هذا مثل من الواقع، وهو حقيقة، فكل ممنوع مرغوب منذ الأزل، ولاتزال مجموعة من الناس يسيرون على هذا النهج، أما الممنوع فهو غير المسموح به والمحظور، وأما المرغوب فهو المستحب والمطلوب، والذي تميل له النفس، وبينهما فرق كبير، وبالنسبة لنا فحياتنا تنظمها قوانين وأعراف وضعت لمصلحتنا وسلامتنا وأمننا، ومن المفترض على كل إنسان عاقل مدرك ألا يتجاوزها، حتى لا تحكمنا شريعة الغاب، ويأكل القوي الضعيف، ولكن الإنسان بطبعه يسعى نحو معرفة ما خفي عنه، ويشعر بالاستفزاز جراء منعه من ذلك، وكلما زاد المنع زاد انجذابه واندفاعه ورغبته نحو معرفة السبب، والأمثلة على الممنوع المرغوب أكثر من أن تعد، ومنها السرعة الزائدة، فقد منعها القانون ووضع لها جزاء رادعا، ومع ذلك ها هم الشباب، أصلحهم الله وهداهم، يمرون بنا في الشارع يمينا ويسارا بسرعة فائقة، فيعرضوننا وأنفسهم للخطر!
وحوادث السرعة نراها ونسمع عنها كل يوم، وقد بينت دراسة كندية جديدة أن الأشخاص يهتمون بالأشياء الممنوعة، ويزداد الاهتمام بها عندما يحرمون منها، وعلى الضد من كل مرغوب ممنوع، قولهم: كل مبذول مملول، فالنفس تزهد في كل ما هو سهل وقريب المنال وفي متناول اليد، أما عندما تمنع من الشيء يزيد ولعك وحرصك وتعلقك به، والعرب تقول على نفس السياق كل ممنوع متبوع، والإنسان عموما ضعيف، وسريع التأثر، ولعل لمزية الفضول جانبا مهما في هذه المسألة، فهي حالة نفسية تعود إلى رغبة الإنسان في أن يجرب كل شيء، ويعرف كل شيء، وما أن يحصل على الشيء الممنوع ويصبح أمامه حتى يصد عنه إلى غيره، فيزهد عما في يده ويرغب بما في أيدي الناس، يقول قيس بن الملوح على نفس السياق:
وزادني كلفا في الحب أن منعت
أحب شيء إلى الإنسان ما منعا
ولعلنا نتذكر كيف أخرج الله تعالى أبانا آدم وأمنا حواء من الجنة بسبب أكلهما من شجرة منعت عنهما بأمر من الله، فقد أباح المولى عز وجل لهما كل ما كان في جنتهما إلا هذه الشجرة، فوسوس لهما الشيطان ورغبهما وأغواهما في هذه الشجرة حتى حدث ما يعرفه الكثير من الناس، والغريب أن بعض الناس لا ممنوع يردعه ولا مرغوب يشبعه، والأمر نفسه ينعكس على مرضى السكري، ولعلي واحد منهم، فهم ممنوعون من تناول كل وجبة ترفع نسبته، ومع هذا المنع والتحذير ها هم يتناولون الحلويات والوجبات الدسمة بأنواعها وكل ممنوع مرغوب، دمتم سالمين.