هذا مثل جميل يقول: إن أردت أن تطاع فاطلب المستطاع، وهو واقعي فيه حكمة لمن يتدبره، فالله سبحانه وتعالى يقول: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)، وعلى نفس السياق يقول جرير الشاعر:
ما كلف الله نفسا فوق طاقتها
ولا تجود يد إلا بما تجد
ثقوا تماما أننا لو طبقنا هذا المثل في حياتنا وجعلناه نهجا لنا لارتحنا من المشاكل، ولزالت همومنا، وسارت أمورنا في الاتجاه الصحيح، ولكننا أبناء آدم لا يعجبنا العجب ولا الصيام في رجب، بل لا نلتفت لهذا المثل، ولا يعنينا بشيء، فنحن نريد أن تنفذ طلباتنا وتتحقق وبأقصى سرعة ممكنة، وهذا أمر شبه مستحيل وإن تحقق فإنما يتحقق في الأحلام التي نراها في المنام أو في الأفلام، فالواقع شيء والخيال شيء آخر، والعقل والمنطق يرفضان هذا المبدأ، وحتى لو افترضنا جدلا أن كل طلباتنا التي نريدها ونطالب بها تحققت وحصلنا عليها، فهل سنقول كفاها المولى ونقف عند هذا الحد ونقتنع؟ بالطبع لا، لن نقول ذلك بل سنطلب أكثر وأكثر يقول عمرو بن معد يكرب الزبيدي:
إذا لم تستطع شيئا فدعه
وجاوزه إلى ما تستطيع
والإنسان بطبعه له نفس لا تشبع، كلما أخذت شيئا طمحت إلى سواه، وكأننا لا نعرف شيئا اسمه المعقول، فخيالنا واسع وطموحاتنا لا تنتهي ولا تقف عند حد، ولا شك أن المبالغة في طلب الأشياء غير مستحبة، وقد سقت لكم هذا المثل وأنا أتابع مثل غيري ما يدور بين الحكومة ومجلس الأمة منذ بداية الفصل التشريعي الحالي، ففي هذه الفترة لاحظنا أن بعض أعضاء مجلس الأمة الموقرين أثقلوا كاهل الحكومة بطلباتهم المتتالية والكثيرة، وهي ما يسمى بقرارات شعبية، والحقيقة أن بعض هذه الطلبات معقول يمكن تنفيذه، إلا أن البعض الآخر غير معقول ولا يمكن تنفيذه.
والسؤال: هل الحكومة تملك عصا سحرية تحقق من خلالها كل ما يطلبه السادة الأعضاء، أو أن الحكومة تقول للشيء كن فيكون، مع أن بعض هذه الطلبات المطروحة ليس باستطاعة الحكومة تحقيق الربع منها، وهذه حقيقة لا ينفع معها دغدغة المشاعر، ولهؤلاء السادة الأكارم نقول المثل السائر: إن أردت أن تطاع فاسأل المستطاع، وهذا لا يمنع من المطالبة بتحسين الظروف المعيشية للمواطنين وزيادة رواتبهم وما شابه ذلك.
وهذه أمور حسنة ومقبولة يفرح بها المواطنون، ولكن المطالب التعجيزية لا داعي لها حتى لا نصطدم بالواقع وتقع المشاكل التي نحن في غنى عنها، فنحن لا نريد أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه في مجلس الأمة السابق ويرجع الشد والتجاذب من جديد بين الحكومة والمجلس، بعد أن تنفسنا الصعداء وقلنا أنها انتهت، فالمطالبات الشعبية يجب أن تكون منطقية وتحمل صيغة الإمكان وألا تتجاوز صلاحيات الحكومة، وعلينا أن نستغل هذا الانسجام والتفاهم بين الحكومة ومجلس الأمة وهذا المناخ الملائم بما يعود بالنفع على الكويت وأهلها. ودمتم سالمين.