بيروت ـ د.ناصر زيدان
للمرحلة الحالية التي يعيشها لبنان خصوصية، كي لا نقول إنها استثنائية بالمقاييس والمندرجات. فتحديات الأزمة السورية وهول الكارثة التي تحصل هناك، تلقي بظلالها على الأوضاع اللبنانية، من الجوانب الاقتصادية والسياسية والإنسانية، وحتى الأمنية، وهي تُضعف مرتكزات لبنان مع تطورها، وفي سياق إطالة أمدها، نظرا لتداخل الجيوديموغرافيا السياسية التي تربط بين البلدين.
والتركيبة الداخلية اللبنانية ـ الديموغرافية والسياسية ـ تعيش في أجواء قريبة من الزمن التأسيسي، أكثر مما هي أجواء من زمن المساكنة العادية بين المجموعات اللبنانية وقواها السياسية المختلفة.
وللبنان نقاط ضعفه المعهودة أمام الصراعات الاقليمية، أو حتى أمام الصراعات الدولية، كما له نقاط القوة التي تعيش على فتات الأزمات، وتتغذى منها، ويمكن له أن يستفيد من جنون الاحداث المحيطة، أو على الاقل تجنب ويلاتها، اذا ما أحسن القيمون تدارك الأمور.
مما لا شك فيه، أن التحولات المتسارعة في الساحة العربية، الناجمة عن الثورات التي قامت بها شعوب تونس وليبيا ومصر واليمن وسورية ضد الاستبداد، أيقظت المجموعات اللبنانية على مخاوف كبيرة، تتعلق بالمستقبل، لأن ارتدادات الثورات هذه لم تهدأ بعد، وأحداثها الدامية لم تنته، بل انها تنذر بعواقب غير محسوبة، ومخاوف مكونات المجتمع اللبناني تتزايد، خصوصا عند المسيحيين الذين يملكون نقاط ضعف عديدة (أهمها تناقص عددهم) ولكنهم يملكون أيضا نقاط قوة واسعة جدا (أهمها القدرة على لعب دور توفيقي يغني التنوع، بعيدا عن عقد الخوف)، إلا أن هؤلاء شديدو التنبه، لأن أحداث العراق دفعت المسيحيين الى الهجرة، ولم تنصف مآسي سورية المسيحيين في إيجاد مكان لهم لا يقع بين المطرقة والسندان، ولا حتى ما جرى ويجري في مصر يبعث المسيحيين على التفاؤل.
نقاط الضعف في الجسم اللبناني من جراء ما يجري واسعة جدا، لعل أبرزها اليوم الجدل الدائر حول القانون الذي ستجري بموجبه الانتخابات النيابية في الربيع المقبل، بحيث أخذ هذا الجدل أبعادا مخيفة، ينذر بتفسخ النسيج اللبناني في العيش المشترك القائم منذ قديم الزمان، ولكن نقاط القوة في لبنان هي أيضا كبيرة وتدعو الى التفاؤل.
فرغم الأوضاع الصعبة أكدت مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد لوزير المالية محمد الصفدي في لقائهما في واشنطن ارتياحها للأداء المالي اللبناني، وتقرير أهم مصرف ألماني (دويتشه بنك) أشار في معرض تقييم أداء مصارف الشرق الاوسط وشمال أفريقيا، الى القدرة العالية للمصارف اللبنانية في مواجهة المخاطر الناتجة عن الاحداث في سورية، وربحية المصارف الثلاثة الاولى في لبنان تجاوزت الـ 888.2 مليون دولار في العام 2012، رغم الارتباك السياسي والأمني الذي حصل، كما أن احتياطي مصرف لبنان من العملات الصعبة بلغ 36 مليار دولار، دون قيمة احتياطي الذهب، ويعمل المصرف حاليا على ضخ 2000 مليار ليرة لبنانية في سوق التسليفات التحفيزية للاقتصاد بفائدة 1%، عن طريق المصارف التجارية.
ومن نقاط القوة في لبنان أيضا وأيضا، وجود الإرادة الوطنية الجامعة لتجاوز تداعيات الاخطار، وتجنيب البلاد حربا أهلية تهدد الكيان.
وآخر مظاهر نقاط القوة عودة التواصل بين الرئيسين سعد الحريري ونبيه بري.