[email protected]
الزميل يوسف عبدالرحمن وتهنئة من الشيخ الغزالي رحمه الله الفائز بجائزة العام 1991.
مع الكاتب الصحافي الكبير مصطفى أمين رحمه الله.
الزميل يوسف عبدالرحمن يتلقى تهنئة الاستاذ يحيى حمزة وفهمي هويدي.
حوار تاريخي لأمير الجهاد بوعبدالعزيز نشرته «الأنباء».
الزميل يوسف عبدالرحمن يصافح السيد هشام علي حافظ ويتسلم الجائزة.
خلف قناص بوسني في جبهة «ترافنيك».
توزيع الاغاثة الكويتية.
الزميل يوسف عبدالرحمن ومحافظ «سبليت» وم. عبدالرحمن العجمي وعبدالعزيز الجيران ومحمد الراشد.
واحد من مساجد البوسنة الذي تعرض للقصف الصربي في مذبحة المساجد المدمرة.
إحدى غرف العمليات المتنقلة في جبهة البوسنة الملتهبة 1992.
الذبح على الهوية جرائم ارتكبتها العصابات الصربية والجيش النظامي.
وأنا استرجع قواي بعد استراحة الفارس الرمز «راكان» وكنت في حالة عصف ذهني مع النفس ليتني انهيت الاستراحة به لأنه مسك الختام حتى اتفرغ للمشروع الخيري في رمضان وإذا بصوت صديق قديم ينساب عبر النقال يبارك لي برمضان ويسألني إن كنت أود مرافقته لزيارة البوسنة في عطلة عيد الفطر السعيد؟ فإذا بي من غير قصد «اتنهد» وأسرح وهو يقول الو الو.. بومهند انت معي؟
ذهبت بعيدا في محنة البوسنة وقصة الشعب الذي يُباد وأسرار هذه الحرب والجريمة الكبرى في الهولوكست الصربي.
صحوت على ندائه وقلت نعم معك.. غير إنني اعتذر عن «روحة البوسنة» فقال متعجبا: لم وأنت من ناصرها ودخل حربها ونقل تقارير صحافية فازت بمسابقة الشرق الأوسط عن أحسن تحقيق صحافي من بين 202 تحقيق ميداني؟ وأعلم أنك تبرعت بقيمة الجائزة لمشروع المغتصبات وسلمت المبلغ للعم يوسف جاسم الحجي شفاه الله وأطال عمره في صحة وعمل.
قلت: نعم يا صاحبي البوسنة في ذاكرتي ذكريات مريرة وشريط من الاحزان مليء بالصور والمواقف والقتل والبارود والذكريات المريرة على النفس يوم كنت تحت وابل النيران في سراييفو!
الاستراحة اليوم عن البوسنة.. ذكريات مريرة وهي كذلك لأنني كنت هناك عام 1992 ونحن اليوم 2015 يعني 23 عاما مضت عن جولاتي الصحافية وتقاريري التي كتبتها عن البوسنة والتي لم ولن أنساها في حياتي قط لعظم الأحداث التي مرت بي هناك وكدت ألقى حتفي لولا ان الله سلم.. لذا سأحدثكم اليوم في الاستراحة عن يوغوسلافيا التي لا يعرفها الناس وسوقت نفسها عندنا كدولة صديقة.
اليوم سأحدثكم عن حرب البوسنة والهرسك والصرب وكيف نجحت جريدتي وهويتي وحبيبتي «الأنباء» في أن تكون الجريدة العربية الأولى التي تخترق الحصار المضروب حول «البوسنة والهرسك» في رحلة البحث عن الحقيقة عبر الأخطار والمصاعب لدولة تفككت وهم 7 ملايين شكل المسلمون 25% من السكان.
كان السؤال الذي يدور في رأسي كالمرجل: لماذا هذه الحرب الغربية الظالمة ضد مسلمي البلقان؟ وكيف أنقل مشاهداتي لشعبي عن المجزرة في يوغوسلافيا لكل من هم من ذوي الأصل السلافي!
حينذاك في ذاك الزمان كان اهلنا في البوسنة يصرخون اننا نباد تحت مرأى العالم؟ انقذونا يا عرب ويا مسلمون من هذه الحرب المدمرة التي تستهدف القضاء علينا؟ مذابح العصر ارتكبت في البوسنة، وبأثر رجعي ثمن عداوة نحو خمسة قرون للدولة العثمانية التي سادت في البلقان.
كان اسم البوسنة لنا في العالم الإسلامي وكأنه لم يكن موجودا؟
تصدقون ان بعض الدعاة كانوا يدعون في خطب الجمعة اللهم انصر البوسنة على الهرسك؟!
تضحكون، نعم ونحن ضحكنا في ذاك الوقت العصيب؟
أيها القراء وأقولها بصدق وشفافية جهارا نهارا وبكل وضوح: دخلت حرب افغانستان واريتريا ومورو في جنوب الفلبين وكشمير والروهينغيا لم اخف ولم أجفل ولم اتراجع، غير ان حرب الصرب والله ثم والله تخوف وترعب فأنت أمام عدو لا يرحم يملك ترسانة اسلحة متقدمة ومصانع سلاح تمثل نصف جيوش العالم ويكفي اننا كنا نتحاشى رمي القناصة الصرب من 4 ـ 6 كيلومترات وهي رصاصات متفجرة شاهدت ضحاياها وهي شنيعة قاتلة ماحقة ضررها البسيط الاعاقة والعجز الكلي، في الاستراحة اليوم سأحكي لكم تجربتي الصحافية في البوسنة؟
كيف شاهدت أوضاع المقاتلين من الشعب البوسني العظيم الذي كسر الكبرياء الصربي الارثوذكسي بكل غروره وتجبره؟!
وأكتب لكم عن اوضاع اللاجئين والمهاجرين المزرية؟ بعد أن هاجر أهل سراييفو وموستار وتوزلا وبانيا لوكا وبيهاتش وزنيستا وترافنيك!
سأنقل لكم كيف كنت على بعد 50 مترا من أقرب موقع صربي؟ وكيف شاهدت أكبر مذبحة للمساجد في التاريخ الحديث؟
يا الله.. لقد شاهدت مقاتلين بوسنيين وعربا يواجهون الدبابات والمدرعات المحصنة بـ 300 طلقة مسدس أو قنبلة مولوتوف!
يا الله.. إنك هناك في حرب الإبادة حيث يقتل المسلم من علامة طهوره!
قرى كاملة رجالا وشبابا قتلوا فقط لأنهم مختونون كعلامة من علامات اسلامهم (في تكرار لما حدث مع المسلمين بعد سقوط الاندلس)!
يا الله.. اين العالم وأين الأمم المتحدة واين جيوش العرب بل أين جيوش الدول الإسلامية مجتمعة؟!.. آسف أن هذا هو نداء إرهابي غير قانوني لكنهم يذبحوننا فهذه هي والله حضارة المذابح!
يا الله.. كنت اتحاشى الطيران والهاون والقناصة وكأننا نلعب «توم وجيري» والقلوب بلغت الحناجر لأن مدنا وقرى كاملة تمت تصفيتها في مجازر تعد هي الأكبر في العالم؟!
استذكر أحيانا وصولي مقر «القوات الإسلامية» اصحاب القبعات الخضراء الشجعان واترحم على من قضوا نحبهم واحدا واحدا في المرتفعات والسهول ومنهم كويتيون وعرب ومسلمون أجانب!
لن أنسى ولن ينسى العالم الإسلامي الرئيس علي عزت بيغوفيتش والذي حُكم عليه بالسجن 5 سنوات أمضى منها 3 سنوات ونصفا وليقود شعبه من الاحتلال الى التحرير فيكون أول رئيس للبوسنة - رحمه الله - وله كتاب قيّم اسمه «الإسلام بين الشرق والغرب» تُرجم إلى العديد من اللغات.
الاستراحة اليوم وعرة «شوية» ولا تصلح لأصحاب القلوب الرهيفة من الشباب والشابات وإنما هي لكل شاب وشابة يعرفون أن الله حق وأن الابتلاء في كل مكان قادم وما الحروب إلا من صنع بني الإنسان وسقوط الأقنعة.
يا الله.. كم عانيت هناك وشاهدت الشعارات البراقة وتضارب المصالح وعمليات التقسيم وهنا أتذكر وطني العربي وكيف يقسم اليوم على يد «داعش» وغيره في أكثر من بلد!
يا الله.. لن أنسى ما حييت تدفق المهاجرين المنكوبين ودور الهلال الأحمر الكويتي ولجنة الدعوة الإسلامية لجمعية الإصلاح الاجتماعي ولجنة أوروبا لجمعية إحياء التراث واللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة (وكلها تمثل أطياف المجتمع الكويتي الذي ناصر البوسنة والهرسك وكان مثالا يُحتذى في النصرة والفزعة لهؤلاء المظلومين في البلقان!)
في ذاكرتي شريط أسود حالك السواد للصرب ومن آزرهم في حربهم ضد أهلنا في البوسنة والهرسك. ويبقى أن أعرّف أن البوسنة حملت الاسم من النهر «بوسنا» وهو أسفل جبل أجمان، أما كلمة الهرسك فهي لقب للدوق الذي حكم سنة 1448م وهي مأخوذة من الألمانية «هيرتسوغ» وتعني الدوق.
ما أثلج صدري الهيئات الكويتية الخيرية التي قدمت مختلف أنواع الدعم الإغاثي والدور السعودي والإماراتي والبحريني والمصري.
كان هناك جسر خيري عربي لا ينضب دعما لإخواننا في البوسنة والهرسك وكان هذا نموذجا للعطاء العربي الإسلامي المشترك.
تريد ان تعرف «ليش» (لماذا) أنا لا أحب أن أذهب لزيارة البوسنة اليوم؟ اقرأ الاستراحة وتعرّف على تجربة صحافي عايش الحرب والحصار وعايش الأزمة وأخرج تحقيقا صحافيا موسعا في النقل والتحليل السياسي وتفسيرا لكل الأحداث هناك في البقعة الدامية.
الاستراحة اليوم أعرضها بعد دخول شهر رمضان الفضيل عليكم لعلنا نتذكر نعمة الأمن والأمان في كويتنا الغالية وأيضا كيف احتلنا الصداميون العراقيون طيلة 7 أشهر مرّة رأينا فيها الويل والقتل والدمار، اللهم ارحم شهداءنا الأبرار وكل شهداء المسلمين.
أيها القراء.. نعم كنت في البوسنة وشاهدت هناك التآمر الدولي والشعارات البرّاقة وتضارب المصالح وعمليات التقسيم للبلقان، وهنا أتذكر ما يقوم به «داعش» من تقسيم لأكثر من بلد وسط دعم ولوبي اقتصادي خفي!
فظيع ما سأذكره عما حدث هناك، والأفظع ما شاهدته ولن أعرضه لحجم الجُرم فيه، والقساوة والقتل والتمثيل وما ترونه ليس إلا شيئا بسيطا من «الجرم الصربي الحاقد».
إنني في هذه المساحة أستذكر بالشكر والعرفان دور بلدي الكويت الرسمي والشعبي وهي أدوار مشكورة رأيتها وكتبت عنها اضافة الى أدوار العمل الشعبي الكويتي الخيري التي قامت بها اللجنة الكويتية المشتركة والإصلاح والتراث اضافة الى الدور السعودي والإماراتي والبحريني والقطري والمصري وهذا كله نموذج للعطاء الخيري المنظم.
أيها القارئ الكريم تريد ان تعرف لماذا أنا ما أحب أذهب الى البوسنة اليوم؟
أكتب لكم من القلب ما عانته البوسنة وسراييفو بلسان د.عبدالرحمن العشماوي: سراييفو تقول لكم: ثيابي ممزقة وجدراني ثقوب.
لن أنسى كتب الشكر التي توالت على جريدة «الأنباء» لتهنئتي على الفوز بالجائزة عن تحقيقات البوسنة والهرسك من د. عبدالرحمن السميط ونادر النوري -رحمهما الله- وطارق العيسى والشيخ خالد المذكور والشيخ ناظم المسباح والزميل د. أحمد الهولي رئيس جمعية المعلمين حينذاك وعمر القناعي المدير التنفيذي للجنة الدعوة الاسلامية والزميل د.عصام الفليج والأخت نسيبة المطوع وآخرين يصعب ذكرهم.
أدعوك للقراءة المتأنية لهذه الصفحة التي دفعت مقابلها جهدا وعرقا ميدانيا كي أنقل للعالم كله قصة البوسنة بعيدا عن الحسابات الضيقة عبر التحقيق الصحافي والذي فاز بجائزة الشرق الأوسط، ولكي يبقى شاهدا على جريمة العصر الكبرى في حرب الصرب ضد البوسنة.. وعلى بركة الله نبدأ:
الصراع في يوغوسلافيا
كانت يوغوسلافيا تتكون من 6 جمهوريات هي: الصرب، كرواتيا، سلوفينيا، الجبل الأسود، مقدونيا، البوسنة والهرسك.
أما القوميات الموجودة فهي: الصرب، الكروات، السلوفانيون، المقدونيون، المنتغويون، الألبانيون، الأتراك.
كان الصراع في يوغوسلافيا صراع أديان برغم الشعارات البرّاقة وتضارب المصالح العالمية وكان خوف المسلمين وهمّهم هو التقسيم.
لذا تجد البوسنة منذ 1992 تكاد تذكّر العالم أجمع بأنها ستبتلع من جيرانها ما لم يتدخل العالم والأمم المتحدة ضد الأطماع الصربية وباختصار كان يُنظر للبوسنة والهرسك على انهم امتداد أجدادهم الأتراك.
نحو 5 عقود حكمت يوغوسلافيا أهلنا في البوسنة وكل المسلمين في البلقان وأذاقتهم الويل فقط عقابا لأن أجدادهم أتراك!
ومن يقرأ التاريخ يعرف أن شعوب المنطقة هم عبارة عن «البوجوميلية» وهي عبارة عن خليط من النصرانية والوثنية وغيرها وهم خالفوا النصارى الموجودين بالمنطقة ورفضوا عقيدة التجسد والصليب والتعميد ونظام الكهانة ما أدى الى نبذهم ومحاربتهم من النصاري الأرثوذكس ما جعل العثمانيون يتدخلون في هذه البقعة فدخل الناس الإسلام وقام الأتراك والألبان بنشر الإسلام.
لقد عمل الرئيس تيتو - وهو صانع المأساة في البلقان والبلقنة - على استقطاب المسلمين ونجح، إلا أنه في النهاية استهدفهم قبل وفاته وتحلل من وعوده ما جعل الصرب يفكرون في ابتلاع البوسنة والهرسك في أوائل التسعينيات وفشلوا في ضمها، وفي رمضان أرجو أن ندعو للرئيس البطل علي عزت بيغوفيتش الذي أحب الكويت وأهلها ووهب الجانب الرسمي والشعبي أعلى أوسمة الامتنان على الدور الكويتي الخالد في مناصرة البوسنة.
المجاهدون العرب
في مكان ما داخل أراضي البوسنة قابلت أمير المجاهدين «أبوعبدالعزيز» ونشرت له المقابلة في «الأنباء» يوم 9/ 10/ 1992 وقال لي في الحديث الخاص لـ «الأنباء» انهم جاءوا للجهاد في سبيل الله وتحرير أراضي المسلمين ووحدوا 13 فصيلا إسلاميا يقاتل تحت إمرة الجيش البوسني وذكر المعارك التي تصدى فيها المجاهدون العرب للصرب ونجحوا نجاحا عظيما حاسما وذكر لي يومها انتصار المجاهدين في «أبورتسي» ودار حديث طويل عن المجاهدين العرب ودورهم في حسم معارك ضروس ضد الصرب المعتدين وذكر نماذج جهادية مثل الشهيد «أبومحمد الفاتح البحريني والشهيد أبودجانة السعودي، والشهيد كليب المطيري» وكيف أن هؤلاء كانوا نماذج تُقتدى من حيث إنهم رهبان في الليل وفرسان في النهار تراهم ركعا وسجدا وبكى محدثي وبكيت معه، وأتذكر مجاهدين من الكويت والسعودية والبحرين وقطر والإمارات ومصر ودول إسلامية وهم الطلائع الأولى لأن البقية الباقية منعت في المطار من الوصول الى البوسنة.
وشاهدت دورات للمجاهدين والبوسنيين للتعلم وكسر حاجز اللغة.
إنني عندما أتذكر كل هؤلاء الشباب الرائعين الذين رحلوا مبكرا، أتذكر أيضا إخوانهم الذين شاهدتهم في أفغانستان وهنا وهناك وهدفهم الجهاد- والله يحشرهم على النيّة- لكن السؤال الذي يدور في نفسي دائما واكتبه.. لِمَ هذه الحروب؟! ومن وراءها! يا الله إنني هنا أقدمهم ولا أزكي على الله أحدا وتبقى الحقيقة.. قاتل الله السياسة.. قاتل الله التسييس.. قاتل الله هذه المؤامرات التي تُحاك ضدنا!
تهجير الأطفال والمُغتصبات
لن أنسى في حياتي أبدا منظر النساء المغُتصبات والأطفال المهجرين وكيف كانت هناك خطة أوروبية لتهجير المسلمين وتنصير الأطفال ودور مشبوه للتجمعات الكنسية واضح في هذا الإطار.
بكيت يوم سلم الصليب الأحمر أكثر من 300 امرأة بوسنية لأهاليهم من زوج وأب وأسرة كن معتقلات في السجون الصربية والمعسكرات وشهدن كل أعمال الذل والعار ومارس معهم الصرب كل أنواع الخسة والدناءة والعدوان من الاغتصاب الى أعمال السخرة وكثيرات منهن سلّموا إلى أهاليهم وهن حوامل، ولك أن تتخيل أبا أو زوجا أو أخا يتسلم امرأة من رحمه وهي حامل..؟!
تبيت كريمةً ليلى وتصحو
وقد ألغى كرامتها الغريبُ
تخبئ وجهها يا ليت شعري
بماذا ينطق الوجه الكئيبُ
كانت رئيسة حركة مسلمات البوسنة الأخت فاطمة كافجتش تصرخ: هناك 48 ألف مفقود لا نعرف مصيرهم و60 ألف امرأة وطفل معرضون للإبادة، وقد شاهدت بأم عيني كيف أن باصات وسفنا نقلت آلاف الأطفال من كرواتيا إلى أماكن مجهولة وقيل انها بلدان أوروبية وتجمعات كنسية.
وفي لقاء مع الجمعية الخيرية الإسلامية في مدينة يابلانيتسا، قال مديرها الناشط الخيري البوسني سليمان سرايليتش بأن هذه الحرب استهدفت 80% من المسلمين إما عن طريق الحرب المباشرة والقتل العمد أو عن طريق التشريد باستخدام الأسلحة الحربية المتطورة أو الحصار الجائر.
وقال سليمان لي يومها: أخي أرجو أن تعلم أن الصرب لديهم مخطط إبادة شامل لنا في البوسنة والهرسك وإن نجح فسيتابعون هذا المخطط اللعين في بقية الدول التي بها مسلمون في البلقان مثل كوسوفا ومقدونيا وانهم الآن يقصفون كل الجمعيات الخيرية وأماكن اللاجئين والمهاجرين فمن ينصرنا غير الله؟ أرجوك اكتب هذا.
أم يوسف البوسنية
كان يرافقني في الزيارة د.سهيل وأصر على أثر القصف الصربي بالهاون على مدينة (دوني وقف) أن نتوقف عند والدة زوجته (أم يوسف) وأحببت الاسم وذكرني بوالدتي وأتذكر انني كنت منذ العاشرة صباحا في يوم الجمعة وأنا أعد عدد قذائف الهاون ووصل عددها الى 85 قذيفة هاون على المنطقة، لأن الصرب يعرفون أن المسلمين في يوم الجمعة يخرجون صباحا لصلاة الجمعة ويتجمعون من مناطق كثيرة لأداء الصلاة وقراءة سورة الكهف فكانوا يكثفون القصف كي ينزلوا أكبر عدد من الخسائر في الأرواح والممتلكات.
رجعنا من الصلاة وإذا بـأم يوسف «مسوية وطابخة أكلة لحم مع خضار وقرع» مثل المسقعة وخبز، كانت تضحك عندما قلت لها يا الله نفسك في الطبخ؟!.. وبعد الترجمة ضحكت وقالت أنا شاهدت بلدكم الكويت من خلال التلفاز في يومكم الوطني، الكويت جميلة وأجمل ما فيها البحر والصحراء في مكان واحد ولأنها قريبة من الكعبة وأنا أحب أن أحج بعد أن تحرر البوسنة.. وواصلت أم يوسف الحديث عن الحرب بمرارة.. أنا أتمنى أن تزور بلدتي الأصلية «بروتست» وهي الآن جبهة ساخنة فيها تدور معارك طاحنة رغم انها كانت تُقام فيها الاحتفالات الدينية وللعلم أنا من أصل بشناقي وأجدادي منهم قضاة ودعاة وبيتنا يستقبل الزوار وعابري السبيل وأنا من صغري أقرأ المعوذتين وسورة يس وآية الكرسي ولا أخاف من القذائف لأن الحياة بيد الله.
لقد ختمت عبارتها لي بأن الصرب يعتبروننا أتراكا وكل مسلم عثماني، لذا إذا دخلوا المناطق البوسنية يقولون للسكان اذهبوا الى تركيا.. أنا لا أدري إن كانت هذه المرأة الآن حيّة أم ميّتة، ولكنها «ست» عظيمة من البوسنة، ولسان حالها يسأل:
سل الفجر الذي لم يبد فينا
لماذا لا يغني العندليبُ؟!
الطلبة العرب
عقب اندلاع شرارة الحرب الصربية ضد المسلمين في البوسنة والهرسك كان الطلبة العرب الدارسون هم أكثر ضحايا هذه الحرب «بهدلة» وأوضاعا تعيسة فبعضهم ظل محبوسا حتى نهاية الحرب سواء من كانوا يدرسون في العاصمة سراييفو أو بقية المدن البوسنية الأخرى.
كانت المشكلة الكبرى أن سفاراتهم اغلقت ومن كان لدولهم علاقة وثيقة بالصرب استطاعوا اللجوء الى سفاراتهم وترحيلهم على دفعات أو انضموا الى طلائع المهاجرين في كرواتيا وسلوفينيا.
لعب الطلاب العرب دورا بارزا في إدارة الجمعيات الخيرية العربية والإسلامية لمعرفتهم باللغة وتعايشهم مع المجتمع البوسني، فكانوا إما متطوعين عاملين في هذه اللجان أو يقومون بدور الترجمة لأنهم يعرفون اللغة كما أنهم تمت تصفيتهم أو اغتيلوا على يد عصابات الجتنك الصربية الحاقدة التي قامت بتصفية كل من في طريقها بتطبيق سياسة الأرض المحروقة.
مشكلة الطلاب العرب تفاقمت بعد انقطاع الدعم عنهم لذا فكثير منهم لجأ الى الجيش البوسني الإسلامي أو التحق بجبهة المجاهدين العرب، خاصة أولئك الذين تزوجوا من فتيات بوسنيات وبرز كثير منهم في العمل الخيري والتطوعي ومرافقة الوفود في لجان الإغاثة والمنظمات الدولية.
آخر الكلام
بوسنيون في السجون الصربية.
بعد الانتهاء من رحلتي الصحافية الصعبة لايزال في ذاكرتي الشيء الكثير عن الطرق التي مررت فيها وكيف كان تفتيش الكروات صعب علينا وكيف كنت أشاهد الانهيارات الجبلية اثر القصف الصربي تنهار علينا والناس يتراكضون ومن هم على السفوح يرفعون شارة النصر.
مازال في ذاكرتي كل الذي جرى في المعتقلات الصربية وكيف قابلت العشرات من الناجين من هذه السجون والمعتقلات القاتلة وكيف تم تعذيبهم؟
كنت أتابع الإعلام الفرنسي والألماني وأقول أي حرية هذه وهم يرون كل هذه الجرائم ويحملون الشعب البوسني مغبة الانفصال؟
لقد رأيت ماذا فعلوا وكيف دمرت أيادي الباطل والبهتان مساجد البوسنة ومبانيها الإسلامية العريقة وتبقى كلماتي عاجزة عن وصف المجازر والمذابح والإبادة والقتل والهدم والتخريب في عصر أكذوبة الديموقراطية وإشاعة النظام العالمي الجديد؟! من سيحاسب من دفن الآلاف في المقابر الجماعية؟!... ومن سيحاسب من عذّبوا المسلمين كمجرمي حرب وهذا منصوص عليه في القانون الدولي؟!
نعم أنا أقول لكم الحقيقة بعد مرور 23 عاما على الجريمة.. من سيعوض البوسنة عن حرق فكرها وثقافتها؟
ومن سيعوضها عن هدم مساجدها وصروحها العلمية؟!... وقبل هذا كله من سيرجع الأطفال الذين هجّروهم إلى جهات كنسية مجهولة ومن سيعوّض ويعاقب من اغتصبوا المسلمات؟!
إننا أمة مُستضعفة بعد أن كنا سادة العالم.. أرجو أن يخرج لنا جيل جديد يكون خير خلف لأسلافنا من المجاهدين العظام.
كيف يرضون كإعلام غربي حر وهم يرون كل هذه التوابيت للرجال هشمت رؤوسهم بالفؤوس ويصرخ الصربي ان دم المسلمين حلو؟!
لم رسم كل هذا الكم من الصلبان على الصدور؟ ولم حمل النساء سفاحا ثم القول إن الاطفال الذين سيولدون هم صرب ومن أصول صربية؟ ذل وإذلال للمسلمات؟!
لقد عايشت قصة «مديحة العروس البوسنية الباكية» التي قتل عريسها أمامها مع شقيقها ثم ولوا مدبرين حينما علموا أن الفرقة الإسلامية وصلت البلدة لتطاردهم وهم فارين بعد ارتكاب جريمتهم النكراء.
لقد وقفت مديحة لتقول لهم وللعالم: «ذبحوهم.. أمي وأبي واخواني وخطيبي».
لقد ذبح الطغاة أيضا إمام المسجد وزوجته وأطفاله في قرية قريبة وهم يصوبون بنادقهم وينشدون صربيا، صربيا، صربيا ستسود العالم!
كانت رحلة صحافية مخيفة شكرت الله عز وجل أن أخرجني منها سالما ومن معي وشهدت هناك العملة البوسنية الجديدة من فئة الـ 1000 و500 و100 و50 و25 و10 دنانير وكتبت في نهاية تحقيقاتي مقترحات لإنقاذ مسلمي البوسنة والهرسك مكونة من 15 مقترحا لاقت في وقتها صدى طيبا وتطبيقا عمليا تنفيذيا لبعضها من حيث الجمعيات الخيرية وتوفير وسائل النقل واستخدام اللاسلكي وتزويد بعض المدن بصافرات الانذار وضرورة نشر التقارير الإعلامية في المحطات والإذاعات العربية والإسلامية والاهتمام بقضايا التدريب وتطوير مراكز الإسعاف خاصة في الجبهات والتنسيق الديبلوماسي في المحافل الدولية وهكذا..
عزيزي القارئ أرجو أن أكون قد استطعت أن أعطيك استراحة نوعية خاصة أن الاستراحة ستحتجب طيلة شهر رمضان المبارك أعاده الله على الجميع بخير وتقبل الله صيامكم وقيامكم.