Note: English translation is not 100% accurate
في العدد الجديد من صفحة «رابطة علماء الشريعة» بدول مجلس التعاون: د.المطيرات يتكلم عن «الأحكام المختصة بشهر شعبان».. ود.الربيع يكتب عن «(إنك لا تهدي من أحببت)»
19 يونيو 2013
المصدر : الأنباء


معنى شعبان:
سمي شعبان بهذا الاسم لأن العرب كانوا يتشعبون فيه لطلب المياه
وقيل: لتشعبهم في الغارات
وقيل: لأن شعبان شعب - أي ظهر - بين رجب ورمضان
الأحاديث الصحيحة الواردة في فضله وفضل الصوم فيه:
1- عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذلك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». أخرجه أحمد والنسائي وصححه الألباني
2- عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياما من شعبان». متفق عليه وفي رواية للنسائي: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لشهر أكثر صياما منه لشعبان، كان يصومه، أو عامته».
3- عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلا». أخرجه مسلم.
4- عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان». متفق عليه.
5- عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن» أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني.
6- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم وابن عبد البر، وصححه الألباني.
7- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا من كان يصوم صوما فليصمه» متفق عليه.
الأحاديث الضعيفة الواردة في فضله وفضل الصوم فيه:
1- عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي». أخرجه البيهقي وضعفه ابن حجر في تبيين العجب (13) وابن الجوزي في الموضوعات (2/205) والسيوطي في اللآلئ المصنوعة (2/114)، وضعفه الألباني.
2- عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبارك لنا في رمضان». أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وضعفه الألباني.
3- حديث «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم بعد رمضان إلا رجبا وشعبان» وهو حديث ضعيف جدا كما ذكره ابن حجر في تبيين العجب.
4- عن أنس رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: «شعبان تعظيما لرمضان» أخرجه الترمذي وضعفه ابن الجوزي والمنذري، والألباني في إرواء الغليل.
5- عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان كله، قالت: قلت يا رسول الله أحب الشهور إليك أن تصومه شعبان؟ قال: «إن الله يكتب فيه على كل نفس ميتة تلك السنة، فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم» أخرجه أبو يعلى وضعفه الألباني.
6- حديث «من صلى ليلة النصف من شعبان ثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة (قل هو الله أحد) 30 مرة، لم يخرج حتى يرى مقعده من الجنة» الحديث موضوع، ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (2/129)، وابن القيم في المنار المنيف (177)، والسيوطي في اللآلئ المصنوعة (2/59).
7- حديث «يا علي من صلى ليلة النصف من شعبان مائة ركعة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب و(قل هو الله أحد) عشر مرات إلا قضى الله له كل حاجة» الحديث موضوع ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (2/127) والسيوطي في اللآلئ المصنوعة (2/57) وابن عراق في تنزيه الشريعة المرفوعة (2/92) والشوكاني في الفوائد المجموعة (50-51)، وذكره ابن القيم في المنار المنيف (175) وقال: «والعجب ممن شم رائحة العلم بالسنن أن يغتر بمثل هذا الهذيان ويصليها».
حكم الصوم بعد انتصاف شهر شعبان:
اختلف العلماء في حكم الصوم بعد انتصاف شهر شعبان، هل يجوز أو يكره؟ وكان سبب اختلافهم حديث أبي هريرة السابق «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» فمن صححه قال بعدم جواز الصوم بعد انتصاف الشهر، ومن ضعفه قال بجواز الصوم، ومنهم من حمل النهي على من لم يصم أول الشهر، فلا يجوز أن يصوم بعد انتصاف الشهر.
والذي يظهر - والله أعلم- أنه يجوز الصوم بعد انتصاف شهر شعبان دون كراهة، وذلك لأمور منها:
1- أن حديث أبي هريرة ضعفه جمع من كبار المحدثين كما ذكره ابن رجب في لطائف المعارف (260) كعبدالرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، وأبي زرعة الرازي، والأثرم.
2- أن حديث أبي هريرة حديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة في صيام النبي صلى الله عليه وسلم أكثر شعبان، ولا شك أن منه صيام ما بعد انتصاف الشهر وكذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا من كان يصوم صوما فليصمه» متفق عليه، والذي يقتضي جواز الصوم قبل رمضان بأكثر من يومين، فيدخل فيه الصيام بعد انتصاف الشهر.
3- أن الطحاوي قال عن الحديث -كما نقله ابن رجب في لطائف المعارف (260): «هو منسوخ، وحكى الإجماع على ترك العمل به، وأكثر العلماء على أنه لا يعمل به».
هل يشرع تخصيص ليلة النصف من شعبان بالعبادة؟
٭ جاء في سنن ابن ماجه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن». صححه الألباني.
وهذا الحديث يدل على فضل هذه الليلة، حيث يغفر الله فيها لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن، وقد ذكر ابن رجب في لطائف المعارف (266) قول الأوزاعي رحمه الله في تفسير الشحناء: وهي الشحناء لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها أعظم جرما من مشاحنة الأقران بعضهم بعضا ونقل قول الأوزاعي: المشاحن كل صاحب بدعة فارق عليها الأمة. وقول ابن ثوبان: المشاحن هو التارك لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، الطاعن على أمته، السافك دماءهم.
ولذلك اختلف السلف في حكم إحياء هذه الليلة بالعبادة، فمنهم من يرى جواز إحيائها بالصلاة، ومنهم من أنكر ذلك واعتبره بدعة من البدع.
ويظهر - والله أعلم - أنه لا يشرع إحياء هذه الليلة بعبادة مخصوصة، وذلك لأمور:
1- أن الحديث السابق اختلف في صحته، فقد ضعفه بعض العلماء كالبوصيري في الزوائد (1/247) والمنذري، وذكر القاسمي في إصلاح المساجد (107) أنه ليس في فضل ليلة النصف من شعبان حديث يصح وقال ابن رجب في لطائف المعارف (261): «وفي فضل ليلة نصف شعبان أحاديث أخر متعددة، وقد اختلف فيها، فضعفها الأكثرون، وصحح ابن حبان بعضها» وقال أبو شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث (33): «وقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتاب ما جاء في شهر شعبان: قال أهل التعديل والتجريح: ليس في فضل ليلة النصف من شعبان حديث صحيح».
2- أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحياها، أو أمر بإحيائها، ولم يثبت ذلك عن أحد من أصحابه، قال ابن رجب في لطائف المعارف (264): «قيام ليلة النصف من شعبان لم يثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، وثبت فيه عن طائفة من التابعين» وذكر منهم خالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر.
3- أن ابن رجب ذكر في لطائف المعارف (263) أن من استحب العبادة في هذه الليلة مستنده آثار إسرائيلية والآثار الإسرائيلية ليس مستندا شرعيا لإثبات الأحكام الشرعية.
4- أن ثبوت إحيائها من بعض التابعين ليس دليلا على شرعية ذلك، فإن الدليل الشرعي هو ما قاله الله سبحانه في كتابه، وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم، وما ثبت من فعل الصحابة قال الشيخ ابن باز في التحذير من البدع (13): «وأما ما اختاره الأوزاعي – رحمه الله – من استحباب قيامها للأفراد، واختيار الحافظ ابن رجب لهذا القول فهو غريب وضعيف، لأن كل شيء لم يثبت بالأدلة الشرعية كونه مشروعا لم يجز للمسلم أن يحدثه في دين الله، سواء فعله مفردا أو في جماعة، وسواء أسره أو أعلنه، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» وغيره من الأدلة الدالة على إنكار البدع والتحذير منها».
5- أن التابعين الذين عاصروا القائلين باستحباب إحياء ليلة النصف من شعبان قد أنكروا عليهم ذلك، مما يدل على عدم موافقتهم لهم، وأن هذا الإحياء ليس من السنة، بل صرحوا ببدعيته، قال ابن رجب في لطائف المعارف: «وأنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز، منهم عطاء وابن أبي مليكة، ونقله عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة».
6- أنه على اعتبار صحة حديث أبي موسى السابق فليس فيه دليل على تخصيص ليلة النصف من شعبان بعبادة دون باقي الليالي، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له»، وهذا الحديث يدل على أن الله سبحانه مطلع على خلقه، يجيب دعوتهم، ويغفر لهم ذنوبهم، وليس هذا خاصا أو متوقفا على ليلة معينة في السنة، بل شامل لجميع الليالي دون تخصيص.
7- وأختم بكلام جامع مانع لشيخ الإسلام في عصره الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى حث يقول في التحذير من البدع (15-16): «ومما تقدم من الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم، يتضح لطالب الحق أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة وغيرها، وتخصيص يومها بالصيام بدعة منكرة عند أكثر أهل العلم، وليس له أصل في الشرع المطهر، بل هو مما حدث في الإسلام بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم، ويكفي طالب الحق في هذا الباب قول الله عز وجل: (اليوم أكملت لكم دينكم)، وما جاء في معناها من الآيات، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وما جاء في معناه من الأحاديث، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يومها بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم»، فلو كان تخصيص شيء من الليالي بشيء من العبادة جائزا لكانت ليلة الجمعة أولى من غيرها، لأن يومها هو خير يوم طلعت عليه الشمس بنص الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
صيام آخر شعبان:
الأحاديث السابقة تدل على استحباب صيام أكثر شعبان كما كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن هل يجوز صوم آخر أيام شعبان، وخصوصا آخر يومين منه؟
الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم تفيد بعدم جواز صيام يوم أو يومين قبل رمضان، فقد صح في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا من كان يصوم صوما فليصمه». ومعنى الحديث: لا تصوموا قبل رمضان يوما أو يومين، إلا من كان له صوم معتاد اعتاد صيامه، كالمعتاد على صوم الاثنين والخميس، أو صوم يوم وفطر يوم، فهذا يجوز له الصوم قبل رمضان بيوم أو يومين إذا وافق صيامه المعتاد.
ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال في ليلته، يحتمل أن يكون أول رمضان إذا نقص شهر شعبان عن الثلاثين يوما، ويحتمل أن يكون من شهر شعبان إذا كان تاما، ولذلك صح في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتموه ـ أي هلال رمضان ـ فصوموا، وإذا رأيتموه ـ أي هلال شوال ـ فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين».
2- الفصل بين صيام الفرض والنفل، أي صوم رمضان الذي هو فرض، وصوم شعبان الذي هو نفل، فإن جنس الفصل بين الفرائض والنوافل مشروع، ولهذا حرم صيام يوم العيد ليكون فاصلا بين صوم رمضان وصوم ستة أيام من شوال، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن توصل صلاة مفروضة بصلاة حتى يفصل بينهما بكلام أو خروج، كما صح في صحيح مسلم عن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا توصل صلاة بصلاة حتى تتكلم أو تخرج».
4- وقيل بأن العلة من النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين: تعبدية، فلا نعقل معنى ذلك، ولا العلة منه، وهذه من أحسن المعاني التي قيلت في ذلك، لأن المسلم مطلوب منه الرضا بأحكام الشرع دون السؤال عن العلة ما لم تكن منصوصة، وهذا فيه الاطمئنان التام لهذه الشريعة الكاملة التي جاءت من لدن حكيم خبير سبحانه، فكل أحكام الله متصفة بالحكمة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها.
ملحوظة مهمة:
قد يظن بعض الناس أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل، لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصيام، ولهذا يقول بعض الجهلة: هي أيام توديع للأكل، ولذلك انشد بعضهم:
إذا العشرون من شعبان ولت
فواصل شرب ليلك بالنهار
ولا تشرب بأقداح صغار
فإن الوقت ضاق على الصغار
ولذلك ظهرت عادة منتشرة في الخليج تسمى بـ «القريش» وهو طعام يكون غالبا وقت الضحى قبل رمضان بيوم، وتوضع فيه أصناف الأطعمة، فقد تكون هذه العادة مأخوذة من هذا الظن الذي يظنه بعض الجهلة
وقد ذكر ابن رجب في لطائف المعارف (276) أن أصل ذلك متلقى من النصارى، فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم، وهذا كله خطأ وجهل ممن ظنه.
مضى رجب وما أحسنت فيه
وهذا شهر شعبان المبارك
فيا من ضيع الأوقات جهلا
بحرمتها أفق واحذر بوارك
فسوف تفارق اللذات قهرا
ويخلي الموت كرها منك دارك
تدارك ما استطعت من الخطايا
بتوبة مخلص واجعل مدارك
على طلب السلامة من جحيم
فخير ذوي الجرائم من تدارك
معالم آية د. وليد خالد الربيع(إنك لا تهدي من أحببت)
ولو تفحص العاقل نعم الله عليه، ولن يحصيها عدا، فلن يجد أعظم نعمة من نعمة الهداية، قال ابن القيم: «فإن أفضل ما يقدر الله بعبده وأجل ما يقسمه له (الهدى) وأعظم ما يبتليه به ويقدره عليه (الضلال)، فكل نعمة دون نعمة الهدى، وكل مصيبة دون مصيبة الضلال»، ولهذا قال عز وجل: (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين).
ومن عظمة الهداية أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من أنواع النعيم فإن أول ما يقولونه: (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله)، وأعظم ما يتحسر عليه المفرط حين يرى العذاب أنه لم يكن من المهتدين كما قال تعالى: (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين. أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين)، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني، فيكون له شكر، وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني، فيكون عليه حسرة». أخرجه أحمد والحاكم.
وقد ذكر الله عز وجل في مواضع كثيرة من كتابه أن الهدى والضلال بيده سبحانه وتعالى فقال: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا)، وهذا من عظمته وكمال تفرده بالخلق والتدبير أنه يصطفي من يشاء من عباده فيوفقه للخير وهذا من فضله كما قال عز وجل: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم».
وقد يشكل على بعض الأفهام آيتان قرآنيتان تثبت إحداهما الهداية لرسول الله صلى الله عليه وسلم والأخرى تنفيها عنه، فالآية الأولى قوله تعالى: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) والأخرى قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت).
قال الشيخ ابن سعدي: «يخبر تعالى أنك يا محمد - وغيرك من باب أولى- لا تقدر على هداية أحد، ولو كان من أحب الناس إليك، فإن هذا أمر غير مقدور للخلق هداية للتوفيق، وخلق الإيمان في القلب، وإنما ذلك بيد الله سبحانه تعالى، يهدي من يشاء، وهو أعلم بمن يصلح للهداية فيهديه، ممن لا يصلح لها فيبقيه على ضلاله.
وأما إثبات الهداية للرسول في قوله تعالى: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) فتلك هداية البيان والإرشاد، فالرسول يبين الصراط المستقيم، ويرغب فيه، ويبذل جهده في سلوك الخلق له، وأما كونه يخلق في قلوبهم الإيمان، ويوفقهم بالفعل، فحاشا وكلا.
ولهذا، لو كان قادرا عليها، لهدى من وصل إليه إحسانه، ونصره ومنعه من قومه، عمه أبا طالب، ولكنه أوصل إليه من الإحسان بالدعوة للدين والنصح التام، ما هو أعظم مما فعله معه عمه، ولكن الهداية بيد الله تعالى». اهـ.
ومما يزيد الأمر وضوحا ويزيل ما قد يطرأ على الأذهان من تساؤلات هو أن نعلم ان الهداية ليست نوعا واحدا بل إنها أقسام عديدة ومراتب متنوعة:
فالمرتبة الأولى: الهداية العامة:
وهي هداية كل نفس إلى مصالح معايشها وما يقيمها وهي أعم المراتب، وهو ما فطر الله عليه عباده من الاعمال الفطرية التي فيها مصالحهم والبعد عن مضارهم، كما قال عز وجل: (الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى) وقال على لسان موسى عليه السلام: (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى)، فإعطاء الخلق هو إيجاده في الخارج الموجود، والهداية هي التعليم والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه وما يقيمه.
المرتبة الثانية: هداية الإرشاد والبيان للمكلفين:
وهي هداية المكلفين ببيان الحق من الباطل وتمييز طريق الرشد من طريق الغواية وبيان الخير من الشر، وهذه المرتبة أخص من التي قبلها لأنها تختص بالمكلفين فقط وهي حجة الله عز وجل على خلقه التي لا يعذب أحدا إلا بعد إقامتها عليه كما قال عز وجل: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وقال: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل).
وهذه الهداية هداية بيان وتوجيه وإرشاد وتعليم ولا تستلزم حصول التوفيق واتباع الحق في نفس الأمر فلا دخل لها بإدخال الهداية في القلوب وشرح الصدور كما قال عز وجل: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) فقد تمت هدايتهم ببعثة الرسول المبين لهم، وقال عز وجل: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) فهداهم الله تعالى هداية البيان والدلالة فلم يهتدوا فأضلهم الله عقوبة لهم بعد أن عرفوا الحق فأعرضوا عنه، وقال عز وجل: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) فقد أودع الله في كل نفس حب الخير وكراهية الشر كما قال عز وجل: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها).
المرتبة الثالثة: هداية التوفيق والإلهام:
وهي أخص من التي قبلها، وتتحقق هذه الهداية بأن يوفق الله عز وجل العبد إلى سلوك طريق الحق والاستقامة ويبعده عن طريق الانحراف، كما قال عز وجل: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)، وقال: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه)، وقال: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان)، وهذه الهداية هي فعل الله عز وجل الذي اختص به وقد نفاه عن رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم فقال: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) وقال: (إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل)، فالرسول صلى الله عليه وسلم يهدي هداية البيان والتوجيه وهي المرتبة الثانية كما قال تعالى: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) لكنه لا يملك هداية التوفيق وشرح الصدور كما تقدم.
وحيث تقرر أن الهداية بيد الله عز وجل وجب على العبد أن يسعى في تحصيلها ويجتهد في اكتسابها، تماما كما يسعى في تحصيل الرزق والبحث عن أسباب الشفاء مع إيمانه التام واعتقاده الجازم بأن الرزق بيد الله والشفاء من عنده وحده».
وأول أسباب تحصيل الهداية هو سؤال الله عز وجل أن يرزق العبد الهداية وأن يوفقه للحق علما وإرادة وقبولا، كما أن الاعتصام بالله ودينه والقيام بالأعمال الصالحة سبيل لتحصيل الهداية كما قال عز وجل: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم)، وقال عز وجل: (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم)، وأيضا فإن التوبة النصوح سبب للهداية قال عز وجل: (قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب).
نسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل، وأن يوفقنا لصالح الأعمال والأخلاق، وأن يتقبل منا اليسير، وأن يتجاوز عن التقصير، وبالله التوفيق.