دلال مدوه
ادى التقدم التكنولوجي والانفجار المعلوماتي الى حدوث نقلة نوعية في مختلف المجالات ومن ضمنها المجال المعرفي ونظام الدراسة، فلم يعد اسلوب التعليم ذلك الاسلوب التقليدي الذي يقتصر على الجلوس في الفصل الدراسي، او في قاعة المحاضرات وجها لوجه مع المعلم او المحاضر وتلقى المعلومة منه بصورة مباشرة، بل تطورت العملية التعليمية بشكل كبير يختصر لنا الزمان والمكان من خلال التعليم الالكتروني عن بعد عبر الانترنت وباستخدام برامج افتراضية للتدريس والتعليم.
ورغم ذلك التطور الذي يشهده العالم، فمازالت تجاربنا لم تتعد مرحلة الحضانة في هذا المجال، في الوقت الذي سبقتنا العديد من الدول المتقدمة وحتى النامية واثبتت نجاحا كبيرا فيه، واذا نظرنا حولنا وجدنا اننا نحتاج للكثير من الوقت والجهد والامكانيات للحاق بهم وتقليص الفجوة المعرفية بيننا وبينهم.
ويعتبر تطبيق نظام التعليم عن بعد من الضروريات الملحة حاليا في ظل عدم قدرة الجامعات على استيعاب الاعداد الكبيرة من خريجي الثانوية العامة او اولئك الراغبين في الحصول على مؤهلات علمية عالية لغرض الترقي في الوظيفة، او تحسين المستوى المعيشي، ولا توجد لديهم فرصة للالتحاق بالجامعات التقليدية، اما لضيق الوقت نتيجة لتواجدهم في اعمالهم او لوجود التزامات اسرية تمنعهم او بسبب الاعاقة الجسدية.
ومن جهة ثانية، فقد اقر المؤتمر الـ 39 لمجلس اتحاد الجامعات العربية الذي انعقد في الجزائر ابريل 2006 نظام التعليم المفتوح عن بعد وقام بالاعتراف به، وصوتت على هذا القرار الجامعات العربية الاعضاء في الاتحاد، الامر الذي كان يتطلب معه احترام ذلك القرار وتنفيذه الا ان الجهود في ذلك بقيت دون الطموح، ومازالت العديد من الجهات المعنية بالتعليم العالي في مختلف الدول العربية، ومنها الكويت، ترفض او تتباطأ في وضع اللوائح والقوانين المنظمة له ومن ثم تطبيقه بشكل موسع ودون عقبات.
وكنتيجة لذلك التأخير يواجه اغلب الطلبة المنتسبين لهذا النظام التعليمي مشاكل كثيرة وصعوبات عديدة منها: عدم اعتراف بعض مؤسسات التعليم العالي بهذا النظام تماما، او رفض اعتماد الشهادات التي يحصل عليها الطلبة من بعض الجامعات ا لمفتوحة او الافتراضية الخارجية، وكذلك عدم وجود قوائم معتمدة للجامعات العريقة والمؤسسات التعليمية المرموقة التي تقدم هذا النوع من التعليم، مما ادى الى وقوع العديد من الاشخاص ضحية للمكاتب والشركات التي تبيع اوهام الحصول على شهادات دراسية، الامر الذي شكل عائقا امام الكثيرين لاستكمال دراستهم العليا عن طريق هذا النظام.
ورغم المزايا العديدة التي يتمتع بها نظام التعليم الالكتروني عن بعد كعدم الحاجة لمبان جامعية، او قاعات دراسية، او موظفين، او اعضاء هيئة تدريس كما هو الحال في الجامعات التقليدية، انما لموقع الكتروني متطور يحتوي على عدد من الغرف الالكترونية التفاعلية التي يدخل عليها الطلبة لحضور المحاضرات، او للنقاش والحوار مع الاساتذة والمشرفين، وكذلك مكتبة وارشيف الكتروني، وتُعرض من خلال هذا الموقع المحاضرات المكتوبة او المرئية او المسموعة، كما يجري من خلاله تقديم الامتحانات او مناقشة البحوث والاطروحات لنيل الشهادات العليا، فضلا عن توفير رواتب الاساتذة الذين من الممكن ان يعملوا جزئيا من دون تفرغ بنظام المكافأة، مما يقلل من الوقت والجهد الذي يبذله الاستاذ في حالة النظام التقليدي، ومن المزايا كذلك تسلم الطالب الكتب والمذكرات بالاضافة للاقراص المدمجة السمعية والبصرية عبر البريد مما يسهل على الطالب ويراعي ظروفه، ومع وجود تلك المزايا السابقة وغيرها الا انها لم تغر العديد من الجامعات لدينا في التوجه لهذا النظام واعتماده بشكل كبير.
وانه من المستغرب تركيز المؤسسات المعنية بالتعليم العالي على الوسيلة «الا وهي التعليم عن بعد» واهمال الهدف الاساسي وهو التحصيل العلمي.
فالمفترض ان ما يهم تلك المؤسسات هو تخريج طلبة مبدعين يسهمون في الارتقاء بمجتمعهم وتطويره للوصول الى مصاف الدول المتقدمة، وليس تخريج جيل من الموظفين الذين يجلسون على المكاتب دون عمل، هذا اذا وجدوا اصلا كراسي او مكاتب للجلوس، او حصلوا من الاساس على وظيفة في ظل حالة البطالة التي تجتاح مجتمعنا.
اخيرا فإني ادعو اعضاء مجلس الامة، ووزارة التعليم العالي، والجامعات الخاصة، ومؤسسات القطاع الخاص الى اعتماد هذا النظام للتسهيل على الراغبين استكمال دراستهم العليا، وانشاء جهة مسؤولة عن التعليم عن بعد تعمل على وضع لوائح وقوانين منظمة لهذا النوع من التعليم، واعداد قائمة معتمدة للجامعات الخارجية العريقة في هذا المجال، فضلا عن اعتماد شهادات الخريجين عبر هذا النظام من خلال وضع آليات مختلفة للتأكد من صحتها ومصداقيتها مثل التعاون مع المؤسسات التعليمية الخارجية الموثوق بها، او عبر اجراء المقابلات الشخصية او القيام باختبارات التقييم للتأكد من مستوى الطلبة الخريجين.