أكراد سورية انتابهم القلق والتوجس منذ الصيف الماضي عندما تخلت الولايات المتحدة عن أكراد العراق ولم تدعم «استفتاءهم على الاستقلال»، ولم تفعل شيئا إزاء اندفاعة إيران وتركيا باتجاه كركوك، واشتد هذا القلق بعد التوغل التركي العسكري في عفرين، بينما كان الأميركيون يتفرجون ويفاوضون تركيا على منبج المجاورة.
وعندما كشف ترامب عن توجهه الى الانسحاب من سورية تفاقم مأزق الأكراد لأن مشروعهم لم يتثبت على الأرض ولم يتحول الى أمر واقع، ولأن الأكراد سيصبحون أمام خيارين: إما الحوار والتفاوض مع النظام لضمان حصتهم في مستقبل سورية ولكن ليس على أساس مشروعهم الفيدرالي، وإما الدخول معه في مواجهة ستكون غير متكافئة بعد الانسحاب الأميركي.
تقلبات المزاج الأميركي وعدم ارتسام استراتيجية ثابتة يمكن الركون إليها هما مصدر قلق مستمر أيضا لدى أكراد سورية الذين يقفون على مفترق طرق، فمن جهة باتوا يدركون حقيقة موازين القوى، وأن الدولة السورية مع حلفائها الإيرانيين والروس، أصبحوا الطرف الأقوى في سورية، ومن جهة أخرى يتعزز التحالف الروسي التركي، وهو مرشح لمزيد من الاتساع في الشمال السوري، في حين أن التوسع العسكري لـ «قسد» كشف أمام الأكراد صعوبة رسم خريطة «الكيان الكردي» في سورية، واختلاف التوزيع السكاني الكردي في المناطق التي كانت تعد معاقل لهم، وضعف فرضيات الأكثرية الكردية الغالبة في الشمال السوري، وعدم توافر أكثرية وازنة لم تتعد في أفضل الأحوال ٤٠%.
وتقول قيادية بارزة في «وحدات حماية الشعب» إن الأميركيين قد لا يبقون أكثر من عام واحد في سورية بعد أن كان تردد أنهم لن يخرجوا قبل 3 أعوام.
إن عامل الوقت لم يعد يلعب لمصلحة بناء مشروع فيدرالي في سورية مع بدء العد التنازلي لسحب الرعاية الأميركية والدخول في مواجهة مفتوحة مع روسيا، حيث عد الأكراد معركة عفرين، معركة تركية ـ روسية مشتركة، كشفت حدود الرهان على أميركا، كما كشفت حدود قوتهم العسكرية التي لن تستطيع مواجهة جميع القوى المحلية والإقليمية، ولابد لها من إعادة صياغة مشروعهم السياسي على قاعدة التسوية مع النظام، والانفتاح على دول الإقليم.
والعودة إلى حقائق الجغرافيا السياسية تشير إلى أن رحيل الولايات المتحدة مسألة وقت، وأن المشروع الكردي سيصطدم بالقوى الإقليمية من إيران إلى تركيا فالعراق، فضلا عن دمشق.
القلق الكردي لم ينبجس مع اختيار دونالد ترامب إعادة جنوده إلى ديارهم.
فوزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون طرق أبواب أردوغان للتفاهم على سحب الأكراد من منبج وإدارتها معا، من ضمن صفقة تشمل إعادة «تعريب» الأوضاع في وادي الفرات برمته، وفرض الانكفاء على القوات الكردية تجنبا لعفرين أخرى يهدد بها الأتراك في الرقة وتل أبيض، وحتى القامشلي.
ولم تهدأ المخاوف الكردية على رغم خروج تيلرسون من المشهد بل إن الادارة الأميركية تثيرها أكثر.
وهي تعدو خلف استراتيجية خروج من سورية بعد أربعة أعوام تقريبا من الوجود المباشر، والفشل.
ولابد أن يعود الأكراد نحو مراجعات ضرورية، وخفض سقف مشروعهم لإنقاذ بعض من مكاسبهم السياسية والميدانية.
وفي عدوها نحو صياغة استراتيجية خروج من سورية، وضعت واشنطن مشروعا لبناء قوة عربية من عشائر شرق الفرات تملأ فراغين موازيين: الأول تقول إنه يستهدف تسليمها القواعد الأميركية في سورية، وعلى طول وادي الفرات، وبالقرب من الطريق الذي يربط بيروت دمشق بغداد طهران لمواصلة تهديده إذا أمكن، والثاني هو الفراغ الذي سينتج من خروج القوات الكردية وانكفائها إلى الشمال، ومنع النظام وحلفائه من تحقيق نصر سهل، والتقدم نحو المناطق التي تم إخلاؤها.
وبحسب «وول ستريت جورنال»، طلب الأميركيون من السعودية وقطر والإمارات ومصر، ملء الفراغ شرق الفرات، إما بتمويل إعادة الإعمار في المنطقة بمبلغ أولي يصل إلى ٤ مليارات دولار كما قال الرئيس دونالد ترامب، وإما باستقبال قوات على أراضيهم لتجهيز القوة العشائرية العربية.
ويخطط الأميركيون منذ أشهر لتجنيد ٣٠ ألف عربي كحد أدنى، يكلفون بسد الطريق على الجيش السوري إلى منطقة تبلغ مساحتها ثلاثة أضعاف مساحة لبنان.
ويقول مظلوم عبدي، القائد العام لـ «قسد» (ينحدر من مدينة عين العرب (كوباني)) إن قواته ستتعاون مع الدول العربية في حال أرسلت قواتها تحت مظلة التحالف إذا انسحبت القوات الأميركية.
وأكد أن «قسد» تضم ٦٠ ألف مقاتل وشكلت «قوات حرس حدود» من 30 ألفا، وانتشرت على الحدود مع تركيا شمالا، والحدود العراقية المحاذية لمناطق «داعش» شرق سورية، وعلى طول الخط الجنوبي لنهر الفرات الخاضع لسيطرة النظام.
وكشف أنه عقد اجتماعا مطولا مع بريت ماكغورك ممثل الرئيس الأميركي في غرفة التحالف الدولي قبل أيام، لمناقشة تصريحات ترامب وعزمه سحب قوات بلاده من سورية، ونقل له بأن الإدارة الأميركية في مرحلة صناعة القرار ودراسة صياغته.