كتاب ومؤلف
حاي الحاي: لم يصح حديث أو أثر في تمسّح الصحابة رضي الله عنهم بقبر النبي صلى الله عليه وسلم.. وعلى من ينقل هذه الروايات أن يتحرى الدقة والأمانة فإنه مسؤول أمام الله
العجب ممن يدعو المربوب الضعيف والمحتاج ويتناسى الرب الصمد الرزاق الذي تفتقر إليه كافة المخلوقات، والعجب ممن يستبدل عقيدة التوحيد الصافية النقية بعقيدة الخرافات والشرك، «أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير»، حول هذه القضية التقت «الأنباء» الإمام والخطيب في وزارة الأوقاف الداعية حاي الحاي لتناقشه حول كتابه الجديد المسمى «شرح الصدور في الرد على من أجاز التمسح بالقبور»، والذي فيه رد على من افترى على الأئمة الكبار وزعم جواز التمسح والتبرك بقبور الصالحين.
فهل التمسح بالقبور وسؤال أهلها النفع والضر من دون الله قضية خلافية بين أهل السنة والجماعة؟، وهل حقا ثبت تبرك أئمة السلف كالإمام الشافعي والإمام أحمد بآثار الصالحين والعباد؟ وهل إذا ثبت مثل ذلك في حقهم يعتبر حجة في المسألة؟ وماذا عن عقيدة آل البيت والصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ كل تلك التساؤلات أجاب عليها الحاي في كتابه، وفيما يلي نص اللقاء:
بداية حدثنا عن سبب تأليفكم لهذا الكتاب وعن أهمية الموضوع الذي تناوله؟
تكفل الله بحفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم من الضياع والفقدان، وأنشأ سبحانه رجالا يحفظون ويصونون ويذبون عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويميزون ما وضعه الوضاعون وزاده المرجفون أو المخلطون من الرواة وافتراه المفترون من أحاديث مكذوبة في امور العقيدة والعبادات، وما أروع كلمة الامام عبدالله بن المبارك عندما قيل له «هذه الاحاديث الموضوعة؟ فقال تعيش لها الجهابذة»، قال تعالى «انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون».
ومن أجل ذلك فإن أئمة الحديث وجهابذة هذا العلم الشريف ونقاده قاموا خير قيام في بيان حال الأحاديث صحة وضعفا وشذوذا وإدراجا ونكرا، ووضعوا قواعد وضوابط وأصولا عظيمة غاية في الدقة كل هذا لتمييز ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ونتعبد الله به جل وعلا مما نطرحه ولا نتعبد الله به، ولكن مع الأسف زهد كثير من المسلمين ورغبوا عن معرفة هذه القواعد مما أدى إلى انتشار الأحاديث الضعيفة والساقطة والموضوعة بين الناس وعملوا بها، وهذا أمر خطير أدى إلى انتشار البدع ومحدثات الأمور.
ولقد قرأت بعض المقالات التي خاض كتابها في مسائل اعتقادية خطيرة، وأتو بروايات باطلة في جواز التبرك والتمسح بالقبور، وعضدها بعضهم بآثار مكذوبة عن بعض الأئمة والصالحين، أملا في إيهام القراء بصحة ما ذهبوا إليه من دعاوى شركية خرافية، فأردت بهذا التصنيف الذب عن منهج ومعتقد السلف الصالح رضي الله عنهم.
وقد كنت كتبت هذا البحث في مقالات صحافية، لكن بعد ذلك عرضت علي فكرة القيام بطباعتها والتوسع في بيان الأدلة فيها، حفظا للعلم ورجاء إفادة الشريحة الأكبر من القراء، وأسميته «شرح الصدور في الرد على من أجاز التمسح بالقبور».
الإمام أحمد بشر
لكن البعض يورد بعض المرويات عن الإمام احمد في مشروعية أو جواز التبرك بآثار الأنبياء والصالحين، كقبره صلى الله عليه وسلم ومنبره، فما الرد على ذلك؟
هذه الشبهة هي الدافع الأول وراء هذا التأليف، حيث فيها افتراء على إمام عظيم من أئمة أهل السنة والجماعة، خاصة أنه ممن عرف بحرصه على سد أبواب توصل إلى الشرك بالله جل وعلا، وفي ثبوت هذه الرويات نظر، وقد قال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله «في ثبوت مثل هذا عن الإمام أحمد نظر، وعلى فرض ثبوت ذلك عنه فهو كغيره من البشر يخطئ ويصيب»، بل قد ثبت عن الإمام أحمد أنه ينهى عن التبرك به وبغيره، كما قال العلامة ابن مفلح «فصل إنكار أحمد للتبرك به، وتواضعه، روى الخلال في (أخلاق أحمد)، عن علي بن عبدالصمد الطيالسي، قال: مسحت يدي على أحمد بن حنبل، ثم مسحت يدي على بدني، وهو ينظر، فغضب غضبا شديدا، وجعل ينفض يده، ويقول: عمن أخذتم هذا؟ وأنكره إنكارا شديدا»
ورواية أبي بكر الأثرم تبين أن الصحيح والحق عند الإمام أحمد عدم جواز التمسح وتلمس القبر، قال أبو بكر الأثرم «قلت لأبي عبدالله ـ يعني الإمام أحمد ـ قبر النبي صلى الله عليه وسلم يلمس ويتمسح به؟ قال ما أعرف هذا»، والخلاصة أنه لم يصح حديث أو أثر في تمسح الصحابة والصحابيات رضي الله عنهم بقبر النبي صلى الله عليه وسلم البتة، إنما هي أحاديث موضوعة أو منكرة أو ضعيفة.
أصحاب الكهف
البعض يستند الى مشروعية بناء المساجد على القبور بقصة أصحاب الكهف، وبقوله تعالى «قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا»، فما تعليقكم على ذلك؟
الجواب من عدة أوجه، منها أن أولئك كانوا كفارا ليسوا بمؤمنين وجاء الإسلام بتحريم ذلك، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وكذلك لو سلمنا أنهم كانوا مسلمين، فقد كانوا ضالين منحرفين بفعلهم ذلك، قد استحقوا لعن النبي صلى الله عليه وسلم بسببه، وهم جملة من الجهال والعامة، وأما الوجه الأخر فإن الله عز وجل لم يصف أولئك المتغلبين بوصف يمدحون لأجله، وإنما وصفهم بالغلبة وإطلاقها دون قرنها بعدل أو حق يدل على التسلط والهوى والظلم، ولا يدل على علم ولا هدى ولا صلاح ولا فلاح.
قبره كسائر القبور
إذن هل كانت هناك قبور معظمة أو مظاهر قبورية في القرون الفاضلة من صدر الإسلام.
لنرى تعامل الصحابة مع قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم لم يبرزوا قبره لقوله صلى الله عليه وسلم «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور انبيائهم مساجد»، بل دفن كما يدفن سائر المسلمين ولم يميزوه بشيء عن سائر الموتى، ولم يكن مشرفا، وكذلك قبرا صاحبيه ابي بكر وعمر رضي الله عنهما.
وكذلك كان قبره محجوبا عن الناس خشية الافتتان به، وحين ادخل مع توسعة مسجده صلى الله عليه وسلم بنوا على قبره حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر، هذا ما فعله اهل العلم واولوا الامر عندما اضطروا الى ذلك سترا للقبر سترا كاملا فلا ينظر اليه ولا يتمكن من الصلاة اليه، وما ذاك الا انهم فهموا الأحاديث الناهية عن الصلاة على القبور واليها، وعن اتخاذ القبور مساجد.
الأمانة في الكتابة
هل من كلمة أخيرة أو وصية تود ذكرها في نهاية اللقاء؟
أذكر نفسي وأمثالي من المقصرين بالاجتهاد في أداء السنن وامتثـــال الآداب والأخلاق النبوية قولا وعملا، مشيرا إلى قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله «وكثير من المنكرين لبدع العبادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك أو الأمر به، ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العبادات المشتمـلة علـــى نوع من الكراهة، بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا قوام لأحدهمــــا إلا بصاحبه، فلا ينهى عن منكر إلا ويؤمر بمعروف يغني عنه»
وختاما ننصح كل من تصدى للكتابة وبيان معتقد السلف الصالح رضي الله عنهــــم أن يتحـــرى الدقــة والأمانة في النقل فإنه مسؤول أمام الله عز وجل عن كل ما كتبت يمينــــه وخطـــه ذراعه، قال تعـــالى «ولا تقف ما ليـــس لك به علم إن السمـــــع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا».