Note: English translation is not 100% accurate
احتراف السياسة
1 فبراير 2013
المصدر : الأنباء
بقلم : فيصل الهاجري
بقلم: فيصل محمد الهاجري
يعتقد البعض انه عندما يمتلك صوتا جهوريا مدعوما بجماهير تصفق له يأتيك ولا يعلم ماذا يريد ان يقول ولكن كلما صفقت له الجماهير ازداد حماسا وارتفع صوته مجلجلا بكلام انشائي لا يحتوي على ابسط مبادئ الخطابة فما بالك وهو يتحدث بالسياسة التي لا يفقه في ابجدياتها ومن أمامه جمهور يفتتن بتلك الشخصيات، والتي صور لها أن ظاهرهم معرفة الامور في كل ما يدور وباطنهم عقلية فذة لا يجاريهم في ذلك احد من اطلاع وكشف الاسرار ومعرفة الاخبار، جمهور اصبح مثله الاعلى ذاك النائب او ذاك الآخر وهو لا يعلم ان سر هذه الصراعات ما هي الا تصفية حسابات ومؤامرات كل ذلك على حساب مصلحة البلد، والعجيب ان الجمهور ما زال يصفق وكأنه في مسرحية ابطالها يسخرون ويضحكون على واقعنا الأليم، الكل الآن أصبح فقيها في السياسة الطفل والشاب والرجل الكبير، حتى عجائزنا اصبحن سياسيات ولديهن استعداد للمناظرة بل والتفوق على البعض، ليس بالحجة والادلة والبراهين وانما بالصراخ والعويل، فالهجوم أسهل وسيلة للبروز لان الدفاع ينبغي ان يقنع اصحاب الآراء الخاوية التي لا تستند الى وقائع بالأدلة، يقول الامام مالك اثنان تحاورت معهما واحد غلبته والآخر غلبني، فتعجب طلاب العلم الذين كانوا في حلقة عنده كيف ذلك؟ فقال لهم: ان الجاهل يغلبني بجهله فلا حجة لديه ولا يقتنع بالحجج والبراهين اما العالم فإنني اقارع الحجة بالحجة فيقتنع فأغلبه طوعا.
ولكن نحن في زمن الاستبسال عند آرائنا ولو لم تكن مدعومة بأدلة، نحن نحب ان نتكلم كثيرا ولا نحب ان نسمع للآخرين، فلقد خلق الله لنا اذنين ولسانا لنسمع اكثر مما نتكلم فخير لك ان تسمع لتتعلم وتعرف الامور اكثر ولكنها آفة اللسان تريد ان تخرس الآخرين حتى من قول الحق، لقد كان في زمن آبائا واجدادنا لا يتكلم المرء ابدا اذا كان شخصا أكبر منه او اعلم منه احتراما وتقديرا، ولم تكن هناك مشاحنات او اصطفافات فريق ضد فريق، بل كان الكل يحترم رأي الآخر لا يفرض رأيا ولا يخون الآخرين عندما لا يكون رأيه مناسبا لهم.
السبب في ذلك ان لديهم شعورا بالكمال، والكمال لله تعالى وشعورا بالثقة في النفس ولا يعانون من شعور النقص وتحميل الآخرين مسؤولية الاخطاء والتعدي على حقوق الغير وعدم احترام ثقافة الآخرين.
احيانا يكون هناك رجال بعيدون عن السياسة ولكن الواحد منهم مراقب سياسي من الطراز الأول، يستطيع ان يعطيك الوقائع العالمية قبل المحلية، محنك يعرف ما يدور في دهاليز السياسة، نظرته ثاقبة في تحليل الامور بعيدا عن العواطف والشخصانة ملم بالتاريخ والجغرافيا والدين وهي عوامل تساعد من يريد ان يكون رجل سياسة، فالسياسة ليست فقط بالممارسة فأغلب من يمارسونها هم هواة سياسة، والسياسة تريد احترافية في التعامل مع الجميع وهدوءا وتركيزا وكذلك تفكير قبل الاقدام على فعل شيء ما من اتخاذ قرارات او اجراءات او اصلاحات يرى اولا انعكاساتها السلبية قبل مردودها الايجابي اعود واقول ان هناك بعض النواب ـ وللاسف ـ عندما تم سؤالهم عن عاصمة دولة عربية لم يجيبوا ونائب عندما سئل عن عدد مواد الدستور لم يعرف، وهناك نائب اخر عندما سئل عن عدد القطع السكنية في منطقته لم يعرف، هذا والله ليس من نسج الخيال وليس بالزمان البعيد وانما في مجالس القرن الواحد والعشرين عجبا والله ولكن الخلل لا يتحمله هذا النائب فقط وانما الجماهير التي تصفق له وهو لا يعلم ابسط الامور، فكيف لهذا وذاك ان يراقب عمل الحكومة ويتابع اداءها ويشرع القوانين اللازمة، قلنا لكم لقد ابتلينا بالكثير من هواة السياسة وللأسف لا نرى من يقف على جادة الطريق، ويقول كفى سئمنا من المتاجرين بالسياسة والضحك على الذقون بل نرى من هؤلاء من ينادي بتأسيس الاحزاب السياسية، يا سيدي الفاضل أتعلم ان الحزب هو تنظيم سياسي في اطار فكري معين وهو درجة متقدمة جدا في الاحتراف السياسي، نحن لم نستطع الى الآن ان نكون في درجة الهواية السياسية فالطريق طويل جدا فنحن شعب ونواب لم نتعلم الى الان ثقافة احترام الرأي الاخر بل ثقافتنا ان لم تكن معي فأنت ضدي ويجب عليك المحاربة والإقصاء والمقاطعة.
ديموقراطية عرجاء من هواة السياسة ومن سار في فلكهم ويريدون أحزابا لم ينص عليها الدستور ويتلاعبون بمشاعر الشعب، انما يحزنني ان اصحاب الرأي الحر والسياسيين الأكاديميين الذين لم ينجرفوا وراء هذه الأهواء لم يتصدوا لهم بالكلمة والقلم فهما السلاح الذي يجب ان يكون مفصليا في هذه المرحلة ولم يتم تبيان الأمور على حقيقتها، يقول الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه «لا يغرنك في طريق الباطل كثرة الهالكين ولا يوحشنك في درب الحق قلة السالكين».
السياسة ليست تحديا بين الجموع واستعراض العضلات وذرف الدموع، وانما هي مصلحة وطن ومصلحة شعب فيا من تنادي باعلى صوتك مسببا فتنة لا تحمد عقباها اعلم ان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يغرنك كثرة ثناء الناس من نفسك، فانه خالص اليك عملك».
فالساسة للأسف قلة سواء من الحكومة او النواب، فالحكومة للأسف لا تعرف ان تستوعب هؤلاء السياسيين الهواة وذلك بالتعاون معهم وعدم المكابرة، والسياسيون الهواة لم نحسن نحن اختيارهم للأسف، فنحن شعب عاطفي، فهؤلاء السياسيون الهواة يحاولون في كل شاردة وواردة ان يتصيدوا أخطاء الحكومة، وأحيانا الحكومة تقع في أخطاء لكن لا مبرر للآخر كأنه منتصر وبطل قومي، أصلح الاعوجاج بهدوء ومن دون اثارة او ضجة، فالحكومة ليست ملاكا معصوما من الخطأ وهذا ليس تبريرا لها فقد قلت آنفا ان هناك بعض الساسة في الحكومة لا يصلحون ان يديروا شؤون البلد، ولكن نقول كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا»، ولكن هذا قدرنا يجب علينا أولا أن نحاسب أي عضو سننتخبه، فالبرامج السياسية مكررة ومنسوخة أكل الزمان عليها وشرب، ولكن الاختيار يجب ان يكون بتمعن بعيدا عن المصالح الخاصة والأهواء المتضاربة والأجندات المتصارعة فيما بينها، نريد عضوا متحدثا بلباقة لديه حس وطني، يتمتع بذكاء وفطنة، لديه خط واضح وغير متصنع او متكلف، ملم بجميع الأمور الداخلية سواء على الصعيد السياسي او التاريخي او الجغرافي او الاقتصادي او السكاني، وكذلك ملم بالسياسة الخارجية يعرف ما يدور من حولنا لأننا في بحر متلاطم الأمواج تحيط بنا دول كبيرة فلا ننسى الأمور الخارجية على حساب الأمور الداخلية، لديه قدرات ومشاريع جديدة جديرة بأن تطبق على أرض الواقع، وان يكون ممثلا ونائبا لجميع شرائح المجتمع الكويتي من دون تمييز كما نص الدستور على أن المواطنين سواسية في الحقوق والواجبات.
كلمة أخيرة: لا يسعنا في هذا المقام الا ان نهنئ أنفسنا أولا وأبناء وطني بمرور الذكرى السابعة على تولي صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد مقاليد الحكم، ان درة الخليج وهي متسلحة بديموقراطية حقيقية وحرية جلية عجز الآخرون ان يطبقوا هذا النموذج الكويتي الفريد في بلدانهم، فحافظوا عليها، فليس لنا غيرها من بلد.
أدام الله على سموه موفور الصحة والعافية وأطال في عمره... آمين.