Note: English translation is not 100% accurate
في العدد الجديد من صفحة «رابطة علماء الشريعة» بدول مجلس التعاون: د.المطيري يكتب عن «اللهم أمتي.. أمتي».. ود.الربيع يتكلم عن «حولها ندندن»
15 مايو 2013
المصدر : الأنباء


كلمة العدد
بيان رابطة علماء الشريعة لدول مجلس التعاون الخليجي حول أحداث سورية
يقف المسلمون وبخاصة حكام الدول العربية وقفة تشكر، ولكنها تحتاج الى المزيد من الجدية والحسم، على الرغم مما قدمت من دعم إغاثي، فإنهم قادرون على استخدام أدوات ضغط عديدة، يملكون المال الوفير، ويملكون عصب المصالح لتلك الدول، بأولى وأعظم من مصالح تلك الدول مع بشار وحزبه، ومع ايران أيضا، يملكون شراء السلاح وتزويد المجاهدين به، ويستطيعون تزويد المجاهدين بالخبراء، كما يمكن ان يفتحوا الحدود لاستقبال الجرحى والنازحين، ويستطيعون السماح للجمعيات الخيرية بإدخال المساعدات والإغاثات إلى الداخل السوري، ولا تكتفي بالمهجرين، ويستطيعون ملء أكثر من هذه الفراغات الملحة والضرورية لتحقيق واجب النصرة الذي أوجبه الله على حكام المسلمين.
ولا ريب أن الشعوب الإسلامية والعربية بخاصة قد انتفضت غاضبة لما يحدث في سورية، وسيرت مواكب الإغاثة، ومازالت جهود جمعيات خيرية وفردية استشعارا بواجب الشرع في إحياء واجب النصرة الشرعية، تلبية لنكبة المسلمين في بلاد الشام، أرض الخلافة، قال تعالى: (وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر) نصرة بالمال وبالسلاح ما أمكن، فقد استحق أهل بلاد الشام الجهاد معهم بالمال في الصدقات والزكوات بل الزكاة بأصنافها الثمانية، ووجب على المسلمين تعجيل زكواتهم فساحة الحرب في الداخل وفي المهجر تستلزم المزيد والمزيد والاستعجال بتوصيله للمنكوبين.
قضايا معاصرة
اللهم أمتي.. أمتي
بقلم أ.د.حاكم المطيري
تراجع في هذا العصر مفهوم الأمة بمعناه القرآني الذي يعم كل شعوبها وكل مكوناتها وجماعاتها على اختلاف اجتهاداتها لتتقدم عليه مفاهيم العصبية الوطنية والقومية والحزبية الضيقة
لم يعد الطغاة وحدهم هم من يفرض الوصاية على الأمة وشعوبها بالافتئات عليها بل شاركهم في هذا الطغيان جماعات وأحزاب كثيرة استخفافاً بالأمة وحقوقها
«اللهم أمتي.. أمتي» بهذه الدعوات الكريمة، والعبرات الرحيمة، دعا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، ربه عز وجل لأمته رحمة بها وشفقة عليها، كما في الصحيحين عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم (رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني) وقال عيسى (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال «اللهم أمتي.. أمتي» وبكى فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد فسله ما يبكيك؟ فأخبره فقال الله عز وجل: «يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك».
يا لها من كلمات عظيمة تعبر عن مكانة الأمة عند الله جل جلاله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتؤكد تكريم الله لهذه الأمة وكرامتها عند ربها، فهي آخر الأمم وهي خيرها كما قال تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس) وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري مرفوعا (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) والوسط: العدل والعدل هم خيار الناس وعدولهم وأفاضلهم.
وعن علي مرفوعا كما في مسند أحمد بإسناد حسن «وجعلت أمتي خير الأمم».
وكم يحتاج المسلمون اليوم عامة والمصلحون خاصة إلى معرفة حق الأمة عليهم، ومكانتها في شريعتها، ووجوب أن يكون الانتماء إليها قبل كل انتماء قومي أو وطني أو حزبي، وأن يعرفوا لها حقوقها التي جعل الله لها وأعظمها حقها في الشورى (وأمرهم شورى بينهم) (وشاورهم في الأمر) كما عبر عن ذلك الخليفة الراشد عمر الفاروق رضي الله عنه بقوله «الإمارة شورى بين المسلمين من بايع رجلا دون شورى المسلمين فلا بيعة له ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا».
ومن حقوقها حقها في أرضها التي أورثها الله إياها واستخلفها فيها كما وعدها بقوله تعالى (ليستخلفنكم في الأرض)، وعبر عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله «اعلموا أن الأرض لله ولرسوله وللمؤمنين»، وقال الفاروق كما في صحيح البخاري «والله إنها لبلادهم عليها قاتلوا في الجاهلية وعليها أسلموا، ولولا إبل الصدقة ما حميت لهم شبرا».
لقد تراجع في هذا العصر مفهوم الأمة بمعناه القرآني الذي يعم كل شعوبها وكل مكوناتها وجماعاتها على اختلاف اجتهاداتها، لتتقدم عليه مفاهيم العصبية الوطنية والقومية والحزبية الضيقة.
وقد بلغ الانحراف في هذه المفاهيم حد تصور كل فئة أو جماعة أنها هي الأمة المرحومة وحدها وهي الطائفة المنصورة والفرقة الناجية لتتخلى في المقابل عن مسؤوليتها تجاه الأمة كلها وتسقط حقوقها من حساباتها ولتراعي مصالحها الخاصة بها على حساب مصالح الأمة العامة حتى بلغ الحال ببعضها الافتئات على الأمة وشعوبها لتتفاهم مع الاحتلال والاستبداد في هذه الدولة أو تلك بدعوى تحقيق المصلحة!
ولم يعد الطغاة وحدهم هم من يفرض الوصاية على الأمة وشعوبها بالافتئات عليها بل شاركهم في هذا الطغيان جماعات وأحزاب كثيرة استخفافا بالأمة وحقوقها، وتوهما أن الله جعل لهذه الجماعات والأحزاب ما لم يجعل للأمة كلها.
وربما تصور بعض الجماعات أن بيعتهم أميرهم تلزم الأمة وشعوبها وتوجب على الأمة الدخول في طاعتهم!
وربما تصور بعضهم أنه لا يجب عليهم ما يجب على الأمة كلها من جهاد عدوها!
وإنما وقع هذا الخلل في تصوراتها وممارساتها حين وقع الخلل لها في حقيقة مفهوم الأمة وحقوقها!
إن الأمة، كل الأمة، مشمولة بالدعوة النبوية والخيرية الدنيوية حتى أن عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم يعرف لهذه الأمة كرامتها ومكانتها كما في صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لاتزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم تعال صل بنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة».
فالخيرية لهذه الأمة كما كانت لأولها فهي مدخرة لآخرها، فالأمة كالمطر حيثما وقع نفع ففي الترمذي عن أنس مرفوعا بإسناد حسن «مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره».
والأمة، كل الأمة، موعودة بالاستخلاف في الأرض والظهور على الأمم في أولها وآخرها فعن ثوبان كما في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها».
ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم آخر أمته بفتح القسطنطينية وفتح روما بشارة لها بظهورها وظهور دينها في آخر الزمان كما فتح أولها مكة وفارس والشام ومصر.
وقد بلغ من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ورحمته بها وشفقته عليها أن ضحى عمن لم يضح من أمته كلها أولها وآخرها لكرامتها ومكانتها عند ربها.
فعن جابر بن عبدالله كما في سنن أبي داود بإسناد صحيح «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأضحى بالمصلى فلما قضى خطبته نزل من منبره وأتي بكبش فذبحه وقال بسم الله والله أكبر هذا عني وعمن لم يضح من أمتي».
وتجلت شفقته صلى الله عليه وسلم بأوضح صورها في حرصه على التخفيف عن أمته في فروض دينها رحمة منه بها، ففي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه في حديث فرض الصلوات في المعراج عن النبي صلى الله عليه وسلم «فقلت يا رب خفف على أمتي».
وفي الصحيحين «لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية».
وفي الصحيح أيضا عن تأخير صلاة العشاء «إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي».
وقال عن السواك «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة».
كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن عصمة أمته من الانحراف العام والاجتماع على الضلال فعن ابن عمر مرفوعا كما في الترمذي وهو صحيح بطرقه «إن الله لا يجمع أمتي أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة ويد الله مع الجماعة».
وعن ثوبان مرفوعا كما عند الترمذي بإسناد صحيح «إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ولاتزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من يخذلهم حتى يأتي أمر الله».
كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن عموم مغفرة الله وشمولها لجميع أمته بما في ذلك الظالم لنفسه منهم، فعن ابن مسعود في الصحيحين أصاب رجل ذنبا فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فنزل قوله تعالى (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات) فقال الرجل: ألي هذه خاصة؟ فقال «هي لجميع أمتي كلهم».
وكذلك الأمة، كل الأمة، مشمولة بالخيرية والشفاعة الأخروية ولهذا ادخر النبي صلى الله عليه وسلم دعوته وشفاعته لها يوم القيامة ففي صحيح مسلم عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الله «أن هون على أمتي.. فقلت اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم».
وعن أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما في حديث الشفاعة في صحيح مسلم «فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع فأقول رب أمتي أمتي فيقول انطلق فأخرج من النار من في قلبه حبة خردل من إيمان».
وفي رواية الترمذي عن أبي هريرة «يا رب أمتي يا رب أمتي يا رب أمتي».
وأخرج الترمذي بإسناد صحيح عن عوف بن مالك الأشجعي مرفوعا «أتاني آت من ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئا».
وعن أنس مرفوعا كما في الترمذي بإسناد صحيح «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
وعن أنس وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا».
وكل هذه النصوص القرآنية والنبوية تحدد بجلاء مفهوم الأمة التي يجب الانتماء إليها ومعرفة حقوقها ومراعاة مصالحها والعمل على توحيدها وحمايتها والذود عنها واستعادة خلافتها في الأرض لتعود كما أراد الله لها «أمة واحدة.. وخلافة راشدة»!
الحكمة ضالة المؤمن
حولها ندندن
د. وليد خالد الربيع
هذه الجملة المختصرة تتكرر على ألسنة كثير من الناس مستشهدين بها عند تقرير بعض الغايات المتفقة، وتأكيد بعض الأهداف المشتركة، فإذا التقت المقاصد واتفقت الوجهات قال أحدهم للآخر: حولها ندندن، أي قد اتفقت مقاصدنا وإن اختلفت عباراتنا أو وسائلنا. ولا يخفى أن هذه العبارة الوجيزة هي كلام نبوي بليغ، حدد فيه النبي صلى الله عليه وسلم بكل وضوح وإيجاز الغاية التي ينبغي للمسلم أن يطلبها، والمقصد الذي ينبغي أن يسعى إليه، وذلك لأن تحديد الأهداف يعين على تعيين السبل، وضياع الأهداف يجعل سعي الإنسان عبثا وضلالا، لذا كان تحديد الأهداف مهما، كما أن وضوحها لا يقل أهمية، لأن الأهداف المبهمة تزيد حيرة الإنسان وتشتته، ولا تعينه على تحديد طريقه، لذا نجد أن القرآن الكريم واضح ومحدد ومباشر في تحديد الأهداف العليا للإنسان فقال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، وقال سبحانه: (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) وبين الوسيلة بقوله عز وجل: (إياك نعبد وإياك نستعين) وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون) فالعبادة والاستعانة والدعاء والتقوى والمجاهدة سبيل لتحقيق أعلى الغايات وأسمى المقاصد. وهذا الحديث الكريم يؤكد هذا المعنى فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل: «ما تقول في الصلاة؟» قال: أتشهد ثم أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، أما والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال: «حولهاندندن» أخرجه أبوداود وصححه الألباني. قال شراح الحديث: «الدندنة بدالين مفتوحتين ونونين هي أن يتكلم الرجل بالكلام تسمع نغمته ولا يفهم. أي: لا أدري ما تدعو به أنت يا رسول الله وما يدعو به معاذ إمامنا، ولا أعرف دعاءك الخفي الذي تدعو به في الصلاة ولا صوت معاذ، ولا أقدر على نظم ألفاظ المناجاة مثلك ومثل معاذ، وإنما ذكر الرجل الصحابي معاذا والله أعلم لأنه كان من قوم معاذ أو هو ممن كان يصلي خلف معاذ، والحاصل: إني أسمع صوتك وصوت معاذ ولكن لا أفهم. ومعنى قوله: (حولها): أيحول الجنة والنار ندندن، وإنما نسأل الجنة ونتعوذ من النار كما تفعل، كما جاء في الرواية الأخرى: «حول هاتين»، قال المناوي: «أي ما ندندن إلا حول طلب الجنة والتعوذ من النار، فالحقيقة لا مباينة بين ما ندعو به وبين دعائك». هذا الحديث العظيم اشتمل على فوائد نفيسة وحكم جليلة منها كما تقدم أهمية تحديد المقاصد والغايات ووضوحها حتى يبذل الإنسان لها السعي المناسب فلا يبالغ ولا يقصر كما قال تعالى: (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا). ومن فوائد الحديث أنه على المعلم أن يتفقد تلاميذه، وعلى الشيخ أن يتابع طلابه، وكذلك الداعية عليه أن يوجه المدعوين، فيبحث عن أحوالهم، ويسأل عن أوضاعهم الدينية، فمن كان محسنا شجعه وأثنى عليه، ومن كان مخطئا نصحه ووجهه، ومن كان متأولا علمه وبين له وجه الصواب، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل مع الصحابة الكرام، تفقدا ومتابعة وتعليما وتوجيها، ولم يكن يكتف فقط بالبلاغ وإنما يزيد عليه التربية والتوجيه والتعليم. ومن فوائد الحديث استحباب الدعاء في الصلاة، فإن الصلاة مناجاة بين العبد وربه، والله تعالى يحب الدعاء ويحب من عبده أن يسأله ويتضرع إليه، ويستحب الدعاء بعد التشهد والصلاة الإبراهيمية وقبل السلام لحديث ابن مسعود حيث علمه صلى الله عليه وسلم التشهد ثم قال: «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو» متفق عليه، وفي لفظ مسلم: «ثم ليتخير من المسألة ما شاء». ولما قال أبو بكر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: «علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال صلى الله عليه وسلم: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم» متفق عليه. ومن فوائد الحديث تقرير أن سؤال الله تعالى الجنة والاستعاذة به من النار هو طريقة الأنبياء والمرسلين والمؤمنين، وأنه لا ينقص من توحيد العابدين، كما يزعم بعض المتصوفين، حيث قرر بعضهم أن العبادة الحقة هي عبادة الله تعالى حبا في ذاته لا خوفا من ناره ولا طمعا في جنته، كما قال الغزالي في الإحياء: «العامل لأجل الجنة عامل لبطنه وفرجه كالأجير السوء ودرجته درجة البله، وأما عبادة ذوي الألباب فإنها لا تجاوز ذكر الله تعالى والفكر فيه حبا لجماله وجلاله، وهؤلاء أرفع درجة من الالتفات إلى المنكوح والمطعوم في الجنة فإنهم لم يقصدوها، بل هم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه... ويسخرون ممن يلتفت إلى الحور العين». ونقل في الإحياء عن رابعة العدوية أنه قالت: «ما عبدته خوفا من ناره ولا حبا في جنته فأكون كالأجير بل عبدته حبا له وشوقا إليه» ونقل عن أبي سليمان الداراني أنه قال: «إن لله عبادا ليس يشغلهم عن الله خوف نار ولا رجاء جنة»، ونقل عن بعض المتصوفة ولم يذكر اسمه: «من عبد الله لعوض فهو لئيم» وغيرها من أقوال لبعض المتصوفة تؤكد هذا المعنى. والقرآن الكريم يؤكد أن الرغبة والرهبة، والخوف والرجاء، وسؤال الله الجنة والتعوذ به من النار هو طريقة المرسلين، وسنة النبيين، ومنهج المؤمنين، وهو من توحيد رب العالمين، الذي خلق الجنة والنار، وجعلهما دار القرار لمن شاء من عباده الأبرار والفجار كما قال تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم. يصلونها يوم الدين). قال تعالى مبينا حال النبيين عليهم السلام :(أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه)، وقال عز وجل: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين). ووصف سبحانه عباده المؤمنين فقال: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، وقال سبحانه: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا)، وقال تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون. والذين هم بآيات ربهم يؤمنون. والذين هم بربهم لا يشركون. والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون. أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون)، والآيات في الترغيب في الجنة والترهيب من النار كثيرة لا تخفى. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس خشية لله تعالى كما قال: «إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية»، وكان يسأل الله تعالى الجنة ويستعيذ به من النار كما ورد في الحديث المذكور، وكان يطلب من المسلمين أن يدعوا الله تعالى أن يرزقه (الوسيلة) بعد الأذان لأنها أعلى درجة عند الله فقال صلى الله عليه وسلم: «الوسيلة درجة عند الله ليس فوقها درجة، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة »أخرجه أحمد وصححه الألباني وفي لفظ سأله الصحابة: وما الوسيلة؟ قال: «أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون هو». وكان يأمر المسلمين بالاستعاذة من النار وسؤال الله الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم: «استعيذوا بالله من عذاب القبر، استعيذوا بالله من عذاب جهنم.. الحديث، وقال: «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه سر الجنة»أخرجه الطبراني يعني أفضل موضع فيها، فإنه أعلا درجات الجنة وأعظم مراتبها كما روى الترمذي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة، ومن فوقها يكون العرش، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس». صححه الألباني. فعلى المسلم أن يحدد أهدافه العليا، ويستحضرها أمامه كل حين، ليستعد لها الاستعداد المناسب، ولا يغفل عنها، فلا تستهويه الغفلات، ولا يبطره الأمل، وإنما هو التشمير والعمل، وبالله التوفيق.