Note: English translation is not 100% accurate
الشعر سيبقى ديوان العرب رغم الروايات والفضائيات
29 يناير 2009
المصدر : الأنباء
محمد مهاوش الظفيري
رغم هذا السعار الإعلامي الهائل على سبيل الصورة المرئية إعلاميا، والتسابق المادي الحاد، والعنيف وراء المادة بكل أنواعها وتفريعاتها وفي نفوس القراء والمتابعين والمستمعين، حتى عند أولئك الذين لا يحسنون قراءة الشعر بشكل صحيح، ولا يحبذون حضوره بشكل دائم أو شبه دائم، إلا على سبيل الاستماع، والاستماع فقط، إما مسايرة للآخرين، أو للترفيه عن النفس في بعض الأحيان، رغم كل هذا، يبقى الشعر في أولى المراتب محافظا على رونقه القديم مع اختلاف واضح في التعاطي معه. إن هذا الوضع يدل على إصرار هذه الأمة العربية ذات الهوية الواضحة والثقافة المميزة على إبراز بصمتها الذاتية الخاصة بها، كونها أمة كلام، وأمة بيان وبلاغة، وشعب يعشق الفصاحة والإفصاح عن مكنون الصدور حد الثمالة، ويرى ان التفنن في صنوف الكلام من أهم مقوماته الثقافية، كيف لا يكون ذلك، والعرب اسم مشتق من الإعراب، الإعراب عن مكنون الصدور وخبايا النفوس، أقول: رغم كل هذه الثورة التقنية الهائلة التي تجتاح العالم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ومن أعلى قمم الشمال الى مجاهل الجنوب. رغم كل هذه المادية الشرهة والحياة التي لا تعتمد إلا على الأرقام والحقائق الموثقة بالصور والمعتمدة على التقارير والأدلة والأرقام والرسومات البيانية، يبقى الشعر في مكانته المعهودة السابقة، وإن تناثرت بعض الأقاويل هنا وهناك عن ان الرواية أصبحت ديوان العرب الجديد، والشعر لا يستقيم ما لم يكن وراءه خيال يرفده ويقويه ويشد من أزره، لذا يظل الخيال حاضرا حضورا بينا، ولن يكون هناك شعر، ما لم يكن هناك خيال يرفد هذا الشعر بكل طاقاته التأملية وقدراته التخيلية التي تصنع منه شعرا يستحق القراءة. هذا الخيال الذي يتجاوز بأصحابه كل حدود الخيال، للدخول في عالم الميتافيزيقا الغارقة في التأمل. رغم المجازر والحروب واستباحة كرامات الدول ووأد حريات الشعوب، والقتل المنتشر على الهوية هذه الأيام، يظل هاجس الروح، وحب التطلع الى المستقبل المنظور أو غير المنظور، القائم على الخيال والتأمل، والاستغراق في عوالم ما وراء الطبيعة، يفرض نفسه على الشعراء، وعدد لا بأس به من متذوقي الأدب والفن، الشعر على وجه الخصوص.
ان المتأمل في إنسان هذا العصر، يجد ان الروح الشاعرية لديه قد اضمحلت، وضمر لديه الإحساس الإنساني الخلاق، وأصبح إنسان هذا العصر مثل الآلة، ليس له قيمة في حد ذاته، إلا بالقدر الذي يمكن الاستفادة منه، وهو ـ أي الإنسان ـ انقلب على إنسان الأمس وانسلخ منه، لأن إنسان الأمس كان متعلقا بالايمان وعبادة الله سبحانه وتعالى حق العبادة، أما إنسان اليوم، فهو يجري وراء المادة، ولا يؤمن إلا بالاقتصاد
وحتى لا يشطح فكر بعض القراء، حول حساسية الأمور الغيبية، أقول: ان الحكايات والأساطير التي كنا نسمعها عندما كنا صغارا من الأمهات والجدات قبل النوم لم يعد لها ذلك البريق هذه الأيام، بل لقد ذهبت مع من ذهب من كبار السن، لأن أبناء هذا الجيل، جيل الإنترنت والبلاي ستيشن الذين أعملوا عقولهم في التكنولوجيا وتفننوا في مهارات التقنية الحديثة، لم يعد لـ «تريترا أم ترتور» وحمارها الأعرج، والأطفال الذين تأخذهم في رحلة العذاب الطفولي، الذين ننام ونشبع نوما، وفي هذه اللحظة التي اكتب بها هذه السطور لم نقف على نهاية نختتم بها رحلتها الأزلية، أقول: ان هذا الجيل لم يعد يهتم بمثل هذه الحكايات الشعبية الجميلة، لأن عنصر التخيل اضمحل لديه، بالقدر الذي اتسع أفقه العلمي، وتطوره التقني الفني والمهاري، والشعر خيال لا يعترف بالحدود والأطر الثابتة المحددة بسيجات معينة، ترسم ملامح الأشياء بشكل ثلاثي الأبعاد، أما الخيال التأملي، فلا مجال له عندهم.
الشعر حدس يقوم على الخيال، فلا فلسفة تعتمد على المنطق والإثباتات العقلية، ومن هذا المنطلق خلط كثير من الناس بين الشعر والمنطق، ومادام الشعر خيالا أو نابعا من الخيال، انسحب هذا الخلط على الخيال كذلك. المنطق طريق العقلانية، والخيال سبيل التأمل.
والمنطق يعتمد على حقائق ومسلمات وبديهيات، بينما الخيال فضاء ممتد لا يمكن الإحاطة به، والمنطق له حدود يقف عندها، أو الوصول إليها، أما الخيال، فلا يؤمن بالحدود ولا يعترف بالحواجز، ومن الخيال ما هو فوق الخيال، وأعني به عالم ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا) ويمكن الاستفادة من التأمل الفلسفي في الشعر، إذا كان المحرك الأساسي له الخيال، وعندها يكون الشعر توقا فلسفيا روحانيا يهفو الى حياة روحية سامية متأملة في ملكوت الخيال الإنساني، بعيدا عن شوائب الحياة المادية وأنانيات العصر.
هذا الكلام، يقودنا الى ان الشعر روح لا عقل، لأن العقل إذا هام ضاع، وقد يدمر صاحبه ويدمر العالم من حوله، أما الروح إذا هامت، فإنها تبحث عن الجمال.
العقل قد يهيم في البحث عن الحقيقة، أما الروح فهي تنشد الجمال.
الطفل حينما يولد، أو حينما يكبر، الى أربع أو خمس سنوات يكون هاجس الخيال حاضرا لديه بقوة، بل ان العقل لديه مغيب أو شبه مغيب، فنجد ان الخيال عنده قوي، وحاضر معه بقوة، ويذهب به الخيال كل مذهب، ويأخذه الى عوالم لا يدرك حقيقتها أحد، أما العقل فلا ينمو إلا بالمعرفة والتعلم.
وعلى هذا الأساس نرى تغني عدد من الشعراء ببراءة الأطفال، لأن هذه البراءة، هي القصيدة - الحلم التي لم يكتبها أحد حتى الآن.
الشعر الحقيقي انفعال ثم إمكانية توظيف هذا الانفعال في مقال شعري معين، والنص الأدبي الرائع، ولاسيما الشعري منه، هو ذلك القادر على إيقاظ الروح المخبوءة في نفوس الآخرين وإشعال حرارة الحياة فيهم.
والأدب الذي يرضخ للحدود والموانع والحواجز لا يعد أدبا، ان الأدب المحترم هو الأدب المنطلق الحر في فكره وإبداعه وفي طريقة كتابته.
والكتابة الفوتوغرافية عند الناس والمجتمع لا تعد إبداعا، لأنها خالية من المشاهد النابضة الحية المفعمة بالروح، وبإمكان أي مصور يعمل في أي محل للتصوير، القيام بهذه المهمة خير قيام، لأن هذا النوع أغفل وظيفة الأدب العظيمة، وهي تسليط الضوء على خبايا النفوس، وتشخيص الأشياء الجامدة، وزرع الحياة فيها.
وليس غايته تحقيق مكاسب إنسانية، أو دفع قيم أخلاقية للشيوع، أو المساهمة في البحث عن حلول لمشاكل الناس، أو القضاء على أزمة الفقر، بل غاية الأدب، والشعر على وجه الخصوص، توسيع الفضاء الروحي لدى الإنسان، والارتقاء بذائقته الفنية، ومحاولة رفعه عن الأرض الى السماء، واختراق الأجزاء العلوية ما أمكن ذلك الإجراء، والنص الشعري لا يستطيع تحقيق أي غرض مرجو منه ما لم يكن ممتعا، وفيه نفس إبداعي واضح، يرتقي بالذائقة الفنية عن سفاسف ما يُطرح باسم الشعر، وعالم الشعر، والعمل الأدبي لا يصل لهذه الدرجة من النضج، ما لم يستطع كاتبه سكب شيء من روحه في هذا النص أو ذاك.
صفحة الواحة في ملف ( PDF )