجيش للرايات والأعلام؟
٭ أول من اتخذ الرايات هم الصيادون ثم الجنود الذين كانوا يخوضون المعارك ويلتحمون مع أعدائهم وتختلط السيوف بالسيوف وكانوا يجدون صعوبة في معرفة مواقع قادتهم ثم تطورت الرايات وأصبح لقائد الجيش راية ولقواده ألوية معينة تدل عليهم وعلى أماكن تواجدهم وكانت الحضارات القديمة تتخذ الرايات وتنقش النقوش عليها والتي ترمز الى ثقافتها أو جنسها أو غيرهما من المعاني، فكان الفراعنة يحملون الصولجان وهو عبارة عن عصا من الخشب أو المعدن، والبابليون اتخذوا علما يسمى «الأسد» وكان شعار الآشوريين «الحمام» وكان علم الرومان منقوشا بصورة نسر روما الحربي، وكان علم دولة الحضر الآرامية العربية يحمل صورة النسر والهلال والشمس، وكذلك القبائل العربية المتفرقة في الجزيرة العربية لكل قبيلة علمها الخاص الذي يرمز اليها، وكان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه راية سوداء تسمى «الجموح».
مشروعة
ما حكم اتخاذ راية للدولة؟
٭ اتخاذ الرايات فعله النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء مربعة من نمرة، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: «كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء وكان لواؤه أبيض»، وعن جابر رضي الله عنه يرفعه الى النبي صلى الله عليه وسلم: «انه كان لواؤه يوم يدخل مكة أبيض، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعقد الرايات للسرايا والغزوات كما عقدها لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم خيبر وقال: «لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يدية وعقدها لقواده الثلاثة في غزوة مؤتة: زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رواحة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعقد راية للمهاجرين وراية للأنصار كما فعل يوم بدر، فاتخاذ الرايات من الوسائل التي قد تخدم مقاصد حسنة أو مقاصد سيئة، وليست هي مقصودة لذاتها، فاتخاذ الراية للجيش أو الدولة بحيث ترفع فوق أراضي الدولة يعتبر من الوسائل التي لها أصل في الشرع، ومن العادات التي لا تصادم مقاصد الشريعة العامة ولها نص ثابت فتكون مباحة لا غبار عليها وهي بالإضافة الى ان لها أصلا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم باقية على أصل الحل، إذ الأصل في العادات الحل ما لم يأت دليل يحرم ذلك.
أمة واحدة
ما جواز تعدد الرايات بتعدد الدول الاسلامية؟
٭ الاصل ان يكون لدولة الاسلام راية واحدة وإمام واحد وان تكون الامة امة واحدة، لكن الامر في الواقع ليس تحت الاختيار بسبب الاستعمار الخارجي لبلاد الاسلام وارتباط جميع الدول بنظام عالمي موحد واتفاقيات دولية ملزمة، فيكون من المشقة توحيد جميع اقطار الاسلام تحت امام واحد وراية واحدة بعدما صارت دولا شتى.
يجوز
وهل يجوز تعدد الائمة؟
٭ نقل الينا التاريخ حوادث بويع فيها لاكثر من امام واستمر كل امام يحكم قطره، وتكلم علماء السياسة الشرعية عن تعدد الائمة وانه يجوز ان تعذر الجمع بينها خلافا للاصل، وهو مذهب جماهير العلماء الذين قالوا بجواز تعدد الائمة للاضطرار وجعلوا ذلك في ثلاث صور، الاولى تباعد الاقطار والثانية اذا تغلب امام من الائمة على قطر من الاقطار والصورة الثالثة عجز الامام والخروج عليه.
وما حكم رفع رايات غير المسلمين في دار الاسلام؟
٭ تعليق رايات الدول الكافرة على ارض اسلامية لا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: ان يكون هذا التعليق عن رضا لما هم عليه من الكفر والفخر بذلك كما تفعل بعض الدول الشيوعية عند رفعها علم الاشتراكية مثلا، ففي هذه الحالة يكون رفع الرايات محرما شرعا لأنه رضا بالكفر الذي عليه اصحاب هذه الراية والذي جاء الاسلام بنقضه والتحذير منه ومن موالاة اصحابه، كما قال تعالى (يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين اولياء من دون المؤمنين أتريدون ان تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ـ النساء: 144).
وقال في آية اخرى (لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء الا ان تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير ـ آل عمران: 28).
الحالة الثانية: ان يكون تعليق هذه الرايات بموجب معاهدات ومواثيق وقعتها هذه الدولة مع دول كافرة، وهو ينطبق على حالنا اليوم مع القوانين الدولية التي وقعت عليها الدول الاسلامية، والتي تنص على الاحترام المتبادل لاعلام الدول وأن العلم يمثل سيادة الدولة.
والدول الاسلامية انما دخلت مثل هذه الاتفاقيات ضرورة وليس اختيارا، وقد جرت الاعراف الدولية ان ترفع اعلام دولة ما في مواسم معينة، كالزيارات الرسمية مثلا لتكون دليلا على احترام سيادة هذه الدولة على ارضها وشرعيتها الدولية.
فهذه صورة مختلفة عن الصورة الاخرى من وجهين:
الوجه الأول: ان رفع الاعلام في الصورة الثانية يكون بحكم الضرورة التي لا يسع اي دولة في العالم عدم تناولها والا عرضت نفسها للعزل الدولي، وتوالت المفاسد على المسلمين داخلها، فكان عليها ان ترتكب اخف المفسدتين في ذلك.
الوجه الثاني: ان رفع الاعلام حال الضرورة لا يصاحبه اعتقاد بما عليه الكفار من عقائد ومناهج، ولا رضا بها وبأصحابها.
وعليه، يكون رفع اعلام الدول الكافرة على ارض مسلمة في ايامنا هذه جائزا وضرورة، مع التأكيد على اخذ هذه الضررة بقدرها، وعدم التوسع فيها، فلا يجوز ان يفتخر براية كافرة، ولا ان تعلق من دون ضرورة، حتى لا يكون ذلك بابا لموالاتهم والرضا بما هم عليه من الكفر.
والذي يرفض تعليق الاعلام مطلقا، ولا يقول بهذا التفصيل، يكون قد شق على الامة التي جاءت باليسر، وجر عليها مفاسد عظيمة، واغفل مقاصد هذه الشريعة التي جاءت لتحقيق مصالح الامة، والله اعلم.
اختلاف العلماء في حكم تحية العلم والوقوف له
الرافضون
٭ اتخاذ الرايات للدول أمر لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الخلفاء الراشدين، وإنما كانت الرايات والألوية للجيوش فقط.
٭ ان هذا الأمر يدخل في شرك التعظيم لغير الله والتعظيم عبادة لا يجوز ان تصرف إلا الله والنبي صلى الله عليه وسلم قال «من سره ان يتمثل الناس له قياما فليتبوأ مقعده من النار».
٭ كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره القيام له وهو أعظم الناس كما ورد عن أنس رضي الله عنه فقال: «لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهيته لذلك».
٭ ان في هذا تشبها بالكفار.
٭ تحية العلم عادة يصاحبها ارتفاع أصوات المعازف وهي محرم استماعها.
٭ تحية العلم أقل أحوالها انها ذريعة إلى تعظيم غير الله ووجب سدها وسد الذرائع معتبر في الشريعة الإسلامية.
٭ هذه الرايات المرفوعة اليوم رايات طاغوتية لأنها لا تحكم بغير ما أنزل الله.
المجيزون
٭ الراية اليوم لم تكن كحالها أيام النبي صلى الله عليه وسلم وان كان اتخذها للجيش فقط الا ان المعنى واحد وهو الالتفاف حولها، وعلم اليوم يرمز الى سيادة الدولة ويميزها عن باقي الدول.
٭ الحديث يحمل على التعظيم الذي هو بمعنى العبادة بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم «قوموا الى سيدكم» ولو كان كل قيام عبادة ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا القيام، والتعظيم أنواع منه ما هو تقدير واحترام ويكون لأهل الفضل، وتعظيم المخلوق ايضا درجات.
٭ يقول أبوجعفر الطحاوي عن الحديث: الحديث يدل على ان على اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم انما كانوا يتركون القيام له صلى الله عليه وسلم لعلمهم بكراهته لذلك منهم، وفي ذلك ما قد دل على انه لولا كراهيته لذلك منهم لقاموا له، وقد تكون كراهيته لذلك منهم على وجه التواضع.
٭ ان كانت تحية العلم أصلها من فعل الكفار إلا ان الأمر شاع عند الناس وتعارفت عليه الدول ودخل ضمن اتفاقيات ومراسم وأعراف دولية، والاخلال بها يعود على الدولة بالمفسدة.
٭ تحية العلم شيء وسماع المعازف شيء آخر، وموسيقى العسكر ليست كموسيقى أهل الفن من أصحاب الرقص والعهر، والأمر فيه واسع.
٭ سد الذرائع يعتبر اذا كانت الذريعة ستفضي الى محرم يقينا أو في غالب الظن وبالنظر الى الواقع لم نجد من اتخذ العلم إلها يعبده من دون الله، أو ان هذه التحية أفضت الى تعظيم هذا العلم كتعظيم الله أو أشد، فيكون الاستدلال بهذه القاعدة ليس بصواب.
٭ القول بالتحريم بني على مقدمة باطلة وما بني على باطل فهو باطل، فالحكام اليوم يختلفون من دولة الى أخرى والتعميم غير مسلم به، والا اقتضى ذلك تكفير كل الحكام.
علماء أجازوا وآخرون منعوا
القول الثاني: من العلماء من ذهب إلى جواز أن تتخذ هذه الأعلام ويوقف لها احتراما وتحية على النحو المتعارف عليه اليوم ومن هؤلاء الشيخ عبدالمحسن آل عبيكان ود.عجيل النشمي والشيخ عطية صقر وهيئة الفتوى بالأزهر وقد ناقش المانعون هذه الأدلة ورد عليهم المجيزون.
الرافضون
٭ ان فعل النبي صلى الله عليه وسلم كان مقتصرا على راية الجيش وليس على راية الدولة ثم ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عنه مثل هذه الطقوس والمراسيم حتى في ألوية الجيش التي هي محل للاحترام والتبجيل وبذل النفس دونها.
٭ العادات التي تفضي الى محرم حكمها التحريم وهذه العادة إن لم تكن هي محرمة بذاتها فإنها ذريعة الى شرك التعظيم.
٭ قوله صلى الله عليه وسلم: «قوموا الى سيدكم» المقصود بأمره لهم بالقيام لإنزاله وليس مقصوده القيام للقادم كما كانت عادة البعض بدليل قوله صلى الله عليه وسلم «أنزلوه» فالمقصود هو مصلحة الإنزال.
المجيزون
٭ تحية العلم من العادات التي لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ووجدت بعد موته أقرها الخلفاء والصحابة وعلماء الأمة الى يومنا هذا، فالقول ان كل ما لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يعمله أو لم يقل به لا يجوز يكون قولا غير دقيق وإلا لاقتضى تبديع الخلفاء والصحابة في أمور كثيرة ككتابة المصحف في عهدي أبي بكر وعثمان واتخاذ الدواوين في عهد عمر بن الخطاب واتخاذه السجن واستحداث التاريخ الهجري وعدم تقسيم أراضي السواد وغيرها من المصالح المرسلة التي لم يرد نص باعتبارها أو إلغائها.
٭ لا خلاف بيننا وبينكم في سد الذرائع المفضية الى مفسدة متيقنة أو غالبة، لكننا في مسألة تحية العلم لم نر المفسدة التي تدعون الإفضاء اليها وهي تعظيم غير الله تعظيم عباده بدليل انك لو سألت أحد الجنود أو الطلاب أو أي انسان يؤدي تحية العلم: هل أنت تعبد العلم أو تحبه أكثر من الله ورسوله أو تخشع في تحية العلم خشوعك في العبادة؟ لقال: لا، بل احترام وتقدير لهذا الرمز الوطني.
٭ المجيزون: هذا الإيراد مدفوع بقيامه صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة كلما أقبلت وقيامها له كما ورد عند أبي داود وليس فيه مصلحة سوى التعظيم والتبجيل والاحترام.
الترجيح
ويقول د.المسباح: بعد هذا العرض لأقوال المانعين والمجيزين ومناقشة أدلة كل فريق يظهر لنا ان إطلاق القول بالحرمة قول لم يبن على تأصيل سليم لا من حيث النصوص الشرعية ولا القواعد الشرعية، ولا النظر في مقاصد الشريعة، وان إطلاق القول بالجواز ايضا غير مسلم به لقوة أدلة المانعين واعتبارا للذرائع التي قد تفضي الى ما هو محرم، والحق ان تحية العلم يختلف حكمها من دولة الى أخرى على اختلاف مناهج الدول ومقاصدها وأنظمتها والذي تطمئن اليه النفس هو القول بالجواز بالشروط التالية:
ان تمثل الراية الحكومة المسلمة والشعب المسلم وليس أنظمة ترفع شعار الكفر والإلحاد ويكون تعامل المسلمين حكومات وأفراد مع مثل هذه الرايات الكفرية تعامل المضطر، وان تخلوا الراية من أي رموز تخالف الشريعة كالصليب أو نجمة داود وغيرها من الشعارات التي ترمز الى الوثنية كتمثال بوذا مثلا، أو اي شعار عرف انه مختص بمنهج كفري كشعار الشيوعية وغيرها، وان تخلو تحية العلم من اي عبارات مخالفة للشريعة الإسلامية وألا يصاحب تحية العلم شيء من المحرمات كأصوات المعازف مثلا وان توضع الراية في مكانها المناسب من الاحترام والتقدير وألا يصل ذلك الى حد التعظيم الموازي لتعظيم الله أو تعظيم رسوله مع العلم ان تشديد النكير من كلا الطرفين على بعضهما في هذه المسألة وجعلها من مسائل الإيمان والكفر أو تبديع من قال بالجواز، أو تخوين من قال بالحرمة، واتهامه بعدم الوطنية، كل ذلك غير مسوغ ولا يسلم به فالمسلم يحب وطنه سواء رفع أو حيا العلم أم لا، ولولي الأمر ان يأخذ بأحد القولين ولا حرج عليه إن شاء الله.