التطورات في سورية متسارعة وعلى كل الجبهات: الحرب الداخلية بين نظام ومعارضة انكفأت. الحرب الإقليمية تتقدم وتحتدم بين ثلاثة لاعبين: تركيا وإسرائيل وإيران ومن خلفها اللاعبان الأساسيان أميركا وروسيا اللذان بدأت التفاهمات بينهما تتآكل والحرب الباردة تلمع مجددا.
وفي وقت كانت تركيا تتوغل في العمق البري السوري ضد المسلحين الأكراد انطلاقا من عفرين، كانت إسرائيل تتوغل جوا في العمق الجوي السوري وتضرب أهدافا سورية وإيرانية وتصدم بسقوط طائرة «أف-16» بعدما كانت روسيا فوجئت قبل أيام بسقوط طائرة «سوخوي». وفوجئت أيضا بالضربة الأميركية القاسية في دير الزور ضد أهداف حليفة. إنها مرحلة الرسائل العسكرية الساخنة في موازاة العملية السياسية المتعثرة.
إنها الغيوم التي تتجمع في سماء سورية والمنطقة منذرة بربيع عاصف.. إنها مقدمات حرب إقليمية عناصرها متوافرة، لكن وقوعها غير مؤكد.
في الوقائع أولا: جاء تطور الوضع على هذا النحو: بعد الغارة الإسرائيلية التي استهدفت مركزا للبحوث العلمية في ريف دمشق، أطلقت إيران من قاعدة عسكرية في تدمر طائرة من دون طيار مسيّرة فوق أجواء إسرائيل تصدت لها طائرات إسرائيلية وأسقطتها.
ولكن الدفاعات الجوية السورية تمكنت من إسقاط طائرة إسرائيلية متطورة من طراز «أف-16» في منطقة الجليل، وهذا يحصل للمرة الأولى منذ نحو أربعين عاما.
وإثر ذلك، نفذت إسرائيل سلسلة غارات عنيفة وضربت 12 موقعا سورياً وإيرانياً.
في الخلفيات والظروف المحيطة ثانيا، فإن الاشتباك الجوي لا يأتي من فراغ، وإنما أنتجته مجموعة عوامل وعناصر متراكمة ويعكس وضعا شديد التعقيد ومتداخلا في خيوطه الدولية والإقليمية على أرض سورية وفي أجوائها. وما يمكن قوله في هذا الاشتباك السوري- الإسرائيلي بأبعاده الروسية والإيرانية والأميركية:
1 - ثمة صلة غير مباشرة بين سقوط طائرة «سوخوي» الروسية وسقوط طائرة «أف-16» الإسرائيلية ومن ضمن مسار خرق لقواعد اللعبة بدأ بإسقاط طائرة حربية روسية من خلال السماح للمجموعات المعارضة المسلحة في إدلب بامتلاك سلاح صاروخي مضاد للطائرات.
فإذا كان مصدر هذا السلاح أميركي وكانت واشنطن تتحمل مسؤولية غير مباشرة في إسقاط الطائرة الروسية، فإن مصدر الدعم للرد السوري على الطائرات الإسرائيلية وإسقاط أحدها هو «روسي»، بمعنى أن هذا الإسقاط ما كان ممكنا من دون ضوء أخضر روسي أيا يكن دور إيران في هذه العملية.
وفي ذلك رسالة إيرانية- روسية مزدوجة: الإيرانيون يعلنون أن تنفيذ الغارات الإسرائيلية لم يعد نزهة، وأن سياسة «الرد في الوقت والزمان المناسبين» تم تجاوزها. والروس يعلنون أن الجيش السوري يمتلك صواريخ أرض- جو فعالة مصدرها روسيا، وكأنهم يوجهون رسالة حازمة تذكر بأن موسكو هي من يمسك بمفاتيح اللعبة والحركة العسكرية، وأن إحراجها قبيل الانتخابات الرئاسية الروسية سيعني تعديلا في قواعد اللعبة في سورية.
2 - لا يمكن فصل التصعيد الإسرائيلي في سورية عن التصعيد الأميركي الذي ترجم أخيرا في توجيه ضربة موجعة ضد قوة من الجيش السوري والميليشيات الحليفة له حاولت التقدم في اتجاه مواقع نفطية تسيطر عليها «قسد» (الكردية) في دير الزور، وهذه الضربة التي أوقعت أكثر من مائة قتيل كانت بمثابة رسالة ميدانية واضحة بأن واشنطن لن تسمح للنظام السوري أو لحلفائه بوضع يدهم على الحقول النفطية الأساسية.
وهذا التصعيد يندرج في إطار الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي ترفض التسليم بالحل الروسي. وقد تشجعت إسرائيل بهذه الاستراتيجية الأميركية السياسية والعسكرية واندفعت في غاراتها الهادفة الى ممارسة ضغوط أقوى باتجاه واقع جديد يناسبها على الأرض وتحديدا في جنوب سورية لجهة إبعاد الوجود الإيراني وإنشاء منطقة آمنة بعمق 40 كلم. فما كانت إسرائيل تريده ولم يكن متاحا لها أيام إدارة أوباما، صار ممكنا الحصول عليه مع إدارة ترامب الداعمة والمشجعة.
3 - ثمة وضع جديد نشأ بعد سقوط الطائرة الإسرائيلية: سورية وحلفاؤها أعلنوا أن القرار اتخذ بالمواجهة والتصدي لأي هجمات واعتداءات إسرائيلية، وأن الوضع تغير من الآن فصاعدا. وإسرائيل التي وصلتها الرسالة، الكرة صارت في ملعبها أعلنت أنها ستواصل غاراتها متى احتاجت إلى ذلك، لكنها أكدت أنها غير معنية بالتصعيد خوفا من مواجهة يعرف الجميع كيف تبدأ، لكن لا أحد يعرف كيف تنتهي.