- صحافيو «بي.بي.سي» يتركون آراءهم عند الباب قبل الدخول وكل صحافي مسؤول ويحاسب عن دقة الخبر وطريقة صياغته
بيروت ـ جويل رياشي
«هنا لندن.. سيداتي، سادتي، نحن نذيع اليوم من لندن باللغة العربية للمرة الأولى في التاريخ».. بهذه الكلمات بدأ أول بث إذاعي من القسم العربي في شبكة «بي.بي.سي» البريطانية بصوت أحمد كمال سرور مصحوبا بدقات ساعة «بيغ بن». كان ذلك في 3 يناير 1938.
ومنذ ذلك الحين باتت العبارة الشهيرة «هنا لندن» ودقات «بيغ بن» كالعلامة المسجلة باسم «هيئة الاذاعة البريطانية» المعروفة بـ BBC وقد أصبحت الخدمة العربية «بي بي سي - عربي» الخدمة الاكبر بعد اللغة الانجليزية في الخدمة العالمية.
في خضم احتفالات العيد الثمانين، التقت «الأنباء» مدير القسم العربي سمير فرح، أحد وجوه شاشتها سابقا والذي يتولى منذ سنة تقريبا دفة الإدارة لتنفيذ خطة عمل طموحة تعزز جمهور الشبكة وتدخل الى شمال افريقيا والخليج، وفيما يلي نص الحوار:
في ثمانين عاما ما الذي راكمته «بي.بي.سي ـ عربي» غير الخبرة؟
٭ الثقة! ثقة عشرات الملايين في العالم العربي وبقية أنحاء العالم، الذين يقولون باستمرار منذ ثمانين عاما ان ثقتهم عالية فيما تقدمه لهم «بي.بي.سي ـ عربي» من أخبار وبرامج.
في كل استطلاعات الرأي التي نطلع عليها، يتبين بوضوح ان رحلة الثمانين عاما انتجت علاقة ثقة عالية بين الإذاعة وجمهورها.
هذا لا يعني مطلقا أننا لا نخطئ، ولكن استقلاليتنا وإصرارنا على قول الحقيقة يعنيان ان نقولها أيضا عندما نقع في خطأ غير مقصود. ثقة جمهورنا كنز من المستحيل التفريط فيه لأي سبب كان وأيا كانت الجهة التي ربما تتمنى لو نغير كلمة هنا أو خبرا هناك.
ما من مؤسسة إعلامية في العالم تفرط بثمانين عاما من الثقة لإرضاء حزب أو حركة أو حكومة، بريطانية كانت أو غير بريطانية. وهذا ما أردنا أن نؤكده من خلال شعارنا لهذه المناسبة «ثمانون عاما: ثقتك في محلها».
هل تغيرت بعض المعايير التحريرية عبر السنوات لجذب المزيد من المستمعين والمشاهدين؟
٭ لا، المعايير لا تتغير. ولو تغيرت لما استمرت «بي.بي.سي ـ عربي» كل هذا الوقت. المشهد الاعلامي يتغير، والبرامج تتغير وكذلك وسائل إيصال المعلومة والتكنولوجيا المستخدمة، وربما طريقة بناء الجولات الاخبارية والتقارير والبرامج والوثائقيات.
الايقاع اليوم أسرع، ومتطلبات المستمع والمشاهد أعلى مما كانت عليه سابقا وتلبيتها أكثر كلفة وصعوبة، ولكن المعايير التحريرية لا تتغير.
جمهور «بي.بي.سي ـ عربي» يثق بها ليس بسبب ميزانياتها الهائلة واستديوهاتها الشاسعة، بل بسبب اصرارها على دقة الخبر الى اقصى حد ممكن، وجرأتها في طرح كل المواضيع بلا قيود.
كيف واجهت «بي.بي.سي» النقلة الى العصر الرقمي؟
٭ بالتعرف باكرا على تغير الواقع الاعلامي وبالاستعداد له جيدا. صناعة البرامج ثم وضعها على المواقع الالكترونية لم يعد كافيا لجعلها «رقمية». الجمهور، إجمالا، يتوقع ان يكون المحتوى قد صمم خصوصا لهاتفه الجوال، على سبيل المثال، وليس مجرد نقل أو بث رقمي لبرنامج اذاعي أو تلفزيوني. المحتوى مختلف وتركيب البرنامج يختلف، والمدة تختلف جدا أيضا. ما ينجح على وسيلة بث قد لا ينجح بالضرورة على وسيلة أخرى.
مثلا، هناك الآن في «بي.بي.سي ـ عربي» فريق انتاج كامل وشديد الابتكار يتخصص فقط في صناعة الصحافة الاستقصائية الرقمية، وهو أمر لم يكن ليخطر في البال منذ عشر سنوات.
هل لـ «بي.بي.سي» رأي ظاهر أو مستتر؟
٭ اذا كان السؤال هو عن رأي سياسي للمؤسسة فالإجابة هي لا. للناس آراء ومواقف ولكن «بي.بي.سي» تتوقع من كل صحافييها، وفي كل خدماتها العالمية والمحلية، أن يتركوا آراءهم عند الباب قبل الدخول.
الصحافي مسؤول، ويحاسب، عن دقة الخبر وطريقة صياغته لكي لا يكون محملا بمعان تحتمل التأويل والمواقف.
من باب النقد الذاتي: أين مكامن القوة وأين نقاط الضعف عندكم؟
٭ مكامن القوة ذكرتها سابقا، وأضيف إليها هيكلة «بي.بي.سي» التي لا تسمح بتكوين جزر تحريرية غير خاضعة للمحاسبة، والاحترام المتبادل بين كل الموظفين مهما كانت وظائفهم.
هناك شيء قوي يجمع بين كل من يعمل في «بي.بي.سي»، رغم معرفتهم التامة أن هناك مؤسسات تقدم رواتب أعلى، وهو تمسكهم الشديد بما تعنيه «بي.بي.سي» من استقلالية وحياد ودقة واحترام، وهي مبادئ يلتف حولها الجميع ويصرون عليها، ويسائلون بعضهم بعضا، وإدارتهم كذلك، عنها.
ليست هناك نقاط ضعف تذكر لأن المهم موجود، ولكن هناك أمورا أقل أهمية نعمل على تجاوزها وتحسينها.
أبرز الخطط للمستقبل القريب؟
٭ المزيد من البرامج التي تبث من العالم العربي، وهي أقرب جغرافيا الى جمهورنا وتستغل الخبرات والطاقات الهائلة الشابة الموجودة في المنطقة. ترقبوا المزيد قريبا جدا.
هل المنافسة عامل تحفيزي بالنسبة إليكم أم العكس؟
٭ لا مجال للمقارنة بين المشهد الإعلامي العربي الحالي وأفق إعلامي فيه فقر عددي ونوعي. المنافسة عامل تحفيزي أكيد 100%.