- الإنسان يستوحش بفراق وطنه كما يستوحش بفراق مسكنه فالوطن عزيز وإن جار أهله عليه
- أسس الوطن والوطنية وضعها الكتاب والسنّة بلا إفراط ولا تفريط
أسس الوسطية بالمعنى المتوازن للوطن والوطنية الذي لا افراط فيه ولا تفريط وضعها الكتاب والسنة المطهرة. وعن معنى تأصيل الوسطية في الوطن والوطنية من خلال بعض الأحاديث النبوية يحدثنا د.عجيل النشمي، مبينا فيها ان مفهومي الوطن والوطنية قد وقع فيهما لغط كما وقع لبس وتداخل في تحديد الحقوق والواجبات، كما وقع فيهما لغط وخلط في معنييهما بين الافراط والتفريط دون حد وسط واعتدال.
ولفت إلى ان منهم من جعل الوطن أرضه المقدسة دون سواه، والوطنية عقيدة تربط بين أبناء الوطن ولا رابط بينهم سواها، فأنتج ذلك حبا اعمى وتعصبا قوميا وعرقيا مقيتا، وفي الجانب الآخر هناك من لا يرى للوطن حرمة ولا للوطنية احتراما، وهناك صنف ثالث يرون ان الولاء والبراء يتناقض وحب واحترام الوطنية وهذا صنف خطير لأنهم مسلمون من جلدتنا.
حول هذا الموضوع المهم نتعرف على ما يقوله د.عجيل النشمي.
يقول د.النشمي: وردت أحاديث عديدة في الوطن ومشروعية حبه، والوطنية الإيجابية وحد الوسط فيها، بلا بخس ولا شطط، وقد حملت الأحاديث النبوية من المعاني ما يمثل ـ مع المعاني القرآنية تكاملا لوسطية الاسلام في مفاهيم الوطن والوطنية، من هذه المعاني:
«اظهار الحب والشوق الى الوطن» ومن ذلك ما روى أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة ـ مرتفعات المدينة ـ أوضع ـ أسرع ـ ناقته وان كانت دابة حركها.
قال أبوعبدالله: زاد الحارث بن عمير عن حميد حركها من حبها، قال ابن حجر: حركها أي حرك دابته بسبب حبه المدينة، وفي الحديث دلالة على فضل المدينة، وعلى مشروعية حب الوطن والحنين اليه.
وقال ابن بطال: وتعجيل سيره صلى الله عليه وسلم اذا نظر اليها من أجل أن قرب الدار يجدد الشوق للأحبة والأهل، ويؤكد الحنين الى الوطن، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة.
وفي هذا يقول الثعالبي: ان الانسان يستوحش بفراق وطنه كما يستوحش بفراق مسكنه، ألا ترى أن البكر اذا زنى جلد وغرّب عن بلده سواء كان له أهل أو لم يكن.
ويلحظ أن لفظ «كان» في الحديث يومئ الى تكرار ذلك الفعل منه صلى الله عليه وسلم، وهذا استجابة لفطرة حب الوطن والشوق اليه ولمن فيه من الأهل والأبناء، وتلقي أخباره، وفي الحديث اشارة الى أن النبي صلى الله عليه وسلم توطن المدينة مع أن مكة موطنه أصلا، وحبه لها باق ولولا اخراج أهلها له واذن الله له بالهجرة ما خرج منها، فالوطن عزيز وان جار أهله عليه.
وله في النفس وحشة، واذا كان فراق المنزل يورث الوحشة فكيف بفراق الديار.
وفي حديث ورقة بن نوفل لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم سيخرجونه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أومخرجي هم؟» قال السهيلي: وانما قال ذلك، لان فراق الوطن شديد على النفوس، فقال: «نعم! انه لم يأت أحد بمثل ما جئت به الا عودي، وان يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا «أي أنصرك نصرا عزيزا أبدا».
وفي بقية الحديث أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لتكذبنه فلم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، ثم قال ولتؤذينه فلم يقل له شيئا، ثم قال ولتخرجنه فقال: أومخرجي هم؟ ففي هذا دليل على حب الوطن وشدة مفارقته على النفس وأيضا فإنه حرم الله وجوار بيت أبيه اسماعيل فلذلك تحركت نفسه عند ذكر الخروج منه ما لم تتحرك قبل ذلك، فقال: أومخرجي هم؟ والموضع الدال على تحرك النفس وتحرقها ادخال الواو بعد ألف الاستفهام مع اختصاص الاخراج بالسؤال عنه وذلك أن الواو ترد الى الكلام المتقدم وتشعر المخاطب بأن الاستفهام على جهة الانكار أو التفجع لكلامه أو التألم منه.
وعن المعنى الثاني قال: «اعلان الحنين الى الوطن والتغني بحبه»
ومن ذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبوبكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبوبكر اذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله
والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال اذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته ـ أي صوته ببكاء أو بغناء - ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة
وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: «اللهم حبب الينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة» صحيح البخاري.
ووصل حب بلال لمكة أنه كان يلعن من كان سببا في اخراجه فكان يقول: اللهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا الى أرض الوباء، «أي أخرجهم من رحمتك كما أخرجونا من وطننا».
وقال السهيلي: في هذا الخبر وما ذكر فيه من حنينهم الى مكة ما جبلت عليه النفوس من حب الوطن والحنين اليه وقد جاء في حديث أصيل الغفاري ويقال فيه الهدلي ـ وقد سبق التنويه به ـ أنه قدم من مكة، فسألته عائشة كيف تركت مكة يا أصيل؟ فقال تركتها حين ابيضت أباطحها، وأحجن ثمامها، وأغدق اذخرها، وأمشر سلمها، فاغرورقت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال «لا تشوفنا يا أصيل»، ويروى أنه قال له: «دع القلوب تقر»، وقد قال الأول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بوادي الخزامى حيث ربتني أهلي
بلاد بها نيطت علي تمائمي
وقطعن عني حين أدركنى عقلي
وفي الحديث مشروعية التغني وانشاد الشعر في الحنين الى الوطن وتذكر مرابع الصبا والذكريات العزيزة على النفس، وأن من أخرج من وطنه قهرا وظلما جاز له الدعاء على الظلمة.
والدعاء الى الله بالعودة بأسرع ما تكون العودة، سلما أو حربا ان كان ذلك ممكنا. وفيه استحباب الدعاء للوطن بما فيه خيره وصحة أهله ونفي الأمراض عنهم وكل ما يعكر صفو الحياة الرغيدة.
مواقف وذكريات
أما المعنى الثالث: حب ما في الوطن من معالم لها في النفوس ذكريات ومواقف ومن ذلك ما ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى خيبر أخدمه فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم راجعا وبدا له أحد قال: «هذا جبل يحبنا ونحبه، ثم أشار بيده الى المدينة قال اللهم اني أحرم ما بين لابتيها كتحريم ابراهيم مكة اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا» «صحيح البخاري».
فانظر رقة هذا الحديث حتى الطبيعة الجمالية الجامدة لها في النفوس مساحة من الحب، فهي جزء من الوطن الكبير، وقس على ذلك حب ما في الوطن من خيرات ونعم ومن أنهار ووديان وحدائق، وما فيها من حيوان وطائر، ونحو ذلك مما فيه من حي وجامد. ولكن حب النبي صلى الله عليه وسلم لأحد حب من نوع خاص حب متبادل كما الحب بين حبيب ومحبوبه.
وأما المعنى الرابع «الحث على ملازمة الوطن» ومن ذلك ما روي عن عبدالله بن عدي بن الحمراء الزهري أخبره أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بالحزورة في سوق مكة فقال: «والله انك لخير أرض الله وأحب أرض الله الى الله عز وجل ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» «مسند الامام أحمد بن حنبل (4/305)، حديث رقم (18737).
هذا لفظ من النبي صلى الله عليه وسلم فيه أشد الحث على ملازمة الوطن عامة فكل أرض تحب لما فيها من خير واستقرار، ولكن أشدها حبا أرض العبادة التي باركها الله وجعل القلوب المؤمنة تهفو اليها وتحن ولو لم تكن هي أرضها ووطنها، والبقاء في الوطن يعني اعماره وحمايته والعيش في نعيمه.
قال السهيلي - بعد أن ذكر الهجرة الى الحبشة: وفيه من الفقه الخروج عن الوطن وان كان الوطن مكة على فضلها، اذا كان الخروج فرارا بالدين وان لم يكن الى اسلام - أي الى بلد مسلم.
وعن المعنى الخامس «حب الوطن وصلته بالإيمان»
ورد في ذلك حديث ضعيف ولكن محل ذكره هنا لصحة المعنى فلننظر كلام العلماء في ذلك وتأويلهم لحديث «حب الوطن من الايمان» قال الزركشي لم أقف عليه، وقال السيد معين الدين الصفوي ليس بثابت وقيل انه من كلام بعض السلف قال السخاوي: لم أقف عليه ومعناه صحيح.
وقال المنوفي ما ادعاه من صحة معناه عجيب اذ لا ملازمة بين حب الوطن وبين الايمان ويرده قوله تعالى: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه الا قليل منهم) فانه دل على حبهم وطنهم مع عدم تلبسهم بالايمان اذ ضمير عليهم للمنافقين.
وتعقبه بعضهم بأنه ليس في كلامه أنه لا يحب الوطن الا مؤمن وانما فيه أن حب الوطن لا ينافي الايمان.
قال الشيخ ملا علي القاري: ولا يخفى أن معنى الحديث حب الوطن من علامة الايمان، وهي لا تكون الا اذا كان الحب مختصا بالمؤمن فاذا وجد فيه وفي
غيره لا يصلح أن يكون علامة قبوله. ثم قال: ومعناه صحيح نظرا الى قوله تعالى حكاية عن المؤمنين: (وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا)، فصحت معارضته بقوله تعالى: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا) ثم قال: الأظهر في معنى الحديث ان صح مبناه أن يحمل على أن المراد بالوطن الجنة فانها المسكن الأول لأبينا آدم على خلاف فيه أنه خلق فيه أو دخل بعدما تكمل وأتم، أو المراد به مكة فإنها أم القرى وقبلة العالم، أو الرجوع الى الله تعالى على طريقة الصوفيين فانه المبدأ والمعاد كما يشير اليه قوله تعالى: (وأن الى ربك المنتهى).
أو المراد به الوطن المتعارف لكن بشرط أن يكون سبب حبه صلة أرحامه واحسانه الى أهل بلده من فقرائه وأيتامه ثم التحقيق أنه لا يلزم من كون الشيء علامة له اختصاصه به مطلقا بل يكفي غالبا ألا ترى الى حديث «حسن العهد من الايمان» و«حب العرب من الايمان» مع أنهما يوجدان في أهل الكفران.
ويحتمل أن المعنى صحيح بمعنى الايمان بلوازم الوطن أي بما لا ينفصل عنه فحبه من حبه بالنسبة للمؤمنين، فهو موضع دفاعه عن ماله ودمه ودينه وأهله، حتى اعتبر من مات دون ذلك شهيدا كما ورد في الحديث «من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد».