دلال مدوه
في كل فترة يلاحظ المتابع لأوضاع الشباب والمراهقين انتشار ظاهرة غريبة أو موضة عجيبة بينهم، سواء أكان ذلك عن قصد وفهم ووعي منهم، أو لمجرد التقليد ومسايرة الموضة الدارجة بين أقرانهم.
ومن الظواهر الجديدة التي انتشرت بين المراهقين وازدادت مؤخرا في مدارسنا ظاهرة «الإيمو».
وقبل أن أبين ما يحدث في مدارسنا تعالوا معي لنتعرف على هذه الظاهرة، حيث ذكرت موسوعة ويكيبيديا أن «الإيمو» ظاهرة منتشرة بين المراهقين وهي اختصار لمصطلح «متمرد ذو نفسية حساسة» أو شخصية حساسة بشكل عام، ويوصف الشخص بأنه «إيمو» إذا كان حزينا، أو متشائما، أو كئيبا، أو صامتا وخجولا.
كما تذكر بعض المواقع أنها بدأت كتيار موسيقي يسمى «البانك» وهو نوع من أشكال الموسيقى الصاخبة والحزينة التي تخالف المتعارف عليه من الكلمات والألحان السائدة، ثم تحولت منذ بداية عام 2000 إلى أسلوب حياة وتعني كلمة «البانك» لغويا «المواجهة والمعاداة لثقافة المجتمع السائدة»، لذا فظاهرة «الإيمو» تمثل نوعا من العزلة عن المجتمع، وعدم التعامل معه، وهي حالة تمرد سلبية تجاه الآخرين، وانسحاب من البيئة المحيطة، وتظهر من خلال ممارسات كثيرة ومتعددة كاللبس، وتسريحات الشعر، والسلوك، والتصرفات.
ويحب هؤلاء ارتداء الأزياء الغريبة، والبنطلونات الضيقة، وبعضهم يضع شعار الجمجمة على ملابسه، ومن الألوان المفضلة لهم في الملابس اللونان الأسود والزهري، وتقوم الفتيات بوضع الكحل الأسود حول عيونهن بكثافة لتظهر كبيرة كما في أفلام الرسوم المتحركة اليابانية المسماة بـ«الأنيمي» التي ساهمت في انتشارها أكثر بين المراهقين – ومنهم من يضع الكثير من الأقراط في الأذنين وعلى الشفاه، وهم يفضلون الشعر الأسود القاتم أو الأحمر، ونجد الشباب يميلون لتصفيف شعرهم للأمام بحيث يغطي أغلب الوجه.
وقد توقع الكثير من الناس ألا تستمر هذه الظاهرة فترة طويلة خاصة في ظل الرفض الذي يواجهه هؤلاء في أغلب المجتمعات، وحالات العنف ومحاولات القتل التي يتعرضون لها، كما حدث بالمكسيك في مارس الماضي، حينما قام أكثر من 800 شاب بأعمال شغب في الشوارع مضادة للإيمو، إلا أنها ظلت من أكثر الظواهر انتشارا بين المراهقين في العالم حاليا.
وقد لاحظت فعلا مدى انتشارها عالميا حين وجدت مقاطع ڤيديو في أحد المواقع تعلم الشخص كيف يصبح من «الإيمو»؟ وأحد هذه المقاطع شاهده أكثر من 15 مليونا و500 ألف شخص وبلغ عدد التعليقات عليه ما يفوق 18 ألف تعليق.
وفي الفترة الأخيرة نشأ الكثير من الجدل حول هذه الظاهرة على مواقع الإنترنت بين مؤيد ومعارض ومتحفظ، حيث قرأت في العديد من المواقع والمنتديات العربية والخليجية تحذيرا منهم ومن انتشارهم بين الشباب والفتيات، في حين وجدت من يروج لهم بحجة الموضة والتجديد.
أما في مدارسنا فقد ذكرت لي معلمة أن هذه الظاهرة أخذت في التفشي في بعض المدارس، وأنها لاحظت تصرفات وحركات غريبة تمارسها بعض الطالبات ومنها طلاء الأظافر باللون الازرق، وكذلك مضغ الحلويات ذات اللون الازرق لتلوين الشفاه واللسان، كما رأت العديد من الطالبات يقمن بتحية بعضهن البعض برفع السبابة والخنصر الى أعلى وضم الإبهام على الوسطى والبنصر وهي إشارة «عبدة الشيطان»، وأن حالة من الحزن والكآبة والتشاؤم أخذت في التزايد في أوساطهن، وحينما استفسرت من بعضهن عن سبب ذلك الحزن والكآبة وسر اهتمامهن باللون الأزرق ذكر بعضهن أننا نتقرب بذلك لــ«إله الحزن» لعله يزيل ما بنا من حزن – استغفر الله العظيم وأسأل الله العافية – كما ذكرت لي أن هناك بعض الطالبات ممن تمادين في تصرفاتهن لدرجة تزيين أذرعهن بكم كبير من الجروح التي يقمن بحفرها بأمواس أو آلات حادة.
وأخيرا حذر د.صالح سليمان عبدالعظيم في مقال له بعنوان «ثقافة الإيمو» نشر في صحيفة البيان الإماراتية من هذه الظاهرة.
لذا على وزارة التربية المسارعة في القضاء على هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر السلبية التي بدأت تظهر في مدارسنا قبل انتشارها بصورة اكبر، عبر توعية الطلاب والطالبات من خلال المختصين، وعلماء الدين باستخدام أساليب جديدة وجذابة في الخطاب غير المباشر بعيدا عن طريق التوعية التقليدية والمباشرة، ودراسة أسباب هذه الظواهر الحقيقية ومسبباتها لمنع نشوء أي ظواهر جديدة في المستقبل، فضلا عن دور الجهات الأخرى كوزارة الأوقاف من خلال خطباء المساجد، وإدارة الإعلام الديني التي قدمت سابقا العديد من الحملات المتميزة، ومشروع ركاز الناجح الذي استقطب العديد من الشباب وساهم في تغيير الكثير من أفكارهم، وغيره من المشاريع والمبادرات الأخرى، وكذلك الأندية ومراكز الشباب والفتيات، وهناك دور مهم أيضا لوسائل الإعلام في التصدي لتلك الظواهر من خلال تسليط الضوء عليها لتوعية المجتمع.
وأخيرا لا ننسى الدور الأساسي للأسرة في احتواء الأبناء وإظهار المحبة لهم، والاهتمام بهم، ومراقبتهم وتوجيههم نحو الصحبة الصالحة، وتشجيعهم لقضاء أوقات فراغهم في الأنشطة المفيدة، والأعمال التطوعية التي تخدم المجتمع.