دلال مدوه
يلاحظ المشاهد لأسواقنا الهجوم الدائم وفي كل وقت على التسوق والشراء، ويزداد هذا الهجوم شدة في أوقات التنزيلات والخصومات.
في السابق كان الشراء في المواسم والأعياد، والآن نذهب للأسواق في كل وقت ونشتري أشياء عديدة لسنا بحاجة إليها.
ونستنفذ من جهودنا وطاقتنا وأموالنا الكثير، لماذا؟
غالبا لمجرد التقليد والمحاكاة لما نراه لدى الآخرين من أشياء.
واذا تأملنا واقعنا وجدنا ان التقليد أصبح جزءا لا يتجزأ من حياتنا فلا نستطيع الاستغناء عنه، وصار الشراء لدينا نوعا من الادمان نمارسه بلا وعي أو دراية أو تخطيط.
ربما أصبنا دون ان نشعر بمرض الإدمان على الشراء الذي انتشر في مجتمعنا وصار كالوباء الذي لم نستطع السيطرة أو القضاء عليه.
فهل من الممكن عزيزي القارئ ان يكون التسوق مرضا يصيبنا بالإدمان؟
أوضحت دراسة ألمانية نشرتها وكالة «دويتشه فيله»: ان قرابة 10% من المستهلكين في الدول الغربية يعانون من «إدمان الشراء المرضي» أو ما يسمى علميا «أونيومانيا» وهو مصطلح ظهر لأول مرة قبل قرن من الزمان وأطلقه عالم النفس الألماني اميل كريبلينو الذي ذكر ان الناس في المدن لا يستطيعون ببساطة مقاومة رغباتهم الملحة في شراء أشياء جميلة تجعلهم يشعرون بالسعادة، حتى لو تركوا ما اشتروه في المنزل دون أن يفتحوه ولم يستخدموه على الاطلاق.
وقد بدأ ظهور هذا المرض بعد الحرب العالمية الثانية ثم الحرب الباردة، وبعد سقوط الشيوعية انتشر في أوروبا والصين وغيرها من الدول، ونتيجة لانتشار هذا المرض بصورة متسارعة أصبح مرضا ذا أبعاد كونية، فقام العلماء بإجراء الدراسات والأبحاث حوله وذلك لتطوير علاج جديد لمكافحته والتقليل من اضراره النفسية والاقتصادية، ومن هذه الأبحاث ما قام به فريق من مستشفى ايرلانغين الجامعي في ألمانيا بالاشتراك مع باحثين من جامعة نورث داكوتا في الولايات المتحدة على مدى أربع سنوات لسيدات ورجال تتراوح اعمارهم بين 20 و61 عاما من مدمني التسوق، وقد تبين لهم ان المريض كان يحس بقوة طاغية تحثه على الخروج وشراء الأشياء بغض النظر عن احتياجه لها أو حتى رغبته في اقتنائها، وفي غالبية الحالات فإن هاجس التسوق كان يضع ضغوطا هائلة على شركاء المريض وذويه من الناحيتين المالية والنفسية أيضا.
ووجد الباحثون ان ادمان التسوق تجاوز جميع المستويات الاجتماعية ومستويات الدخل لدى المرضى، ولاحظوا ان مدمني التسوق بشكل عام يعانون من ضعف تقدير الذات، الى جانب مشكلات اخرى مثل الخلل الغذائي، وغيره، وكما هو حاصل مع المدمنين الآخرين كمدمني الخمر أو المخدرات، فإن التسوق يجعل هؤلاء المدمنين يشعرون بتحسن على المدى القصير.
وذكر الباحثون ان ادمان التسوق أكثر انتشارا بين النساء لكنه يصيب ايضا عددا كبيرا من الرجال، وان العلاج الوحيد للمرض حتى الآن يتمثل في تناول الأدوية المضادة للاكتئاب، وحتى في هذه الحالة فإن أكثر من 60% من مدمني الشراء يعودون لما كانوا عليه، بينما العلاج الجديد الذي توصل اليه العلماء مؤخرا يعتمد على دعم تقدير المريض لذاته من الناحية النفسية.
وقد بينت الأبحاث ايضا ان من بين العوامل الرئيسية في الإصابة بهذا المرض ارتياح المريض في التعامل مع الباعة في المتاجر، لأنهم يشعرونه بقيمته.
وعلى الرغم من ادراكه انهم يفعلون ذلك رغبة في زيادة المبيعات، الا ان عقله الباطن يستريح لتلك المعاملة كما لو انها حقيقية.
ويذكر المختصون ان أولى خطوات العلاج ان يعترف مدمن الشراء بأن لديه مشكلة، وانه قد حان الوقت لعلاجها، ومن المفيد القيام بهذا الاعتراف للأهل والأصدقاء للحصول على دعمهم ومساعدتهم، والآن عزيزي القارئ بعد ان عرفت أعراض هذا المرض وأسبابه، لاحظ نفسك هل انت مدمن تسوق وبحاجة الى العلاج؟