Note: English translation is not 100% accurate
يقدر عدد المصرحين عن أنفسهم بـ 18 ألف نازح فيما يقدر العدد الإجمالي بـ 40 ألف يتوزعون بين طرابلس وعكار والبقاعين الشمالي والغربي
«الأنباء» ترصد معاناة السوريين شمال لبنان
11 ابريل 2012
المصدر : الأنباء


الضاهر: قوى الأمر الواقع في الحكومة تعوق عمل «اللجنة العليا للإغاثة» وجمعيات خيرية في الكويت والإمارات والسعودية وقطر ترسل للنازحين المساعدات
بدرية مستو: على الحكومة اللبنانية الخروج من سياسة النأي بالنفس رأفة بالشعب السوري واليهود كانوا معنا أرحم من بشار الأسدوادي خالد: عمر حبنجر زينة طبارة
قليل من كثير حتى الآن في محنة النازحين السوريين الى شمال لبنان وبقاعه، بعضهم يتحدث بروح ملؤها الخوف، الخوف من الحاضر المحكوم بالقلة والعوز والتهديد المستمر بالترحيل، والأسوأ منه التسليم الى السلطة الهارب من جورها، والبعض الآخر يمضي نهاره بانتظار صندوق المواد الغذائية أو الدواء، فضلا عن التأمل في المستقبل الذي قد يجلب له الاحترام، أو قد يضعه على قارعة الطريق.
لكن ما يعزي الجميع، حلمهم بالحرية التي لم يعرفها بعضهم أبدا، وفي غمرة من التجلي يقول أحدهم، ممن استقبلونا على مدخل مجمع للنازحين السوريين في وادي خالد، ليس لأحد ان يحبس أشعة الصباح، لقد نمت للطيور أجنحة ولا بد ان تحلق عاليا.
هذه الوجدانيات الوطنية تقرؤها في وجوه الشباب العابقة بالغضب وتلمسها في أدبياتهم العدائية ضد من قتل أهلهم، وبالتالي أجبرهم على النزوح نجاة بأرواحهم.
الحكم المستبد يوحّد الرعايا الخائفين، هذه الحكمة، لم تجد طريقها الى أذهان الكثير من الحكام، في البلدان التي اجتاحها ربيع الشباب العربي.
لكن رغم كل ذلك، هناك الكثير من عناصر الاطمئنان والعيش يفتقدها هؤلاء الثائرون على أوضاعهم الجائرة، فالانقسام السوري تجسد في لبنان، بين فريق يدعم الانتفاضة وكل ما ينتج عنها هو الفريق المعروف بـ 14 آذار، وآخر ملتزم بالتحالف مع نظام الرئيس بشار الأسد، وهو المعروف بفريق 8 آذار.
فريق يتقدمه تيار المستقبل ونوابه الشماليون والبقاعيون خصوصا، يمضي يومه في تفقد النازحين، حاملا ما تيسر من المساعدات العينية والنقدية لمن هو أكثر حاجة، وآخر ينصرف الى الضغط على مفاصل الحكومة المتواجد فيها الأكثرية، لفرض اعتبار هؤلاء النازحين بمثابة متمردين، ووجوب تسليمهم الى سفارة بلدهم لتعيدهم الى حيث هربوا، استنادا الى معاهدات من زمن النظام الأمني المشترك بين البلدين.
النائب الضاهر: لن نسمح
لكن النائب خالد الضاهر، عضو كتلة المستقبل، الذي رافقنا في الجولة على مراكز تجمع النازحين، أكد على ان المعارضة اللبنانية لن تسمح بشيء من هذا مهما كانت الضغوط.
النائب الضاهر الذي أظهر دينامية عالية في تعاطيه مع ملف النازحين السوريين، خصوصا على صعيد المساعدات الغذائية والطبية، توقع لـ «الأنباء» الا يلتزم الأسد بهدنة كوفي أنان، قبل الإجهاز على المعارضة والمتظاهرين والجيش السوري الحر، وهو ما تبدى بالأمس، من خلال الشروط التي عاد يطرحها على الموفد الأممي.
السفير السوري: النازحون زوّار!
وقال الضاهر: ان ما يعوق رعاية «اللجنة العليا للإغاثة» بالنازحين هو ضعف إمكانياتها المادية نتيجة تمنع حلفاء سورية في الحكومة عن صرف الأموال لها بتوجيهات من السفير السوري في لبنان علي عبدالكريم علي، وذلك لإجبار النازحين الهاربين من سكاكين شبيحة النظام السوري على العودة الى بلادهم، للقول بأنهم كانوا مجرد زوار وسياح، على حد قول السفير علي، سائلا إياه: كيف يمكن لعاقل ان يترك منزله وأرضه ويرضى العيش في خيمة ومستودع لمجرد هواية لديه بالتمثيل والتصنع!
ولفت الضاهر الى وجود مؤسسات وجمعيات خيرية في لبنان والخليج العربي تقوم بواجبها في مساعدة النازحين لكن الأمر غير كاف إذ يتوجب على الدولة اللبنانية تكثيف رعايتها لهم لسد متطلباتهم الضرورية من طبابة وتغذية وتعليم، مشيرا الى ان نسبة 80% من النازحين تؤويهم عائلات عكار في منازلهم والباقي موزع على المدارس والمستودعات والخيم، كاشفا عن عدم قدرة منطقة عكار وفعالياتها على استيعاب المزيد من النازحين نسبة لوجود أزمة فعلية على مستوى إسكانهم كما على تطبيبهم.
وأكد الضاهر انه لن يكون هناك من عودة قريبة للنازحين الى ديارهم، وذلك لاعتباره ان الرئيس الأسد لن يطبق اقتراح المبعوث الأممي كوفي أنان للسلام في سورية، لأن الأسد يدرك ان انسحاب الجيش وتراجعه الى ثكناته سيؤدي الى تزايد المظاهرات ووصولها الى القصر الرئاسي، مشيرا الى ان النظام السوري ضليع في فبركة الحجج والأضاليل للإفلات من التزاماته.
40000 نازح في لبنان حتى الآن
وعن عدد النازحين من سورية الى لبنان حتى اليوم؟
أجاب الضاهر: يقدر عدد المصرحين عن أنفسهم بـ18000 نازح فيما يقدر العدد الاجمالي بـ 40000 يتوزعون بين طرابلس وعكار والبقاعين الشمالي والغربي، وتعتبر وادي خالد وضمنها مشتى حسن ومشتى حمود والبيرة من نقاط الارتكاز للنازحين.
وعن سؤالنا عن الجهات الرسمية وغير الرسمية التي تهتم بهم قال الضاهر: «هناك جهتان رسميتان وهما «الهيئة العليا للإغاثة» ووزارة الشؤون الاجتماعية، وللحق نقول انه سبق لحكومة الرئيس الحريري ان اعطت توجيهاتها للهيئة للاعتناء بشؤون النازحين لكن ما يعوق عنايتها بهم هو امكانياتها الضعيفة وعرقلتها من قبل فرقاء معينين في الحكومة الحالية، وهو ما سمعناه صراحة من قبل فريق 8 آذار خلال الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء حيث طالبوا بطرد النازحين واعتبارهم إرهابيين، وهذا أمر طبيعي لحكومة بشار الأسد في لبنان. أضف الى ذلك ان السفير السوري علي عبدالكريم علي قال من السرايا وأمام العالم بأسره انه ليس هناك نازحون سوريون بل زوار وسياح، وهذا التصريح نعتبره بمثابة اعطاء توجيهات للحكومة ولفريق 8 آذار في كيفية التعاطي مع النازحين ومقاربة هذا الملف الإنساني بامتياز».
وأكد الضاهر ان الهيئة العليا للإغاثة لا تقدم ما يكفي من معونات ومساعدات بسبب عرقلة صرف الأموال لها من قبل قوى الأمر الواقع داخل الحكومة وخارجها، وذلك بهدف ممارسة الضغط على النازحين لإجبارهم على العودة الى سورية بعد ان هربوا منها الى لبنان للاحتماء لدى اللبنانيين من نيران شبيحة النظام وأكثر ما يهم حلفاء سورية في لبنان هو إخلاء عكار والبقاع من
النازحين عبر ترحيلهم قسرا الى سورية لتزييف حقيقة ما مارسه النظام السوري من وحشية ضدهم وللقول تباعا انهم كانوا مجرد زوار متآمرين على النظام.
وعن سقف المساعدات التي تقدمها الهيئة للنازحين قال الضاهر: «حصة غذائية ومعالجة المرضى انما بشكل غير كاف لأن هناك حاجات طبية يومية ضرورية تتلكأ الهيئة في تقديمها نظرا لقصر باعها، لكن بعض الفعاليات والمنظمات الإنسانية الملحة تحاول تغطية العجز لكن دون جدوى لأن حجم العائلات النازحة كبير.
وأكد الضاهر ان نسبة 80% من النازحين حظوا بعطف أهالي عكار الذين قدموا لهم السكن أما نسبة الـ 20% الباقيةفتوزعت على المدارس والمستودعات والخيم، وقال «لا أكشف سرا انه لم يعد لدينا القدرة على استيعاب المزيد من النازحين بسبب أزمة إسكانهم وتطبيبهم، مؤكدا ان هناك جمعيات خيرية وأهل مودة وخير يتبرعون ببعض الأموال لمساعدة النازحين على استئجار مساكن حفاظا على كراماتهم التي حاول النظام السوري دوسها.
وحول سؤالنا عما اذا كان هناك مصادر تمويل خارجية قال الضاهر: «على المستوى الشخصي نحن نتواصل مع الكثير من المؤسسات والجمعيات الخيرية في الكويت والامارات والسعودية وقطر وهي تحاول تقديم ما تستطيع من مساعدات عينية ومادية لاحتواء الأزمة، لكنها تبقى أزمة أكبر بكثير مما يظهرها الإعلام».
وخلال جولتنا على النازحين في منطقة وادي خالد وجوارها التقينا بالناشطة السورية بدرية حيدر مستو التي تقيم في «مشتى حمود» مع عائلتها و19 عائلة أخرى داخل مدرسة تعود ملكيتها لإحدى الجمعيات الخيرية، مؤكدة انها تحمل صورة ابنها محمد ابراهيم مستو (21 سنة) قالت انه قتل (استشهد) منذ 9 أيام في المعارك كونه كان مقاتلا في صفوف «الجيش السوري الحر»، وانه أوصلها مع والده واخوته الصغار الأربعة الى عكار وعاد الى متابعة نضاله (على حد تعبيرها) ليلاقي حتفه ببضع رصاصات اخترقت جسده، وتعتبر ان الله سيعاقب الرئيس الأسد ومساعديه أشنع عقاب على ما يفعله نظامه بحق الشعب مؤكدة انها تحاول معرفة مصير جثة ولدها انما دون جدوى اذ لا مجيب ولا حتى سامع للصوت، ومطالبة الحكومة اللبنانية بالخروج من سياسة النأي بالنفس ودعم الثورة الشعبية رأفة بالشعب السوري الذي لم يقصر باستضافة اللبنانيين خلال حرب يوليو 2006، وتؤكد انها مستعدة ودون أي تردد لتقديم ابنها الثاني محمود (16 سنة) على مذبح الشهادة من أجل إسقاط النظام والانتقام لأخيه ولسائر رفاقه الشهداء، كما تطالب بتسليح «الجيش السوري الحر» كي يتمكن من الصمود والإسراع في إسقاط النظام واعتقال الأسد وتسود الحرية والديموقراطية الأراضي السورية.
وخلال حديثنا مع بدرية تدخل زوجها وليد محمد مستو قائلا: «العقيد علي ضاحي قائد منطقة «تل كلخ» هددني عبر بعض عملاء النظام السوري في لبنان بإرسال رجال المخابرات الى هنا لاختطاف ابنتي والافتعال بهما إن لم أسلم نفسي مع أولادي الذكور الى الجيش السوري، وهذا ما لن يراه حتى في أحلامه، اليهود كانوا أرحم معنا منهم، بحيث لم ينكلوا بالجثث ولم يتعرضوا للأطفال ولم يغتصبوا النساء كما يفعل شبيحة النظام، ونطالب بمحاكمة الرئيس الأسد أمام محكمة الجنايات الدولية كمجرم حرب وسفاح، وأؤكد لك انه لو العالم بأسره طالب «الجيش السوري» بوقف القتال فهو لن يمتثل حتى إسقاط النظام واعتقال الأسد ومساعديه، وأقول لابني الشهيد ان استشهاده لن يذهب أدراج الرياح، بل سيكون الثمن تحرير سورية من الظلم والاستعباد».
وتابعنا التجول بين النازحين والتقينا بالمواطن السوري عمر مسلماني الذي تحدث بمرارة عن موت طفلته ويقول عمر: ان وفاة طفلته ناتج عن الافتقار الى الرعاية الطبية اللازمة بالرغم من انها خضعت للكشف عليها من قبل أحد الأطباء المجاورين لمكان اقامتهم القسرية مطالبا الحكومة اللبنانية بالشفقة عليهم كي لا تتكرر حادثة طفلته مع الأطفال الآخرين ومناشدا الجمعيات الطبية والخيرية الالتفات اليهم بعين الانسانية والرأفة كونهم بشرا ولا يستحقون هذا القدر من العذاب والآلام والتشرد كما يطالب الحكومة اللبنانية بمعاملتهم بمثل ما تعاملوا به مع اللبنانيين أثناء نزوحهم الى حمص في حرب يوليو.
بدورها تحدثت رانيا حسن حمادة احدى النازحات السوريات عن التعذيب الذي تعرض له زوجها في سورية قائلة: «زوجي كان معتقلا لدى النظام بتهمة المطالبة بالحرية، وتمكن بالرغم من أوجاع التعذيب من الفرار واجتياز الحدود عبر النهر الى لبنان، لدي 4 أولاد وزوجي لا يجد له عملا أولا بسبب قلة الاشغال في المنطقة حيث نقيم وثانيا بسبب عدم تمكنه من اجتياز حاجز الجيش اللبناني في شدرا كونه لا يملك أوراقا تثبت نزوحه من سورية، اذ سبق للحاجز المذكور ان أوقفه مع عدة رجال آخرين كانوا ذاهبين للعمل في قطاف الزيتون، فما كان علينا نحن النساء سوى الاعتصام أمام الحاجز الى ان تم الافراج عنهم، وبالرغم من ذلك نتوجه بالشكر الكبير الى «الهيئة العليا للإغاثة» و«جمعية البشائر» وجميع الجمعيات الخيرية المعنية بمساعدة العائلات النازحة». تصمت رانيا لثوان وتتابع: «حجم المساعدات لا يكفي لسد الحاجات فنضطر لبيع جزء من صندوق التغذية كي نتمكن من شراء حليب وحفاضات للأطفال والحاجات النسائية الضرورية وعلى سبيل المثال نبيع كيلو الرز بـ 1000 ليرة ليعود الشاري ويبيعه للمستهلك اللبناني بـ 2000 ليرة، يعني هناك استغلال لعوزنا وحاجاتنا، هذا غيض من فيض عن أحوالنا كنازحين مقهورين».
وكان لـ «الأنباء» لقاء مع عبدالعزيز ابراهيم (8 سنوات) أحد الأطفال السوريين النازحين الى وادي خالد اذ قال: «الشبيحة في حمص أطلقوا النار علي اثناء وجودي مع جدي في مزرعته لتربية الأبقار، دخلوا علينا وأخذوا منا كل الغنم في شاحنة واصيب جدي بعدة طلقات وانا هربت بين الاشجار الى ان وصلت الى منزل أهلي، يقول عبدالعزيز: اريد العودة الى تل كلخ لأن ليس لدي هنا أصدقاء فلا أحد من الأطفال اللبنانيين يرضى برفقتي ودائما يعيرونني بأن ثيابي ليست نظيفة وممزقة، أريد ان استعيد رفاقي في تل كلخ والعابي ومدرستي».