Note: English translation is not 100% accurate
إنجلترا استضافت النسخة الرابعة عشرة.. والمشاركة الأولى للبنان وسورية والعراق وبورما وفنزويلا وإيران وباكستان وكوريا الجنوبية وجامايكا
أولمبياد لندن 1948.. النهوض من بين أنقاض الحرب العالمية الثانية
11 يوليو 2012
المصدر : الأنباء



اختيرت لندن لتنظيم النسخة الرابعة عشرة للأولمبياد عام 1948 وكانت تمثل الأمل والمقاومة في الوقت عينه خلال الحرب العالمية الثانية منذ نحو ثلاثة أعوام. ومثلت إعادة إحياء ما تهدم في الرياضة عموما، علما أن طوكيو كانت مقررة أن تستضيف دورة 1940 ثم انسحبت لهلسنكي على أن تنظم لندن دورة 1944.
أقيمت الدورة من 29 يوليو إلى 14 أغسطس في لندن بمشاركة 4106 بينهم 385 لاعبة من 59 دولة تنافسوا على ميداليات 137 مسابقة ضمن ألعاب كرة السلة وكرة القدم والملاكمة والمصارعة والدراجات وكرة الماء والتجديف والجمباز والفروسية وألعاب القوى والسباحة والغطس واليخوت والرماية والخماسية الحديثة ورفع الأثقال والمبارزة والهوكي على العشب. وإذا كانت دول عدة تأثرت بالحرب العالمية الثانية فغاب معظم أبطالها والذين شاركوا بدوا في مستوى ضعيف، فإن دولا أخرى خاضت المنافسات الاولمبية للمرة الأولى وهي: لبنان وسورية والعراق وبورما وغويانا بريطانيا وفنزويلا وإيران وباكستان وبورتوريكو وترينيداد وسريلانكا (سيلان) وكوريا الجنوبية وجامايكا.
وفي وقت اتحد العالم من جديد، غيبت تبعات الحرب ألمانيا واليابان عن الموعد الكبير، الذي استمرت الولايات المتحدة في صدارة ترتيب ميداليته، فحصدت في لندن 38 ذهبية و27 فضية و19 برونزية، بفارق كبير عن السويد (17-11-16) وفرنسا (11-6-13). وللمرة الأولى خطفت المرأة أضواء النجومية من الرجال، وانتزعت الهولندية فاني بلانكيرز كون (32 عاما وأم لثلاثة أولاد) أربع ذهبيات في 100م و200م والتتابع 4 مرات 100م و80م حواجز.
وفاز التشيكوسلوفاكي اميل زاتوبيك بذهبية 10 آلاف متر، معلنا بدء «عصره» وباتت مواطنته بطلة الجمباز ماكسي بروفانيزكوفا أول رياضية اولمبية شرقية تفر إلى الغرب، وتميز الفنلندي فيكو هوهتانن في الجمباز فحصد ثلاث ذهبيات وفضية وبرونزية.وجمعت مصر خمس ميداليات في آخر إنجاز كبير لها، إذ فاز إبراهيم شمس في ذهبية رفع الأثقال للوزن الخفيف، ومحمود فياض بذهبية الريشة، وعطية حمودة في فضية الخفيف، ومحمود حسن في فضية المصارعة اليونانية الرومانية لوزن الديك، وإبراهيم عرابي ببرونزية وزن الخفيف الثقيل.
جرى افتتاح ألعاب لندن في ستاد ويمبلي الشهير، وأعلنه الملك جورج السادس، الذي تسمر واقفا على مدى ساعتين محييا الوفود المشاركة في طابور العرض وكان محاطا بالعائلة المالكة ومن ضمنها الملكة الحالية اليزابيت الثانية، وواظب على حضور غالبية المسابقات كونه كان يعشق الرياضة ومنافساتها.
وقام الإنجليز بمجهود كبير لإنجاح الألعاب، على رغم البؤس المنتشر عقب الحرب، ويقول الصحافي جيمس كوت من «دايلي تلغراف»، وكان يومها فتى صغيرا «كانت الألعاب بالنسبة للشعب احتفالا غير مسبوق ليس على الصعيد الرياضي فحسب بل على صعيد الحياة اليومية لأنها الأولى من نوعها بعد الحرب، فهو يعيش أوضاعا صعبة ولا يمكن ان يكفي حاجاته اليومية من اللحوم والسكر، والفواكه شبه مفقودة في مدينة مدمرة لا توجد فيها فنادق. لذا عمد بعض الوفود إلى إحضار طعامه معه. وأقام الرياضيون في معسكرات القوة الجوية في سنتمور». وأجريت المنافسات وسط طقس متقلب مزعج يتراوح بين المطر الغزير والشمس الحارة، وتميز عدد من الوفود بكثافة مشاركة الضباط الرياضيين، خصوصا إنجلترا وفرنسا، وأقسم يمين اللاعبين الكومنودر الإنجليزي دونالد فلاني ثالث دورة لوس انجيليس 1932 وثاني دورة برلين 1936 في سباق 110 أمتار حواجز، لكنه تعثر ووقع على أرضه وخرج خالي الوفاض.
ومن جديد خيمت الأجواء الدراماتيكية على مجريات الماراثون، إذ كان العداء البلجيكي اتيان غايلي أول الواصلين إلى ستاد ويمبلي متصدرا المشاركين، وكانت أمامه لفة واحدة حول المضمار لبلوغ خط النهاية، بيد انه كان منهكا ومشى مترنحا على رغم تشجيع الجمهور، ولم يقو الحكام على مساعدته تفاديا للحادث الذي حصل عام 1908 في لندن أيضا مع الإيطالي دوراندوبييري، ولحق الأرجنتيني ديلفو كابريرا والبريطاني توماس ريتشارد بغايلي وتجاوزاه بالغين خط النهاية، بينما اكتفى هو بالمركز الثالث.
أما المسابقة العشارية فعاد ذهبها للاميركي بوب ماتياس، وحل ثانيا الفرنسي انياس هنريش، الذي جند إجباريا في الجيش الألماني خلال الحرب كونه من الالزاس، فعاش الجحيم على الجبهة الشرقية، وأسر مع مجموعة من الفرنسيين من قبل الروس، «واعتبرونا متطوعين لمقاتلتهم لأننا من بروسيا الشرقية، فأساءوا معاملتنا».وفي الدورات السابقة كانت سيادة المسافات المتوسطة والطويلة عموما للفنلنديين، غير أن الجندي التشيكوسلوفاكي زاتوبيك (27 عاما) حضر ليسطر تاريخا جديدا لألعاب القوى ومنافساتها الاولمبية، ومعه نجوم جدد سيفرضون إيقاعهم على الساحة.
حضر إلى لندن الفرنسي ألن ميمون، شاب نحيف لا يلفت الأنظار، عامل مقهى فقير حيث كان يتدرب صباحا قبل بدء دوام عمله الممتد حتى منتصف الليل، وهو العداء العصامي الذي لم يحظ بمساعدة احد أو دعمه.اختير ميمون في صفوف المنتخب الفرنسي عن طريق «الصدفة» وقال «المرض أخر استعدادي، فلم أوفق في سباق 10 آلاف م في بطولة فرنسا، وفي الليلة ذاتها قررت خوض سباق 5 آلاف م، وجئت ثانيا من دون أي تخطيط مسبق. وفي لندن كانت الأنظار مصوبة على زاتوبيك، حتى أن مدلك البعثة الفرنسية رفض تمديد ساقي قبل سباق 10 آلاف م، لأن مهمته ببساطة محصورة بالأبطال». كانت الحرارة شديدة خلال سباق 10 آلاف م وكان هم ميمون تحقيق نتيجة جيدة لا أكثر «وجدت نفسي صامدا في مقابل تراجع كثر أو توقفهم وبينهم عدد من المرشحين، لم أصدق أنني كنت في كوكبة المقدمة، ولمحت زاتوبيك يسرع الخطى ويتقدمني ثم يفوز وأنا خلفه، أمر عجيب». لكن ما أذهل ميمون وأزعجه تعليق الصحافة الفرنسية في اليوم التالي وتساؤلها عن خلفية هذا «المغمور» الذي حل ثانيا «انه من أفريقيا الشمالية استفاد من الطقس الحار ليحقق هذه النتيجة».
ومسك ختام استعراض «ذكريات» دورة لندن الحديث عن نجمتها الهولندية الطائرة فاني بلانكرز كون والفرنسية «الفنانة» ميشلين اوسترماير. فاني واسمها الاصلي فرنسينا، هيمنت على سباقات السرعة، حاصدة أربع ذهبيات على غرار جيسي اوينز في دورة برلين 1936، وهي حققت 11.9 ث في 100 م و24.4 ث في 200م، وأسهمت في فوز بلادها في التتابع 4 مرات 100م، وسجلت 11.2 ث في 80م حواجز، وبين التصفيات والنهائيات، فازت فاني في 11 سباقا على مضمار موحل في غضون ثمانية أيام. واللافت أن «فاني «شاركت في دورة برلين قبل 12 عاما، حيث حلت سادسة في الوثب العالي وفي البدل 4 مرات 100م، وكان أفضل إنجازاتها عامذاك، حصولها على توقيع الأسطورة اونيز.أما عازفة البيانو الفرنسي اوسترماير، فنالت ذهب الكرة الحديد (13.75م) ورمي القرص (41.92م) وحلت ثالثة في الوثب العالي، فارضة التساؤل كيف تزاول عازفة مرهفة ألعاب القوى، لاسيما أن الموسيقيين يخافون على أيديهم؟ وهي كانت تجد في الرياضة راحة لهما، وكانت اوسترماير «فلتة» رياضية منذ صغرها، موهوبة ومجتهدة، حفظت أحرف الأبجدية في عمر السنتين ونصف السنة، وباتت في سن السابعة تسبق أقرانها الفتيان في الجري وقدمت حفلتها الموسيقية الأولى في سن الثانية عشرة، حتى أنها أحرزت الجائزة الأولى للكونسرفاتوار الفرنسي عام 1946 في باريس، وفي اليوم التالي توجت بطلة لفرنسا في الكرة الحديد في بوردو، وقبل ثلاثة أسابيع من ألعاب لندن، لم تكن قد زاولت رمي القرص فتعلمت مبادئه سريعا وتأهلت للمسابقة وفيها راحت تحسن رقمها في المحاولات تباعا، وفي الأخيرة تفوقت بفارق 75 سنتيمتر على الإيطالية ايديرا كورديالي جنتيللي.
فاني واوسترماير ربة منزل وعازفة بيانو تشرقان في سماء لندن الملبدة
لمسات ناعمة لكن كلها تصميم وجرأة وتألق، أضافتها الهولندية فاني بلانكرز كوين والفرنسية ميشلين اوسترماير على دورة لندن الاولمبية عام 1948، الاولى بعد الحرب العالمية الثانية. فقد حققت بلانكرز أربع ذهبيات، على طريقة الاميركي جيسي اوينز عام 1936، فكان احتفالا لا سابق له لانجاز غير مسبوق، حققته ام وبطلة مثالية. وحملت العازفة اوسترماير على منكبيها مسؤولية كبيرة، فكتب احد المراسلين معلقا على أدائها: «شابة أنيقة في الرمي والأسلوب، متمكنة وبارعة، ابتسامتها مفعمة بالحياة وحيوية الرياضة، مرتاحة تدخل المسابقة واثقة من نفسها». كانت فرنسينا «فاني» بلانكرز كوين امرأة من ذهب على رغم سنواتها الثلاثين، هيمنت على سباقات السرعة، فحققت 11.9 ث في 100 م، و24.4 ث في 200 م، وأسهمت في فوز بلادها في التتابع 4 مرات 100 م (47.5 ث) أمام استراليا وكندا، وسجلت 11.2 ث في الـ 80م حواجز. ووضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وها هي السيدة بلانكرز كوين تحرز ذهبيتين في بطولة أوروبا عام 1946 في اوسلو، بعدما نجحت خلال سنوات الحرب أن تحافظ على لياقتها وقوامها على رغم صعوبات كثيرة، واستطاعت تحطيم الرقمين العالميين للوثب العالي والطويل عام 1943، ثم كان الحصاد في لندن وفيرا.فقد جاء ردها في الميدان على منظمي الدورة الذين وصفوها بـ«العجوز» التي يستحيل اختراقها الصفوف الاولى، فتفوقت في الـ 100 على حساب البريطانية دوروثي فانلي.