- الإنشاد وإن كان نوعاً من الغناء لما فيه من اللحن إلا أنه يكون خالياً من الآلات الموسيقية
- استمع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشعر والإنشاد في مسجده
انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة استعمال الآلات الإيقاعية والموسيقية في الأناشيد لدى الدعاة، وأصبحت هذه الآلات الموسيقية تسمع عبر الكمبيوتر وقد يصاحب هذه الأناشيد ظهور المنشدين بتمايل وحركات مثل حركات المغنيين، كما تستخدم إضاءات شبيهة بإضاءة الحفلات الماجنة.. فما حكم الشرع في هذه الظاهرة؟ هذا ما يوضحه لنا العميد السابق لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية ورئيس رابطة علماء الشريعة لدول مجلس التعاون الخليجي د.عجيل النشمي.
يفرق د.عجيل النشمي بين الإنشاد والغناء بقوله: الغناء بالمعازف هو الذي اختلف فيه الفقهاء بين محرم وهم جمهور الفقهاء، وبين كاره، وقليل من قال بالإباحة لكننا على يقين أن من لم يقل بالحرمة لو استمع أو شاهد الغناء والمغنيين بالمعازف الصاخبة والكلمات الماجنة لقال بالحرمة، وأما آلات الغناء فإن كانت من جنس المعازف وهي الآلات الموسيقية المعروفة اليوم فهي دائرة بين الحرمة أو الكراهة، وهي الى الحرمة أقرب وإليه ميل جمهور الفقهاء، أما الغناء بالدف فهو مباح وقد يكون مستحبا في مناسبات الفرح، أما ما هو من جنس الدف مثل الطبل والكوبة ـ شبيهة بالدنبك ـ والمرواس ونحوها فهي على الراجح دائرة بين المكروه أو المباح، وهي الى المباح أقرب واليه ميل جمهور الفقهاء، وان مما يعين على القول بإباحتها اليوم استعمال المنشدين لها بديلا عن المعازف ودفعها لمفسدة الآلات الموسيقية وما يصاحبها من محرمات.
وأشار د.النشمي الى الإنشاد انه هو الترنم بالشعر ويعده الفقهاء نوعا من الغناء وهو معروف قديما عند العرب ويسمى «النصب» وهو نوع من الغناء عند العرب فيه تمطيط يشبه الحداء وقيل هو الذي أحكم من النشيد وأقيم لحنه ووزنه وكان الصحابة يطلبون من بلال بن المغترف رضي الله عنه ان ينصب لهم نصب العرب أي ينشد، أخرجه البيهقي في السنن من حديث السائب بن يزيد 101/224 والإنشاد أو النصب وإن كان نوعا من الغناء لما فيه من الترنم واللحن إلا انه يكون خاليا من الآلات الموسيقية أو ما يسميه الفقهاء بالمعازف.
وقد استمع النبي صلى الله عليه وسلم الى الشعر والإنشاد في مسجده لما روي جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «شهدت النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة في المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية فربما تبسم معهم» الترمذي 140/5، وقال حديث حسن صحيح وأحمد 91/5، وقد وضع لحسان رضي الله عنه منبرا في المسجد ينشد عليه الشعر (الترمذي 139/2) وقال حديث حسن، وقد استمع النبي صلى الله عليه وسلم إلى كعب بن زهير في قصيدته المشهورة في المسجد، كما استمع الى الانشاد والغناء ـ وهو أعم من الإنشاد ـ مع الضرب بالدف لجاريتين تغنيان عند عائشة رضي الله عنها في مناسبة العيد.
خلاف يسع العامة
وقال د.النشمي: إذا كان الفقهاء قد اختلفوا في حكم الغناء بالمعازف فخلافهم قد يسع العامة ولكنه لا يسع الخاصة وهم الدعاة إلا في أضيق نطاق، ولا يخفى ان ظهور الأناشيد قصد فيها ان تكون بديلا عن الغناء المصاحب للموسيقى المعروفة اليوم، ولتلافي آثارها المدمرة للأخلاق ولما يصاحبها من معاني الفسق والفجور، خاصة ما توضع فيه من إخراج مثير للفتن مسموعا أو مرئيا.
ضوابط
وأضاف: وكان المقصود من الأناشيد أيضا ان تحقق أهدافا تربوية ودعوية تبث في نفوس الفتيان والفتيات الحماسة لدينهم وتاريخهم وأمجادهم وتزكي فيهم المعاني الإسلامية السامية، ولتحقيق هذه الغايات والأهداف لا بد ان يتقيد الإنشاد والمنشدين بعدة ضوابط أولها: الا يصاحب الإنشاد الآلات الموسيقية المعروفة ولو كانت تخرج عن طريق الكمبيوتر لأن العبرة بالسماع لا بمصدره أو نوع الآلة، ولا بأس بمصاحبة الدف أو الطبل أو الكويه «الدنبك» او المرواس دون صخب ولا ضجيج يعلو صوت المنشد أو المنشدين، ثانيا: ان تكون كلمات الإنشاد تعبر عن المعاني السامية وبكلمات هادفة وحماسية أو دعوية، ولا بأس بأن تبدأ بكلمات غزل او تتخللها كلمات الغزل إذا كان عفيفا خفيفا فقد كانت أشعار العرب تبدأ بالغزل وان لم يكن موضوعها الغزل، لذا لا يصح ان يكون الغزل غالبا على موضوع الإنشاد التربوي او الدعوي فيغرق المنشد بالغزل ثم يتبين آخر انشاده انه يقصد المدينة المنورة او الكعبة المشرفة ونحو ذلك، ثالثا: ان يتحاشى المنشدون والمخرجون لطريقة الإنشاد الشبيه بالمغنين وما يصاحب غناءهم من صخب الموسيقى والإضاءات المبالغ فيها والميوعة في الغناء والحركات المائعة المتكلفة التي أصبحت ملازمة للمغنين، فلا بد من تميز المنشدين في مظهرهم وإلقائهم وجو الإنشاد العام خاصة في المهرجانات الإنشادية.
وأكد د.النشمي ان خروج المنشدين عن هذه الضوابط أو أحدها يخرج إنشاده من إطار الإنشاد المشروع المحقق للأهداف المرجوة منه ليصبح الى دائرة الغناء وأهله أقرب، كما ينبني على ذلك ايضا ان يمتنع الدعاة والداعيات عن المشاركة أو حضور مثل هذه المهرجانات الإنشادية إذا لم تكن ملتزمة بهذه الضوابط، وقال: نحن على يقين إن شاء الله إن التزم الدعاة بذلك فسنعيد للإنشاد أهميته ودوره في تحقيق البديل الشرعي عن الغناء ودفع مفسدته ويحقق الأهداف التربوية والدعوية.