Note: English translation is not 100% accurate
شهر الانتصارات
فتح الأندلس بدأ بحلم جميل وانتهى بكابوس مفجع «2-2»
12 يوليو 2015
المصدر : الأنباء
نستكمل قصة فتح الاندلس على يد القائد موسى بن نصير وبعد العقبات الثلاث التي واجهها جاءت العقبة الرابعة وهي محدودية قوات المسلمين الفاتحين التي جاءت من جزيرة العرب ومن الشام واليمن، وكانت في الوقت نفسه منتشرة في بلاد الشمال الأفريقي، ومن ثم قد لا يستطيع أن يتم فتح الأندلس بهذا العدد القليل من المسلمين، هذا مع خوفه أن تنقلب عليه بلاد الشمال الأفريقي إذا هو خرج منها بقواته.وفي مقابل قوة المسلمين المحدودة كانت قوات الاعداء تقف بعدتها وضخامتها عقبة في طريق الفتح تحت قيادة لذريق القائد القوي.
طبيعة جغرافية الأندلس
كان البحر حاجزا بين المسلمين وبلاد الأندلس، فلم يكونوا على علم بطبيعتها وجغرافيتها، وهذا ما يجعل الإقدام على غزو أو فتح هذه البلاد أمرا صعبا، فضلا عن هذا فقد كانت بلاد الأندلس تتميز بكثرة الجبال والأنهار، تلك التي ستقف عقبة كئودا أمام حركة أي جيش قادم، خاصة إذا كانت الخيول والبغال والحمير هي أهم وسائل ذلك الجيش في نقل العدة والعتاد.
موسى بن نصير ومواجهة العقبات
لم يستسلم موسى بن نصير رغم هذه العقبات التي كانت موجودة في طريق فتح الأندلس، بل زادته هذه العقبات إصرارا على فتحها، ومن هنا بدأ ـ وفي أناة شديدة ـ يرتب أموره ويحدد أولوياته، فعمل على مواجهة هذه العقبات على النحو التالي:
أولاً: بناء الموانئ وإنشاء السفن
بدأ موسى بن نصير في عام (87 أو 88هـ= 706 أو 707م) ببناء الموانئ التي تشيد فيها السفن، وإن كان هذا الأمر ربما يطول أمده، إلا أنه بدأه بهمة عالية وإرادة صلبة، فبنى أكثر من ميناء في الشمال الأفريقي.
ثانياً: تعليم الأمازيغ الإسلام
وفي أثناء ذلك بدأ موسى بن نصير ـ أيضا ـ يبذل جهودا أكبر لتعليم الأمازيغ الإسلام في مجالس خاصة لهم، أشبه بما نسميه الآن الدورات المكثفة، فلما اطمأن إلى فهمهم للإسلام بدأ يعتمد عليهم ويستعملهم في جيشه، وهذا الصنيع من الصعب ـ إن لم يكن من المستحيل ـ أن نجده عند غير المسلمين، فلم تستطع دولة محاربة أو فاتحة غير الدول الإسلامية أن تغير من طبائع الناس وحبهم وولائهم الذي كانوا عليه، حتى يصبحوا هم المدافعين عن هذه الدولة والناشرين لدينها، خاصة إذا كانوا حديثي عهد بهذا الفتح أو بهذا الدين الجديد، فهذا أمر عجيب حقا، ولا يتكرر إلا مع المسلمين وحدهم، فقد ظلت فرنسا ـ على سبيل المثال ـ في الجزائر مائة وثلاثين عاما، ثم خرجت جيوشها، بينما ظل الجزائريون كما كانوا على الإسلام لم يتغيروا، بل زاد حماسهم له وزادت صحوتهم الإسلامية.
علم موسى بن نصير الأمازيغ الإسلام عقيدة وعملا، وغرس فيهم حب الجهاد وبذل النفس والنفيس لله، فكان أن صار جل الجيش الإسلامي وعماده من الأمازيغ الذين كانوا منذ ما لا يزيد على خمس سنوات من المحاربين له.
ثالثاً: تولية طارق بن زياد على الجيش
القائد هو قبلة الجيش وعموده، بهذا الفهم ولى موسى بن نصير قيادة جيشه ـ المتجه إلى فتح بلاد الأندلس ـ القائد الأمازيغي المحنك طارق بن زياد (50-102هـ= 670-720م) ذلك القائد الذي جمع بين التقوى والورع، والكفاءة الحربية، وحب الجهاد، والرغبة في الاستشهاد في سبيل الله، ورغم أنه كان من الأمازيغ وليس من العرب إلا أن موسى بن نصير قدمه على غيره من العرب، وكان ذلك لعدة أسباب، منها:
1- الكفاءة: لم يمنع كون طارق بن زياد غير عربي أن يوليه موسى بن نصير قيادة الجيش، فهو يعلم أنه ليس لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي فضل إلا بالتقوى، فقد وجد فيه الفضل على غيره، والكفاءة في القيام بهذه المهمة على أكمل وجه، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن دعوة الإسلام ليست دعوة قبلية أو عنصرية تدعو إلى التعصب، وتفضل عنصرا أو طائفة على طائفة، إنما هي دعوة للعالمين: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ـ الأنبياء: 107).
2- قدرته على فهم وقيادة قومه: إضافة إلى الكفاءة التي تميز بها طارق بن زياد كان لأصله الأمازيغي الفضل في القضاء على أي من العوامل النفسية التي قد تختلج في نفوس الأمازيغ الذين دخلوا الإسلام حديثا، ومن ثم استطاع قيادتهم وتطويعهم للهدف الذي يصبو إليه، ثم لكونه أمازيغيا فهو قادر على فهم لغة قومه، إذ ليس كل الأمازيغ يتقنون الحديث بالعربية، وكان طارق بن زياد يجيد اللغتين العربية والأمازيغية، ولهذه الأسباب وغيرها رأى موسى بن نصير أنه يصلح لقيادة الجيش فولاه إياها.
رابعاً: فتح جزر البليار وضمها إلى أملاك المسلمين
من أهم الوسائل التي قام بها موسى بن نصير تمهيدا لفتح الأندلس، وتأمينا لظهره ـ كما عهدناه ـ قام بفتح جزر البليار ـ التي ذكرناها سابقا ـ وضمها إلى أملاك المسلمين، وبهذا يكون قد أمن ظهره من جهة الشرق، وهذا العمل يدل على حنكته وبراعته في التخطيط والقيادة، ومع هذا كله فقد أغفل دوره في التاريخ الإسلامي كثيرا.