حافظت القابلة التقليدية "الدّايّة"، في المجتمع الصومالي على مكانتها طيلة العقود الماضية، فلا تزال شريحة كبيرة من الصوماليين تضعها في منزلة "الجدة"، رغم تحول المجتمع من الطب التقليدي إلى المستشفيات.
وداخل مخيم "العدالة" في العاصمة مقديشو تتنقل القابلة من منزل إلى آخر لمعاينة أوضاع الحوامل وطمأنتهن في خطوة تستعد فيها للتعامل مع حالات الولادة المبكرة للأسر الفقيرة.
هاجس الخوف وفوبيا المستشفيات نتيجة شائعات تتردد هنا وهناك، إلى جانب التكلفة الباهظة عوامل دفعت شريحة واسعة من الأسر الصومالية، لاسيما الفقيرة، إلى الاستعانة بالقابلات رغم حداثة المستشفيات والمراكز الصحية، ما ينعش هذه المهنة التي اندثرت أو كادت في الكثير من المجتمعات الفقيرة.
زهرة عثمان أم لـ10 أولاد تنتظر بفارغ الصبر موعد لقائها مع القابلة للكشف عن حالتها الصحية وإجراء فحوصات روتينية عبر أدوات بدائية، وتلقي الاستشارة الطبية.
تقول زهرة للأناضول "لم أزر يوما المراكز الصحية والمستشفيات فهم محط الخوف لنا، لأنهم يلجأون دائماً إلى العمليات القيصرية لتوليد الحوامل دون إعطاء فرصة للولادة الطبيعية".
"كنا نسمع مئات الحوامل في المستشفيات وضعن حملهن من خلال إجراء عمليات جراحية أفضت إلى الموت، ولهذا نؤمن أن المراكز الصحية كابوس موت على حياتنا وحياة مواليدنا"، تضيف زهرة.
روايات وأقوال يتداولها الناس هنا في مخيم العدالة، لتبرير عدم ثقتهم بالمراكز الصحية، ومما رفع سقف مخاوف هؤلاء البسطاء من المستشفيات، انتشار شائعات بنزع أعضاء النساء كالكلى أثناء توليدهن إلى جانب التعرض لأمراض خطيرة منقولة كمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز).
بتولة نور أحمد 55 عاما تقول للأناضول وهي تغلي أدوات التوليد بالنار "أمتهن مهنة التوليد التقليدية منذ أكثر من 25 عاما".
وتؤكد أنها مهنة شاقة "تتطلب الخبرة والتأني لأن القابلة مسؤولة بعد الله على حياة الحامل ومولودها مع توقع كل الحالات المستجدة أثناء الولادة".
بتولة التي بدأت هذه المهنة في البوادي قبل أن تنتقل إلى مخيم "العدالة" في العاصمة مقديشو، إثر موجة جفاف ضربت قريتها، تقول إنها أشرفت على أكثر من 250 عملية ولادة، في هذا المخيم.
وتفضل حوامل المخيم الحاجة بتولة ويطلقن عليها "السكرية" كناية عن شفقتها وبراعتها وسهولة توليدها.
تقول بتولة ويداها مشغولتان بتنظيف أدوات توليد تقليدية " أتمسك بهذه المهنة، وتشكل بالنسبة لأسرتي مصدر رزق في ظل الظروف الصعبة التي تواجه الأسر الصومالية، وخاصة تلك التي تعيش حياة البؤس والتشرد خارج مقديشو ".
وترجع عزوف النساء الفقيرات عن المستشفيات والمراكز الصحية، إلى إيمانهن بمهارة القابلات التقليديات والتيمن بهن، أسوة بجداتهن، فرغم تطور طب التوليد الحديث، تعتبر القابلة الأنسب والأرخص كلفة لوضع أرحامهن بين يديها.
وفي ساحة صغيرة داخل بيت بتولة تصطف الحوامل يوميا انتظارا لدورهن في الكشف والإشراف على أحوالهن الصحية وتقديم نصائح طبية تقليدية.
ولساعات تبقى النسوة اللاتي يشعرن بالمخاض في بيت بتولة، لحين التأكد من استقرار وضعهن، وقتها تسمح لهم القابلة بالعودة إلى أكواخهن.
مريم عبدي عثمان حامل في شهرها الثامن تقول للأناضول إن زيارتها للمراكز الصحية تقتصر فقط على الأمراض الأخرى، لكن عندما يخص الأمر بالولادة تكون القابلة التقليدية الملجأ الوحيد لي ولكثير من الحوامل.
وأشارت أنها أنجبت 15 مولودا من خلال القابلات التقليديات، وتنصح الفتيات لاسيما المقبلات على الزواج، باللجوء إلى القابلة لمتابعة حملهن وبعد الولادة الطبيعية.
لكن ثمة طقوس للولادة التقليدية، تكشف عنها القابلة شريفة أحمد، التي تسخر ابنتها البكر قبيل الشروع في عملية التوليد لإعداد جميع مستلزمات الولادة من السكين والمقص والمنديل وبعض المهدئات.
وتغسل القابلة يديها بالصابون وتدهنهما بالزيت، فيما يتدلى وسط المنزل حبل من السقف، تلجأ إليه أحيانا لإحكام قبضات الحوامل أو الاستعانة به عند المخاض الشديد أو عند الضرورة قبيل الولادة.
وعند بداية المخاض تلعب ابنة شريفة دور المساعد لتجلس خلف المرأة الحامل وتدلك ظهرها لتسهيل عملية الولادة في حين تعض المرأة على قطعة ثوب لتصريف صراخها من شدة ألم الولادة، ليرى الجنين النور أخيرا ومن ثم يتم لفه بالثوب الناعم.
وللقابلات سبلهن للتعامل مع الحالات الخطرة كالنزيف الدموي الحاد أثناء الولادة، إذ يلجأن إلى وسائل تقليدية، كخلط السكر بالثلج وإطعامه للمرأة التي تلد، إلى جانب وضع قطعة الثلج بالبطن ليتوقف النزيف فورا، بحسب شريفة.
وبجانب الاطمئنان للقابلات والتيمن بهن، يبقى السبب اقتصادي في كثير من الأحيان، فبحسب المشرفين على المخيم ورغم إطلاق مراكز صحية داخله لتوفير الدواء للنازحين والتوعية بمخاطر الولادة التقليدية.
ورغم ذلك هناك من يفضلن القابلات التقليديات بسبب عدم مجانية الولادة إلى جانب الكلفة الباهظة للمستشفيات الخاصة غير الحكومية.
وتبقى القابلة التقليدية في الصومال تتحدى الزمن، من خلال توريث المهنة من جيل لآخر، دون أن ينال منها انتشار الطب الحديث، واتجاه شريحة من المجتمع الصومالي للمستشفيات والمراكز الصحية.