Note: English translation is not 100% accurate
تحليل اقتصادي
طوق الأزمة الاقتصادية يشتد على إسبانيا
5 أكتوبر 2013
المصدر : القاهرة ـ أ.ش.أ

قطاع الخدمات يفقد نحو 52 ألف وظيفة في نهاية موسم الصيف
ارتفاع موازنة وزارة العمل والضمان الاجتماعي بمعدل 11٫5% لتصل إلى 26٫5 مليار يورورغم بوادر الانفراج التي بدأت تلوح في الأفق في إسبانيا خلال الأشهر الماضية فإن شبح الأزمة الاقتصادية لايزال يخيم بقوة على مختلف قطاعات الدولة ويؤثر تأثيرا ملحوظا على الحياة اليومية للمواطنين. فقد عادت معدلات البطالة للارتفاع من جديد رغم تراجعها الملحوظ خلال الأشهر القليلة الماضية نتيجة انتعاش قطاع السياحة ونشاط سوق العمل.
وارتفعت معدلات البطالة في إسبانيا في سبتمبر الماضي بمعدل 0.4% ليبلغ عدد العاطلين عن العمل 4.7 ملايين مواطن، وأوضحت أحدث الإحصاءات الرسمية أن نحو 25.6 ألف مواطن إسباني فقدوا أعمالهم خلال الشهر الماضي، مشيرة إلى أن ارتفاع عدد العاطلين عن العمل خلال شهر سبتمبر من كل عام يكتسب طابعا موسميا يرجع إلى انتهاء موسم السياحة في البلاد.
كما أشارت الإحصاءات إلى انخفاض معدلات البطالة بين الشباب دون عمر الـ 25 بمعدل 7% عن الفترة نفسها من العام الماضي، موضحة أن عدد العاطلين الشباب بلغ نحو 435 ألف شاب في نهاية سبتمبر الماضي أي ما يمثل 9.2% من إجمالي العاطلين عن العمل في البلاد.
ويعتبر قطاع الخدمات من أكثر القطاعات التي شهدت فقدا في عدد العاملين بها مع نهاية موسم الصيف حيث سجل فقدان نحو 52 ألف وظيفة، في مقابل تراجع عدد العاطلين عن العمل المسجلين في قطاعات البناء والزراعة والصناعة. ويكشف لنا ما سبق أن مشكلة البطالة عادت من جديد لتتصدر المشهد الإسباني رغم بوادر الانفراجة التي بدت بوضوح خلال الأشهر الماضية مع انتعاش قطاع السياحة الذي يعد قطاعا حيويا في إسبانيا ويدر نحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي. فقد سجلت اسبانيا في أغسطس الماضي تدفقا قياسيا للسياح إذ وصل عددهم إلى 8.3 ملايين وهو ما يمثل ارتفاعا بنسبة 7.1% عن أغسطس من العام الماضي، ويعد أكبر عدد للسياح منذ بدء تسجيل الإحصاءات السياحية عام 1995.
وساعدت هذه الانتعاشة في قطاع السياحة على تنشيط سوق العمل، خاصة في منطقة كاتالونيا الشمالية الشرقية التي مثلت الوجهة الأساسية للسياح خلال الشهر الماضي، وأدى ذلك إلى تنشيط القطاعات الخدمية مما ساهم في تقليص معدلات البطالة لأول مرة منذ عام 2000 حيث تراجع عدد العاطلين عن العمل بمقدار 225 ألفا و200 شخص بفضل العقود الكثيرة التي وقعت بمناسبة الموسم السياحي. ومع ذلك ظلت معدلات البطالة مرتفعة في إسبانيا حيث بلغت 26.6% لتكون بذلك ثاني أعلى نسبة للبطالة على مستوى القارة الأوروبية بعد اليونان التي تبلغ نسبة البطالة بها نحو 28%.
وأوضحت استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخرا أن 80.5% من المواطنين الإسبان يعتبرون البطالة واحدة من أهم المشكلات التي تعاني منها إسبانيا والتي دفعت بعشرات آلاف الشباب المؤهل إلى البحث عن فرص للعمل في الخارج. وفي محاولة لاحتواء تلك الأزمة المتفاقمة، أقرت الحكومة الإسبانية مشروع الموازنة العامة للعام 2014 الذي يهدف إلى توفير الظروف اللازمة لتوفير فرص عمل جديدة وخفض معدلات البطالة التي تعاني منها البلاد، وذلك جنبا إلى جنب مع الالتزام بخفض العجز العام في ميزانية الدولة. ووفقا لموازنة 2014، التي من المقرر أن يصادق عليها البرلمان قبل نهاية العام الحالي، سيبلغ سقف الإنفاق العام في اسبانيا للعام المقبل 133.2 مليار يورو وهو ما يمثل ارتفاعا طفيفا عن العام الماضي بلغ نحو 2.7%، ومن المقرر أن يخصص 27% من هذا الإنفاق لدفع العوائد على سندات الدين العام الإسباني للعام المقبل في وقت تتوقع فيه الحكومة الإسبانية أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بمعدل 0.7% عام 2014.
وتشمل موازنة العام المقبل خفض الاستثمارات العامة بنسبة 6.6% وخفض مخصصات وزارات الدولة بنسبة 4.7% ورفع المعاشات التقاعدية بنسبة 0.25% فقط، وتجميد معاشات العاملين في وظائف الدولة للعام الرابع على التوالي. وتعتبر وزارة الصحة من أكثر الوزارات التي ستشهد انخفاضا في مخصصاتها تليها وزارة الخارجية التي ستضطر من جراء هذا القرار إلى إغلاق عدد من سفاراتها في الخارج، لاسيما مع الدول قليلة التعاون مع إسبانيا، تقليصا للنفقات.
ويقابل ذلك الانخفاض في المخصصات ارتفاع في موازنة وزارة العمل والضمان الاجتماعي بمعدل يبلغ 11.5% لتصل إلى 26.5 مليار يورو ويشمل ذلك زيادة مخصصات دفع استحقاقات البطالة بمعدل 10% مقارنة بالعام الحالي لتبلغ 29.4 مليار يورو.
وتشمل الموازنة أيضا تقليصا لميزانية البيت الملكي الإسباني بمعدل 2% للعام المقبل لتبلغ 7.7 ملايين يورو فيما سيتم تجميد موازنة الكنيسة الإسبانية لتظل 158 مليون يورو خلال العام المقبل على غرار العامين الحالي والماضي. كما سيتم تجميد الدخل السنوي لرئيس الوزراء الاسباني عند 78.2 ألف يورو والدخل السنوي للوزراء عند 68.9 ألف يورو سنويا.
ورغم أن الحكومة قدمت مشروع الموازنة هذا باعتباره يهدف في المقام الأول إلى تحقيق الانتعاش الاقتصادي والنمو غير أن المعارضة رأت أن هذا المشروع هو مشروع لموازنة تقشفية من شأنها تفكيك دولة الرفاه الاجتماعي وتعميق الفقر في المجتمع الاسباني.
ويتفق عدد كبير من المراقبين مع هذا الرأي، حيث إن السياسات التقشفية أصبحت تحظى برفض شديد من قبل المواطنين ليس فقط على صعيد إسبانيا ولكن في منطقة اليورو بأكملها. فقد كشف آخر إحصاء لمنظمة غالوب الدولية للدراسات الاقتصادية والسياسية عدم تأييد غالبية الأوروبيين للتدابير التقشفية حيث يرى أكثر من 50% من الأوروبيين أن التقشف لا يعتبر أفضل سبيل لحلحلة الاقتصاد الأوروبي وإطلاق النمو.
ويعد الإسبان من أكثر الشعوب الأوروبية المعارضة لتلك السياسات التقشفية، فمعاناتهم من جراء تفاقم الأزمة الاقتصادية لاتزال مستمرة ولا يشعر المواطن العادي بأي تحسن في مستويات المعيشة من جراء السياسات التي تنفذها الحكومة بل تزداد معاناته يوما تلو الآخر. فقد كشف إحدى الدراسات الحديثة أن 40% من الإسبان يقومون بتغيير عاداتهم الغذائية نتيجة للأزمة الاقتصادية المتفاقمة. كما ازدادت معدلات الفقر بصورة ملحوظة لاسيما بين الأطفال الذين يعيش 27% منهم في فقر مدقع وظلت أعداد كبيرة من المدارس مفتوحة هذا الصيف لتأمين وجبة متكاملة على الأقل لهم.
وتعاني فئة الشباب أيضا من تداعيات الأزمة الاقتصادية. فإلى جانب مشكلة البطالة التي تنتشر بقوة بين صفوفه، يعاني الشباب من عدم قدرتهم على تحقيق الاستقلالية في الحياة حيث كشفت الإحصاءات أن شابين فقط من بين عشرة شباب في إسبانيا يستطيعان تحقيق الاستقلال المادي بعيدا عن منازل الأهل، بسبب الوضع الصعب الحالي الذي تعيشه البلاد، حيث يتوجب على الشباب الأقل من ثلاثين عاما والذين يرغبون في شراء شقق، أن يربحوا 80% أكثر من الراتب الذي يكسبونه حاليا، وهذا دون احتساب مصاريف المعيشة.
من ناحية أخرى، دفعت الأزمة الاقتصادية الإسبان للاتجاه إلى استخدام الدراجات بدلا من السيارات التي يبدو أنهم لم يعودوا قادرين على تزويدها بالوقود ولا شرائها، وهو ما تسبب في ركود غير مسبوق في سوقها على خلاف الدراجات التي حققت مؤخرا رواجا واسعا.
ورغم المؤشرات الإيجابية التي بدأت تلوح في الأفق على الساحة الإسبانية، والمتمثلة على سبيل المثال في تراجع العجز التجاري للبلاد ومعدلات التضخم وارتفاع الصادرات ونشاط قطاع السياحة، غير أن طوق الأزمة الاقتصادية يشتد على أسبانيا مع استمرار معدلات البطالة والسياسات التقشفية للحكومة وهو ما يجعل من الصعوبة بمكان التنبؤ بالخروج من تلك الأزمة المتفاقمة في وقت قريب لاسيما في ظل ارتفاع أعداد المواطنين المهاجرين خارج البلاد هروبا من الأزمة وبحثا عن فرص عمل جديدة لتحسين مستوياتهم المعيشية.